حجم الخط:

محتوى الدرس (114)

على من يجب الحج؟

يجب الحج على المسلم، العاقل، البالغ، الحر، المُستطيع، فلا يجب على الكافر؛ لأن العبادة لا تصح من كافر، فلا يؤمر بها حال كفره[1]. وأما «المجنون» فلا يلزمه الحج؛ لحديث: «رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ»[2].

والراجح أنه لا يصح منه إلا أن يكون له أوقات إفاقة يتمكن فيها من الحج، واشترط الشافعي لصحة ذلك إفاقته عند الإحرام والوقوف والطواف والسعي دون ما سواها.

وأما «الصبي»، فلا يجب عليه الحج؛ للحديث السابق، ولكن لو حج هل يصح حجة؟

الجواب: نعم يصح منه، ولو كان صغيرًا ليس له إلا يوم أو أقل، ولكن لا يجزئه عن حجة الفريضة؛ لما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة رفعت صبيًّا فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر»[3]. وأما كونه لا تجزئه؛ فلحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: «أيما صبي حج ثم بلغ، فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق، فعليه حجة أخرى»[4].

وأما «العبد»، فيصح منه الحج بإذن سـيده، ولكنه لا يجب عليه؛ لأنه لا مال له، ولا يجزئه، بل متى أعتق وجب عليه حجة الإسلام، وذلك للحديث السابق[5].

وأما شـرط الاستطاعة؛ فلقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:79]. والمقصود بالاستطاعة: (الزاد والراحلة)، وقد ورد بذلك حديث له طرق وشواهد يتقوى بمجموعها، ويصح به الاحتجاج[6]، أي: مع تمام القدرة البدنية، فيكون قادرًا في ماله وبدنه، مع عدم وجود مانع يمنعه من الذهاب؛ كالحبس، أو الخوف من سلطان جائر.

قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (فإن كان عاجزًا بماله قادرًا ببدنه، لزمه الحج أداءً؛ لأنه قادر، مثل أن يكون من أهل مكة، لكنه يقدر أن يخرج مع الناس على قدميه ويحج، وإن كان قادرًا بماله عاجزًا ببدنه لزمه الحج بالإنابة، أي: أنه يلزمه أن ينيب من يحج عنه، إلا إذا كان العجز مما يرجى زواله، فينتظر حتى يزول)[7]. قلت: وعلى هذا، لو كان عاجزًا في ماله وبدنه سقط عنه الحج، وإذا مات لا يجب أن يُحج عنه.

مسائل فيمن يجب عليه الحج:

(1) إذا بلغ الصبي، أو أفاق المجنون، أو أُعْتِق العبد بعرفة أو قبلها؛ فالحج يجزئ فرضًا عن حجة الإسلام، وأما إن زال هذا العذر بعد عرفة، فإنه لا يجزئه عن الفرض.

(2) كيف يحج الصبي؟ يلبسه وليُّه ملابس الإحرام، ثم إن كان الصبي مميزًا فإن وليَّه يأمره بنية الإحرام، وإن كان غير مميز نوى عنه وليُّه؛ بأن يقول في نفسه: (جعلته محرمًا)، ثم إن كان قادرًا على المشـي مشـى، وإن لم يكن قادرًا حمله وليُّه أو غيره، ويجعله معه في جميع المناسك، ويمنعه من محظورات الإحرام[8].

(3) إذا أحرم الصبي، هل يلزمه الإتمام؟ فيه خلاف، والذي مال لصوابه الشـيخ ابن عثيمين أنه لا يلزمه الإتمام، وهو مذهب الحنفية؛ لأنه -أي الصبي- غير مكلف، ولا يُلزَم بالواجبات. واختلفوا فيما إذا فعل الصبي محظورًا من محظورات الإحرام متعمدًا، والراجح أنه لا يلزمه شـيء؛ لا من ماله ولا من مال وليه؛ لأن الصبي عمده كخطئه.

(4) لو تكلف غير المستطيع المشقة وحج، فحجه صحيح يجزئ عنه.

(5) معنى «الزاد»: نفقة الحج، أي: بعد قضاء الواجبات، والنفقات الشـرعية، والحوائج الأصلية. و«الراحلة»: وسـيلة النقل التي ينتقل بها؛ بأن تكون صالحة لمثله، وأما إن كانت غير صالحة لمثله فلا يجب عليه. ومعنى «بعد قضاء الواجبات» أي: كقضاء الديون، والكفارات والنذور، ونحو ذلك. ومعنى «النفقات الشـرعية» أي: التي يبيحها الشـرع؛ كالنفقة له ولعياله بغير إسـراف، بحيث يكفيه ذلك ومن يعولهم إلى أن يرجع من الحج، كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء. وأما «الحوائج الأصلية» فما يحتاجه من كتب وأقلام إن كان طالب علم، وآلات صنعته، ونحو ذلك.

(6) إذا مات من لزمه الحج والعمرة (أي: من كان قادرًا مستطيعًا وتمت الشـروط في حقه) ولم يحج، مات عاصـيًا، ووجب إخراج نفقة الحج والعمرة من تركته قبل الإرث وقبل الوصـية؛ لأن ذلك دين؛ لقوله ﷺ: «دين الله أحق بالوفاء»[9].

قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (ويخرج من تركتـه؛ سواء أوصـى أم لم يوص)[10].

(7) قال ابن قدامة رحمه الله: (إن احتاج إلى النكاح، وخاف على نفسه العنت، قدم التزويج؛ لأنه واجب عليه، ولا غنى به عنه، فهو كنفقته، وإن لم يخف قدم الحج؛ لأن النكاح في هذه الحالة ليس فرضًا عليه، فلا يقدم على الحج الواجب)[11].

(8) جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: (إذا حج الشخص بمال من غيره صدقة من ذلك الغير، فلا شـيء في حجه -يعني أن حجه صحيح- أما إذا كان المال حرامًا فحجه صحيح، وعليه التوبة من ذلك)[12]. قلت: وأما من حيث القبول، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.

(9) إذا منحت الدولة بعض رعاياها الحج على نفقتها، أو مُنِح بعض الفائزين في مسابقات جائزة: الحج، فحجهم صحيح يجزئهم عن حجة الإسلام[13].

(10) لو اقترض للحج، فحجه صحيح، وإن كان ذلك الاقتراض لا يلزمه.

(11) هل يجوز حج من عليه دين؟

ورد في فتاوى اللجنة الدائمة: (إذا كان المدين يقوى على تسديد المبلغ مع نفقات الحج، ولا يعوقه الحج عن السداد، أو كان الحج بإذن الدائن ورضاه، مع علمه بحال المدين، جاز حجه، وإلا فلا يجوز، لكن لو حج صح حجه)[14].

ما يشترط لوجوب الحج على المرأة:

يشترط لوجوب الحج على المرأة الشـروط السالفة الذكر، ويزاد في حقها شـرط آخر؛ وهو وجود مَحْرَم لها يسافر معها، فإن لم تجد محرمًا فهي عاجزة عجزًا شـرعيًّا. ومما يدل على وجوب المحرم ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها ذو محرم»، فقال رجل: يا رسول الله، إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحج، فقال: «اخرج معها»[15].

مسائل في حج المرأة:

(1) المقصود بالمحرم: الزوج، أو من تحرم عليه المرأة على التأبيد؛ بنسب (يعني قرابة)، أو بسبب مباح (وهما الرضاع والمصاهرة). والذين يحرمون بالنسب سبعة؛ وهم: الأب، والابن، والأخ، وابن الأخ، وابن الأخت، والعم، والخال. والذين يحرمون بسبب الرضاع: ما ثبت في الحديث: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»[16]. والذين يحرمون بسبب المصاهرة أربعة؛ وهم: أبو زوجها (حماها) وابن زوجها، وزوج بنتها (وهؤلاء الثلاثة محارم بمجرد العقد)، والرابع زوج أمها (ولا يحرم إلا بعد الدخول).

تنبيه: أخو الزوج وخاله وعمه ليسوا محارم لها، وكذلك زوج الأخت ليس محرمًا لأختها، وكذلك أبناء العم وأبناء الخال ليسوا محارم.

(2) يشترط في المحرم أن يكون بالغًا عاقلًا، والصحيح أنه يشترط أن يكون مسلمًا، فأما الكافر فليس بمحرم لها.

(3) إذا كانت المرأة واجدة للزاد والراحلة، لكنها لم تجد محرمًا يسافر معها، ثم ماتت ولم تحج، فهل يخرج مال الحج من تركتها؟ فيه قولان لأهل العلم. والذي رجَّحه ابن قدامة: أنه يخرج عنها حجة؛ لأن الشـروط قد كملت، وإنما المحرم لحفظها[17]، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، وهو الراجح. قلت: لكنها غير آثمة؛ لأنها لم تحج لعذر.

(4) قال الحسن البصـري رحمه الله في المرأة التي لم تحج: (تستأذن زوجها؛ فإن أذن لها فذاك أحب إلي، وإن لم يأذن لها خرجت مع ذي محرم، فإن ذلك فريضة من فرائض الله عز وجل، ليس له عليها فيها طاعة)[18]. قلت: ولكن له الحق في منعها إذا لم تكتمل شـروط الحج؛ كأن تريد أن تسافر بغير محرم مثلًا. هذا في حج الفريضة، وأما حج التطوع فله منعها مطلقًا؛ قال ابن المنذر رحمه الله: (أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن له منعها من الخروج إلى الحج التطوع)[19]، وليس له منعها من الحج المنذور؛ لأنه واجب عليها أشبه حجة الإسلام[20].

(5) إذا أذن لها بحج التطوع، فله الحق في الرجوع عن إذنه ما لم تتلبس بالإحرام، فإن خرجت بغير إذنه فله الحق في تحليلها منه حتى لو أحرمت، ويكون حكمها حكم المحصـر[21].

(6) قال ابن قدامة رحمه الله: (ولا تخرج إلى الحج في عدة الوفاة، نص عليه أحمد، قال: ولها أن تخرج إليه في عدة الطلاق المبتوت -أي الذي لا رجعة فيه-... وأما عدة الرجعية، فالمرأة فيه بمنزلتها في طلب النكاح؛ لأنها زوجة. وإذا خرجت للحج فتوفي زوجها وهي قريبة، رجعت لتعتد في منزلها، وإن تباعدت مضت في سفرها)[22]. وثبت أن عمر رضي الله عنه ردَّ نسوة حاجَّات أو معتمرات حين خرجن في عدَّتهن[23]. قلت: وبناءً على ما تقدم، فإن المرأة إذا كانت في الطلاق الرجعي، يجب عليها أن تستأذن زوجها.

(7) لا يُلزَم الزوج شـرعًا بنفقات حج زوجته، حتى لو كان غنيًّا، وإنما ذلك من باب المعروف والإحسان[24].

الحج عن الغير:

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شـيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، أفأحج عنه؟ قال: «نعم»[25].

وعنه: أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: «إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، فأحج عنها؟ قال: «نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضـيته؟ اقضوا الله؛ فالله أحق بالوفاء»[26]. وعلى هذا، فيجوز الحج عن الغير في الحالات الآتية:

(أ) إذا مات وكان عليه حجة الإسلام، أو حج نذر، أو كان لم يعتمر، فإنه يؤخذ من تركته قبل الإرث؛ سواء أوصـى الميت أو لم يوص؛ لقوله ﷺ: «اقضوا الله؛ فالله أحق بالوفاء»، ويستنيب أهله من يحج عنه من هذا المال. قال ابن حجر رحمه الله: (ويلتحق بالحج كل حق ثبت في ذمته؛ من كفارة أو نذر أو زكاة، أو غير ذلك، وفي قوله: «فالله أحق بالوفاء» دليل على أنه مقدم على دين الآدمي، وهو أحد أقوال الشافعي)[27]. ويحج المرء عن أبويه إذا كانا ميتين أو عاجزين؛ وذلك لعموم قوله ﷺ: «اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء».

(ب) العاجز عن الحج (بعد تحقق شـروط وجوبه) لمانع ما لا يؤمن زواله؛ كمرض مزمن لا يرجى برؤه، أو هزال لا يقدر عليه إلا بمشقة غير محتملة، والشـيخ الفاني، ونحو ذلك؛ فهذا ينيب عنه من يحج؛ للأحاديث السابقة.

من أحكام الإنابة في الحج:

(1) إن كان المرض مما يرجى برؤه، فإنه لا ينيب غيره، بل يؤخر الحج لحين شفائه.

(2) يشترط لمن ينيبه عنه أن يكون أدَّى فرض الحج عن نفسه؛ لما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ رأى رجلًا يقول: لبيك عن شُبْرُمة، قال: «من شبرمة؟» قال: أخ لي أو قريب، قال: «حججت عن نفسك؟» قال: لا، قال: «حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة»[28].

(3) قال ابن قدامة رحمه الله: (يجوز أن ينوب الرجل عن الرجل والمرأة، والمرأة عن الرجل والمرأة في الحج، في قول عامة أهل العلم، لا نعلم فيه مخالفًا، إلا الحسن بن صالح؛ فإنه كره حج المرأة عن الرجل)[29]. قال ابن المنذر رحمه الله: (هذه غفلة عن ظاهر السنة؛ فإن النبي ﷺ أمر المرأة أن تحج عن أبيها).

(4) اشترط بعض الفقهاء أن تكون الإنابة من نفس بلد المنيب؛ أي أنه لا بد أن يخرج من بلد صاحب العذر، أو الميت، وأن يمر بميقاته. قال ابن عثيمين رحمه الله: (هذا القول ضعيف)، ثم قال: (والقول الراجح: أنه لا يلزم أن يقيم من يحج عنه من مكانه، وله أن يقيم من يحج عنه من مكة، ولا حرج عليه في ذلك)[30]. قلت: وعلى هذا، فيجوز لمن كان بمصـر مثلا أن يرسل نفقة الحج لمقيم بمكة؛ ليحج عن ميتهم.

(5) إذا عوفي المريض بعد أن حج عنه غيره، لم يجب عليه حج آخر، وهذا مذهب الحنابلة؛ لأنه أدى حجه بأمر الشـرع، وأدى ما عليه من دين الله، فلا يطالب بغيره.

(6) إذا دخل في النسك، ثم مات في أثناء الحج قبل أن يتمَّه، هل يجب على أوليائه أن يحجوا عنه؟ الراجح: أنه لا يجب ذلك، بخلاف ما لو مات قبل الدخول في النسك؛ فإنه يجب الحج عنه. ومعنى الدخول في النسك: بداية الإحرام، وليس مجرد الخروج من بيته، أو الحصول على تأشـيرة السفر. فهناك فرق إذًا بين الحالتين؛ فالحالة الأولى: أن يموت قبل الإحرام، فهذا يحج عنه أولياؤه؛ لأنه لم يحج، والحالة الثانية: أن يموت بعد الدخول في الإحرام، فهذا لا يحجون عنه؛ لأنه ثبت له الحج بدخوله في النسك. والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة