صفة الحج والعمرة
على من عزم على السفر للحج والعمرة، وتهيأت له أسبابه، أن يكثر من الاستغفار والتوبة النصوح، وأن يرد المظالم، ويستحل كل من بينه وبينه معاملة، ويكتب وصـيته ويشهد عليها، ويرد الديون، أو يوكل من يقضـيها، ويترك نفقته لأهله ومن يعولهم، وعليه أن يوصـي بوالديه ومن يتوجه عليه بره وطاعته، وليحرص أن تكون نفقته حلالًا، وأن يكثر منها إن أمكنه؛ ليواسـي بها رفقاءه. ويلزمه تعلمُ أحكام الحج والعمرة؛ ليأتي بها على الكمال والسنة، ويتخير رفقاءه الراغبين في الخير الذين يعينونه على الطاعة.
2- بداية السفر:
يستحب أن يكون سفره يوم الخميس (إن أمكن). ويستحب صلاة ركعتين قبل السفر، ثم توديع الأهل والجيران والأصدقاء، ويتأدب بالأدعية والأذكار الواردة عند الخروج من البيت، وركوب الدابة، وإذا نزل منزلًا.
وإذا كانوا جماعة فعليهم أن يُؤَمِّروا أحدهم في رفقة السفر، ويستحب السـير ليلًا، ويتجنب المخاصمة والمشاحنة، ومزاحمة الناس في الطرق، وموارد الماء، وأن يصون لسانه من الغيبة والنميمة واللغو، ويرفق بالسائل والضعيف.
تنبيه: تقدَّم في كتاب الصلاة فصل: في آداب تتعلق بالسفر يكثر الحاجة إليها، فراجعها -غير مأمور- استزادة في معرفة هذه الآداب.
3- فإذا وصل إلى الميقات أحرم بالنسك:
وعلى هذا فيلزمنا أن نعرف ثلاثة أشـياء:
أ - ما معنى المواقيت. ب- ما المقصود بالإحرام. ج- أنواع النسك.
وهذا ما سنتناوله الآن بالبيان، ثم نعود لنتابع صفة الحج والعمرة.

المواقيت: جمع ميقات، مأخوذ من الوقت، وهو قسمان: ميقات زماني، وميقات مكاني.
المقصود بالمواقيت الزمانية: الوقت الذي لا يصح شـيء من أعمال الحج إلا فيه، وهذه المواقيت هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾ [البقرة:197]. وقد ذهب الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة إلى أنها: شوال، وذو القعدة، وعشـرة أيام من ذي الحجة.
وذهب مالك وابن حزم إلى أنها: شوال وذو القعدة، وذو الحجة كله، وهذا المذهب هو الصحيح، ورجَّحه الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله في الشـرح الممتع. ودليل ذلك أن الله تعالى قال: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾ [البقرة:197]. ولم يقل: شهرين وبعض شهر، ومعلوم أن أقل الجمع ثلاث، وأيضًا فإن بعض أعمال الحج تقع يوم الحادي عشـر والثاني عشـر والثالث عشـر.
وأما (وقت العمرة) فهي جائزة في أي وقت من أوقات السنة.
مسائل في المواقيت الزمانية:
(1) لا يجوز أن يؤخر شـيئًا من أعمال الحج عن الأشهر الثلاثة إلا لضـرورة؛ كأن تصاب المرأة بالنفاس، ولا تطهر إلا بعد انتهاء شهر ذي الحجة، ولم تتمكن من طواف الإفاضة؛ فهي معذورة ولها تأخير الطواف حتى تطهر.
(2) لا يجوز لأحد أن يحرم قبل أشهر الحج، فلو أحرم قبلها لا ينعقد الحج، وهذا مذهب الشافعية؛ مستدلين بالآية السابقة، وعلى هذا فلو أهل بالحج قبل أشهر الحج وجب عليه أن يجعلها عمرة.
المقصود بالمواقيت المكانية: الأماكن التي يُحْرِم منها من يريد الحج والعمرة، ولا يجوز له أن يتجاوزها دون أن يُحْرِم؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحُليفة، ولأهل الشام الجُحفة، ولأهل نجد قَرْنَ المنازل، ولأهل اليمن: يَلَمْلَم، قال: «فهن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن، فمهَلُّه من أهله، وكذاك حتى أهل مكة يهلون منها»[1]. ومعنى «الإهلال»: رفع الصوت بالتلبية. وعن عائشة رضي الله عنها: «أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق: ذات عِرْق»[2]. وقد ثبت تاريخيًا أن الذي وقت ميقات اهل العراق هو عمر بن الخطاب.
فهذه هي الأماكن التي حددها رسول الله ﷺ مواقيتَ مكانية، وهي معلومة، وإن تغيَّرت أسماؤها الآن. والجدول الآتي يبين هذه المواقيت بأسمائها الأصلية، وأسمائها الحالية:
| م | القادمون | الميقات | الاسم الجديد للميقات | المسافة بينه وبين مكة |
| 1 | أهل المدينة | ذو الحليفة | أبيار علي | 450 كم شمال مكة |
| 2 | أهل الشام | الجحفة[3] | رابغ [4] | 200 كم جهة الشمال الغربي |
| 3 | أهل نجد | قرن المنازل | السيل | 94 كم شرقي مكة |
| 4 | أهل اليمن | يلملم | السعدية | 54 كم جنوب مكة |
| 5 | أهل العراق | ذات عرق | الضريبة | 94 كم الشمال الشرقي |
| 6 | الذين يسكنون بين هذه المواقيت وبين مكة: ميقاتهم من مسكنهم. | |||
| 7 | وكذلك أهل مكة ميقاتهم من مساكنهم التى يسكنون فيها إذا أرادوا الحج. وأما العمرة فقد ذهب فريق إلى أنهم يحرمون من مسكنهم أيضًا؛ لعموم حديث ابن عباس السابق، وفيه: «حتى أهل مكة يهلون منها»، وذهب الجمهور أنهم يحرمون من أدنى الحل، أي يخرجون خارج مكة ويهلون بالعمرة؛ لأن النبي ﷺ حين أعمر عائشة أمرها أن تخرج إلى التنعيم. | |||
فروع في أحكام المواقيت المكانية:
(1) إذا مر أحد بميقات غير ميقات بلده، فإنه يهل منه، ولا يُكلف أن يرجع ليمر بميقاته؛ لقوله ﷺ في الحديث السابق: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن».
(2) المقصود بأهل هذه البلاد: المقيمون فيها، ولا يلزم أن يكونوا سكانًا أصليين، وعلى هذا فمن كان مقيمًا لعمل ونحوه بمكة، فإن ميقاته من حيث يقيم، أعني: من مسكنه بمكة، ولا يخرج إلى المواقيت.
(3) يكره أو يَحْرُم أن يُحْرِمَ قبل الميقات المكاني، ومع هذا فإن الإحرام ينعقد[5]، وأما الميقات الزماني فيحرُم الإحرام قبله، ولا ينعقد، وقد تقدم ذلك.
(4) إذا كان طريق الآفاقي[6] لا يمر بأحد هذه المواقيت، فإنه ينوى الإحرام إذا حاذى أحدًا منها.
(5) هل كل من مر بالميقات يجب عليه الإحرام؟ الجواب: إن كان يريد الحج والعمرة، وجب عليه الإحرام إذا أتى إلى الميقات. أما إن كان لا يريد الحج والعمرة؛ كمن سافر لعمل أو لدراسة ونحو ذلك، فالراجح أنه لا يجب عليه الإحرام؛ لقوله في الحديث: «ممن أراد الحج والعمرة». لكن إذا كان هذا الشخص لم يؤد الفريضة بعد، فهل يجب عليه الإحرام؟ رجَّح ابن عثيمين وجوب أدائه الفريضة؛ لأنها تجب على الفور، وقد وصل إلى الميقات[7].
(6) إذا تجاوز الميقات، وهو لا يريد الحج أو العمرة، ثم بدا له بعد ذلك أداء النسك، فإنه يحرم من مكانه، ولا يلزمه الرجوع إلى الميقات للإحرام منه.
(7) من سافر لأداء النسك، ومر على الميقات، هل يجوز له تأخير الإحرام للذهاب إلى المدينة أولًا؟ الراجح -والله أعلم- أنه إذا كان قاصدًا للنسك لزمه الإحرام من الميقات، وأما إذا كان قاصدًا المدينة لزيارة المسجد النبوي أولًا، جاز له تجاوز الميقات، ثم الإحرام من ميقات أهل المدينة[8].
(8) ومن كان له أقرباء بجدة سـينزل عليهم ضـيفًا، فإنه لا يجوز أن يؤخر الإحرام لأجل الاستراحة والضـيافة، بل عليه أن يحرم ويظل على إحرامه مدة إقامته عندهم حتى يقضـي مناسكه.
![]()