ما يباح للمُحرِم:
هذه أمور تباح للمحرم، قد يتشدد فيها البعض؛ يظنون أنها لا تجوز؛ فمن ذلك:
قيل لابن عباس: أتدخل الحمام وأنت محرم؟ قال: «إن الله ما يعبأ بأوساخنا شـيئًا»[1]. وفي البخاري عن عبد الله بن حنين: أن ابن عباس والمسور ابن مخرمة رضي الله عنهم اختلفا؛ فقال ابن عباس: «يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه»، قال: فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فوجدته يغتسل بين القرنين، وهو مستـتر بثوب، وسلَّمت عليه، قال: «من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين، أرسلني إليك ابن عباس يسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغتسل وهو محرم؟ قال: فوضع أبو أيوب يده على الثوب، فطأطأ حتى بدا رأسه، ثم قال لإنسان يصب عليه: اصبب، فصبَّ على رأسه، ثم حرَّك رأسه بيده، فأقبل بهما وأدبر، فقال: هكذا رأيته ﷺ يفعل»[2].
فقد أمر النبي ﷺ أم المؤمنين بأن تنفض رأسها وتمتشط، وهي محرمة[3]. وعن عائشة رضي الله عنها أنها سُئلت عن المحرم يحكُّ جسده؟ قالت: «نعم؛ فليحككه وليشدد»[4]، فلو سقط منه بعض شعرات في أثناء حكه أو اغتساله، فلا بأس، ولا شـيء عليه.
(3) النظر في المرآة، وشم الرياحين، والتداوي:
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «يشم الريحان، وينظر في المرآة، ويتداوى بأكل الزيت والسمن»[5].
قلت: فعلى هذا لو ادَّهن ببعض العقاقير لأجل التداوي، وكانت له رائحة ذكية، فلا بأس، ولا يمنع إلا استخدام الطيب الذي به يعرف الإنسان أنه تطيب. وعلى ذلك؛ فلو حمل الطيب في قارورة، أو جلس عند عطار، أو أكل فاكهة، أو شـرب شـرابًا معطرًا؛ فكل ذلك لا يقال لصاحبه: «تطيب»، ولا بأس بها.
يجوز الاحتجام والفصد، ولو احتاج معه إلى حلق بعض الشعر موضع الحجامة، وكذلك يجوز إجراء عمليات جراحية يحتاج معها إلى حلق بعض شعر الرأس، أو حلق شعر من جسده. وقد احتجم النبي ﷺ وهو محرم. ويباح للمحرم تعاطي الحقن، كما يباح له وضع الجبيرة وربط الجروح، ولا شـيء عليه في ذلك.
(5) قلع الضـرس وقطع الظفر إذا انكسـر:
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «المحرم يدخل الحمام، وينزع ضـرسه، وإن انكسـر ظفره طرحه، أميطوا عنكم الأذى؛ إن الله لا يصنع بأذاكم شـيئًا»[6].
(6) يجوز للمحرم قتل الذباب والبراغيث والبعوض، وقتل الفواسق الخمس، وكل مؤذ من الدواب[7].
(7) يجوز للمحرم لبس الساعة، والخاتم، والنظارة، والعدسات، وسماعة الأذن، وطقم الأسنان، والمنطقة (وهو ما يشد على الوسط)، والحزام، وحمل الحقيبة على كتفه.
وكذلك يجوز للمرأة لبس الحلي ونحو ذلك؛ لأنه لم يأت دليل على النهي عن ذلك، وليس شـيء من ذلك من الملابس التي نهى عنها رسول الله ﷺ المحرم في إحرامه.
(8) يباح للمحرم ذبح الحيوان الذي ليس بصـيد؛ فله أن يذبح الإبل والغنم والبقر والدجاج والأوز، وغير ذلك مما يمتلكه أو يمتلكه الغير؛ لأنه ليس صـيدًا.
يباح للمحرم تغطية وجهه خاصة إذا كانت ضـرورة؛ فعن القاسم قال: كان عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ومروان بن الحكم يخمرون وجوههم وهم محرمون[8]، وعن مجاهد قال: (كانوا إذا هاجت الريح غطوا وجوههم وهم محرمون).
(10) يجوز للمحرم أن يحمل متاعه على رأسه، ويعصب رأسه لجرح أو صداع ولا شـيء عليه؛ لأن ذلك كله ليس لباسًا للرأس، وكذلك يجوز له وضع الثلج على رأسه للتبرد أو للعلاج؛ سواء وضع محفوظًا في كيس خاص، أو وضع غير محفوظ.
6- فإذا وصل مكة بدأ بالمسجد الحرام[9]:
استحب بعض العلماء لمن دخل مكة حاجًّا أو معتمرًا: أن يغتسل، وأن يدخل من أعلاها من «الحجون»، وأن يدخل المسجد من باب بني شـيبة، وأن يكون دخوله مكة بالنهار، وحجتهم في ذلك أنه هو الثابت عن رسول الله ﷺ عندما دخلها؛ فعن عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح من كداء أعلى مكة»[10]. والصحيح أنه لا شـيء من ذلك، بل هذه كلها كانت موافقة حال، ولم يأمر رسول الله ﷺ أحدًا بشـيء مما ذكر. وقد قال ﷺ: «كل فجاج مكه طريق ومنحر»[11]، لكنه إن تمكن من فعل شـيء من ذلك فحسن، وإن لم يتمكن فلا حرج، ولا يكلف بتحرِّي ذلك.
(1) يجوز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد الحج أو العمرة؛ سواء كان ذلك لحاجة تتكرر كالسائقين، أو لا تتكرر كالتجار، وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام[12]. ولأن النبي ﷺ إنما جعل المواقيت لمن مر بهن ممن يريد الحج والعمرة[13].
(2) إذا دخل المسجد الحرام، فإنه يدخله برجله اليمنى، ويدعو بأدعية دخول المسجد.
(3) وأما تحية المسجد فالمشـروع للقادم من خارج مكة أن يبدأ بالطواف، لكنه بعد ذلك في مدة إقامته بمكة إذا دخل المسجد الحرام صلى ركعتين تحية المسجد، كما هو الحال في بقية المساجد.
(4) لم يثبت عن النبي ﷺ دعاء خاص، ولا رفع اليدين؛ عند رؤية الكعبة، ولكن ثبت في ذلك بعض الآثار عن ابن عباس رضي الله عنهما في رفع اليدين، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الدعاء، وكان من دعاء عمر: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام»[14].
(5) وأما الأحاديث في أدعية أخرى مخصوصة عند رؤية البيت، واعتقاد أن هناك دعوة مستجابة عند رؤيته، فلم يثبت من ذلك شـيء صحيح.
(6) من البدع قصد المساجد التي بمكة وما حولها غير المسجد الحرام، وقصد الجبال المرتفعة والبقاع التي حول مكة؛ كجبل حراء، والصلاة في الغار، والجبل الذي عند منى، وقصد الصلاة في مسجد عائشة.
(7) ومن البدع الخروج من المسجد الحرام القهقرى، دون أن يولي ظهره البيت، إذ لا دليل على مشـروعية ذلك.
