مصـارف الزكــاة
قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ [التوبة:60]. فقد عين الله في هذه الآية المستحقين للزكاة، وأنهم ثمانية أصناف، وتفصـيلهم على النحو الآتي:
الأول والثاني: الفقراء والمساكين:
اختلف العلماء في التفريق بين الفقير والمسكين، ولا يتسع هذا المختصـر لذكر هذا الخلاف؛ إذ كلاهما من أهل الزكاة، خلاصة ذلك أن المحتاج من أجل الفقر والمسكنة هو من لا مال له ولا كسب، وكذلك من له مال وكسب، لكنه لا يسد كفايته وكفاية من يعولهم.
قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (والمعتبر ليس فقط ما يكفيه للأكل والشـرب، والسكنى والكسوة فحسب، بل يشمل حتى الإعفاف؛ أي: النكاح، فلو فرض أن الإنسان محتاج إلى الزواج، وعنده ما يكفيه لأكله وشـربه وكسوته ومسكنه، لكن ليس عنده ما يكفيه للمهر، فإننا نعطيه ما يتزوج به ولو كان كثيرًا)[1].
قلت: ويستدل لذلك بما ثبت في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ جاءه رجل فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار.. فقال: «على كم تزوجتها؟» قال: على أربع أواق؛ قال: «على أربع أواق؟ كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسـى أن نبعثك في بعث تصـيب منه»[2]. فقوله: «ما عندنا ما نعطيك» يدل على أن مثل هذا الإعطاء كان معروفًا.
من أحكام الغني في الزكاة:
(1) إذا كانت الزكاة للفقراء والمساكين، فهي لا تجوز على الأغنياء، لكن العلماء فرقوا بين الغني الذي لا تجوز الصدقة عليه، وبين الغني الذي يجب أن يؤدي الزكاة. فالثاني معروف؛ وهو الذي ملك نصابًا، وأما الغني الذي تحرم عليه الصدقة، فهو الذي عنده كفايته؛ سواء ملك نصابًا أم لا.
وبناءً على ذلك فقد يملك النصاب ويجب عليه إخراج الزكاة، لكنه في الوقت نفسه لا يكفيه ما يملكه لينفقه على نفسه وعياله، فإنه يجوز في هذه الحالة أن يأخذ من الزكاة ليسد حاجته؛ والدليل على ذلك ما ثبت في حديث قبيصة: «لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة، رجل أصابته فاقة فحلت له المسألة حتى يصـيب قوامًا من عيش، أو سدادًا من عيش..»، وهذا القوام والسداد هو الحاجة، وسـيأتي. قال الميموني رحمه الله: (ذاكرت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- فقلت: قد تكون للرجل الإبل والغنم تجب فيه الزكاة وهو فقير، ويكون له أربعون شاة، وتكون لهم الضبعة لا تكفيه، أفيُعطى من الزكاة؟ قال: نعم)[3]. وقال ابن حزم رحمه الله: (من كان له مال مما تجب فيه الصدقة، وهو لا يَقوم ما معه بعَوْلته؛ يعني بحاجته؛ لكثرة عياله أو لغلاء السعر، فهو مسكين يعطى من الصدقة المفروضة، وتؤخذ منه فيما وجبت فيه من ماله)[4]. وعن الحسن رحمه الله قال: (يعطى من الصدقة الواجبة من له الدار والخادم إذا كان محتاجًا)[5].
(2) إذا كان الرجل قادرًا على الاكتساب بما يكفيه ويكفي من يعولهم، فلا يجوز صـرف الزكاة إليه، وشـرط ذلك: أن يجد العمل الحلال الذي يتكسب به، وأن يكون هذا العمل يليق بمثله وبمروءته ومركزه الاجتماعي، وأن ينال منه كفايته وكفاية من يعولهم. وعلى ذلك؛ إذا لم يجد العمل الحلال الملائم لمثله والذي يتكسب منه بما يكفيه، حل له الأخذ من الزكاة؛ فعن عبيد الله بن عدي بن الخيار، أن رجلين أخبراه، أنهما أتيا النبي ﷺ يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصـر ورآهما جلدين، فقال: «إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب»[6].
فقوله: «إن شئتما أعطيتكما»؛ لأنه لا يعلم باطن أمرهما؛ فقد يكونان قويين لكنهما غير مكتسبين، لذا وعظهما ﷺ.
قال النووي رحمه الله: (إذا لم يجد الكسوب من يستعمله حلت له الزكاة؛ لأنه عاجز)[7]. وقال أيضًا: (والمعتبر كسبٌ يليق بحاله ومروءته، وأما ما لا يليق به فهو كالمعدوم)[8]. وعلى هذا إذا تهيأ له العمل اللائق بمثله، فلا يجوز له أن يستمر في البطالة، ويحرم عليه الأخذ من الصدقة.
(3) بناء على ما تقدم فقد يكون للرجل مسكن لائق به، ليس فيه إسـراف، أو يكون للمرأة حلي تتزين بها في العادة دون ما إسـراف عن مستواها، أو يكون له عمل له دخل، أو راتب شهري، أو عقار يجمع منه أجرة، لكن لا يكفيه ذلك كله عن حاجاته وكفايته وكفاية من يعولهم في الوضع الاجتماعي الذي يليق بحاله، فيجوز أن يعطى من الزكاة. قال النووي رحمه الله في (المجموع): (إذا كان له عقار ينقص دخله عن كفايته، فهو فقير أو مسكين، فيعطى من الزكاة تمام كفايته، ولا يكلف بيعه)[9].
قال ابن حزم رحمه الله: (روينا عن الحسن أنه يعطى من الصدقة الواجبة من له الدار والخادم إذا كان محتاجًا، وعن إبراهيم نحو ذلك. وعن سعيد بن جبير: يعطى منها من له الفرس والدار والخادم. وعن مقاتل: يعطى من له العطاء من الديوان وله فرس)[10].
(4) كم يعطى الفقير من الزكاة؟
لم يحدد الشـرع ما نعطيه، لكن المعتبر في ذلك ما يخرجه عن فقره؛ بأن نسد حاجاته، وينال كفايته بالمعروف، دون تحديد لكثرة أو قلة. قال ابن حزم رحمه الله: (ويعطى من الزكاة الكثير جدًّا والقليل، لا حد في ذلك، إذ لم يوجب الحد في ذلك قرآن ولا سنة)[11].
وقال الخطابي رحمه الله: (الحد الذي ينتهي إليه العطاء في الصدقة هو الكفاية التي بها قوام العيش وسداد الخلة؛ وذلك يعتبر في كل إنسان بقدر حاله ومعيشته، وليس فيه حد معلوم، يحمل عليه الناس كلهم مع اختلاف أحوالهم)[12].
وقد فصل الأئمة -كالنووي في (المجموع) وغيره من كتب المذاهب- كيفية إعطاء الفقير، ويمكن أن نلخص ما ذكروه فيما يلي:
أ- إن كان الفقير صاحب حرفة أو تجارة، أعطي من المال ما يعان به على حرفته كشـراء آلة، أو يعطى رأس مال لتجارة، مهما كان ثمن هذه الآلة؛ ليكون ذلك كفاية لعمره كله، وبهذا ينتقل إلى الغنى؛ فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «إذا أعطيتم فأغنوا»؛ يعني من الصدقة[13].
ب- وأما إن كان الفقير غير محترف، أو غير قادر على الاكتساب من مال حلال لعمل يليق به، أعطي قدر كفايته وكفاية من يعولهم عامًا بعام، حتى يخرج عن حاله. ويمكن إعطاؤه هذا القدر في صورة رواتب شهرية، خاصة إذا كان لا يحسن التدبير. ولا مانع في هذه الحالة أن يعطى ما يدر عليه دخلًا يكفيه؛ كأن يشتري له عقارًا مثلًا يؤجره ويغنيه بسد حاجاته، ونحو هذا.
(5) أورد الشـيخ ابن عثيمين مسألة مهمة فقال: (رجل قادر على التكسب، لكن ليس عنده مال، ويريد أن يتفرغ عن العمل لطلب العلم، قال: فهذا يعطى من الزكاة)[14]. ثم ساق مسألة أخرى فقال: (لو أن رجلًا يستطيع العمل ولكنه يحب العبادة.. فهذا لا نعطيه؛ لأن العبادة نفعها قاصـر على العبد، بخلاف العلم)[15].
والمقصود بالعاملين عليها: السعاة والجباة الذين يرسلهم السلطان لجمعها ممن وجبت عليهم، وكذلك الحفاظ الذين يقومون على حفظها، وكذلك الذين يقومون بقسمتها وتوزيعها على مستحقيها، فهؤلاء يعطون من الزكاة ولو كانوا أغنياء.
أ- أن يكون مسلمًا على الأرجح؛ لأنها ولاية على المسلمين، فلا توكل إلى غير المسلم.
ب- أن يكون مكلفًا، والمكلف هو البالغ العاقل.
جـ- أن يكون أمينًا.
د- أن يكون أهلًا لما يقوم به.
هـ- أن يكون عالمًا بأحكام الزكاة.
(2) ينبغي للسعاة الذين يجمعون الزكاة أن يأتوا إلى بيت المال بكل ما يأخذونه؛ لقوله ﷺ: «من استعملناه منكم على عمل، فكتم مخيطًا فما فوقه، كان غلولًا يأتي به يوم القيامة» الحديث[16]. و«المخيط»: الإبرة، و«الغلول»: الخيانة.
(3) وأن يكون العطاء بقدر الكفاية؛ فعن المستورد بن شداد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ: «من كان لنا عاملًا فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادمٌ فليكتسب خادمًا، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا»[17].
(وهم الذين يرجى إسلامهم، أو كف شـرهم، أو يرجى بعطيتهم قوة إيمانهم)[18].
والمقصود بهذا المصـرف: تقوية شوكة الإسلام، والحفاظ على مكانته، ولذلك دخل تحت هذا المصـرف أقسام:
1 - فمنهم قوم كفار يرجى بتأليفهم إسلامهم، كما أعطى النبي ﷺ صفوان بن أمية إبلًا كثيرة محملة كانت في واد؛ فقال: هذا عطاء من لا يخشـى الفقر. وعنه قال: والله لقد أعطاني النبي ﷺ وإنه لأبغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ[19].
2 - من يُرجى كف شـره عن المسلمين وعن أموالهم وأعراضهم.
3 - من يُرجى بإعطائه قوة إيمانه. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (والعلة أنه إذا كان يعطى لحفظ البدن وحياته، فإعطاؤه لحفظ الدين وحياته من باب أولى)[20]. ويدخل في هذا القسم من أسلم من يهودي أو نصـراني.
سئل الزهري عن «المؤلفة قلوبهم»، فقال: من أسلم من يهودي أو نصـراني، قيل: وإن كان غنيًّا؟ قال: «وإن كان غنيًّا»[21].
واعلم أن هذا المصـرف، وتقدير ما يعطاه يرجع إلى ولي الأمر؛ فقد يرى الإعطاء في وقت يحتاج فيه إلى ذلك، وقد يرى المنع؛ لعزة الإسلام وقوته وعدم احتياجه إلى هؤلاء المؤلفة قلوبهم.
ولذا ففي زماننا هذا نحتاج إلى تحقيق هذا المصـرف لتأليف قلوب من يدخلون في الإسلام، أو كف من هو شـر على المسلمين، أو حماية الأقليات المسلمة في البلاد الفقيرة وتثبيت قلوبهم على الدين، ونحو هذا مما نحن في حاجة إليه في هذا الزمان الذي تكالب علينا فيه الأعداء.