حجم الخط:

محتوى الدرس (122)

11 - ثم يسعى بين الصفا والمروة:

مشـروعيته:

قال تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ c أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158].

حكمه:

الراجح من أقوال أهل العلم أنه ركن؛ لقوله ﷺ وهو يطوف بين الصفا والمروة: «اسعوا؛ فإن الله كتب عليكم السعي»[1]. قالت عائشة رضي الله عنها وهي تذكر الصفا والمروة: «فكانت سنة، فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة»[2].

وليس معنى قولها: «فكانت سنة» نفي الفرضـية، وإنما المقصود: فكانت سنة الإسلام؛ بدليل قولها: «ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة»، يوضح ذلك ما ورد في بعض الروايات عن عروة قال: قلت لعائشة: ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شـيئًا، وما أبالي ألا أطوف بينهما؛ قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، طاف رسول الله ﷺ، وطاف المسلمون؛ فكانت سنة، وإنما كان من أهلَّ لمناة الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة، فلما كان الإسلام سألنا النبي ﷺ عن ذلك، فأنزل الله ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ c أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158]، ولو كانت كما تقول لكانت: فلا جناح عليه ألا يطوف بينهما»[3].

صفة السعي:

في حديث جابر في وصف حجه ﷺ: «أن النبي ﷺ لما دنا من الصفا قرأ: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ » الآية، ثم قال: «أبدأ بما بدأ به الله»، فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأى البيت، فوحد الله وكبره، وقال: «لا إله إلا الله، وحده لا شـريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شـيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصـر عبده، وهزم الأحزاب وحده»، ثم دعا بين ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى انصبت قدماه في بطن الوادي[4]، حتى إذا صعدنا مشـى حتى أتى المروة، ففعل على المروة مثل ما فعل على الصفا [5].

شروط السعي:

(أ، ب) يشترط في السعي أن يكون سبعة أشواط، وأن يكون ذلك في المسعى؛ وهو الطريق الممتد بين الصفا والمروة؛ لفعل رسول الله ﷺ، ولقوله: «خذوا عني مناسككم»، فلو سعى خارج المسعى فلا يصح.

(جـ) يشترط أن يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة؛ فيكون سعيه من الصفا إلى المروة (شوطًا)، ثم من المروة إلى الصفا (شوطًا آخر)، وهكذا حتى يكمل سبعة أشواط، فيكون آخرها بالمروة.

فروع في السعي بين الصفا والمروة:

(1) إذا بدأ بالمروة قبل الصفا لم يعتد بهذا الشوط، ويبدأ العد من الصفا.

(2) اشترط بعض أهل العلم أن السعي لا يكون إلا بعد طواف، والراجح عدم اشتراطه في الحج يوم النحر؛ لأنه لم يثبت دليل صحيح على ذلك، بل الثابت أن النبي ﷺ ما سئل في يوم النحر عن شـيء قُدِّم أو أُخِّر إلا قال: «افعل ولا حرج»، لكن في سعي العمرة قد يصح القول بالاشتراط.

(3) يجوز أن يؤخر السعي، ولا يشترط الموالاة بينه وبين الطواف.

قال أحمد رحمه الله: (لا بأس أن يؤخر السعي حتى يستريح أو إلى العشـي)[6].

(4) رجح الشـيخ ابن عثيمين -رحمه الله أن الموالاة شـرط في السعي إلا للضـرورة، كمن اشتد عليه الزحام، أو احتاج إلى قضاء حاجته... إلخ[7]. ومعنى «الموالاة»: المتابعة بين الأشواط بحيث لا يقطعها شـيء.

(5) لا يشترط الطهارة للسعي، وإن كان ذلك أفضل، بل يجوز للحائض أن تسعى؛ لقوله ﷺ لعائشة: «فاقضـي ما يقضـي الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت»[8]، فلو حاضت المرأة بعد الطواف حول البيت فإنها تؤدي سعيها ولا حرج عليها.

(6) يمشـي بين الجبلين (الصفا والمروة)، لكنه يسعى سعيًا شديدًا بين العلمين، وهما الميلان الأخضـران في بطن المسعى. قال ابن عثيمين رحمه الله: (والسعي هنا بمعنى الركض، فيسعى سعيًا شديدًا بقدر ما يستطيع، لكن بشـرط ألا يتأذى أو يؤذي)[9]، وهذا السعي خاص بالرجال دون النساء.

(7) ليس هناك أدعية معينة في أثناء السعي، غير ما ذكر من دعائه ﷺ على الصفا وعلى المروة، بل يدعو العبد بما شاء دون الالتزام بدعاء معين، كما أنه لم يثبت الاجتماع على الدعاء؛ بأن يقوله أحدهم ويردد الآخرون خلفه أو يؤمِّنون على دعائه؛ فهذا كله مخالف للسنة.

(8) قال الشنقيطي رحمه الله: (اعلم أن أظهر أقوال أهل العلم دليلًا، أنه لو سعى راكبًا أو طاف راكبًا أجزأه ذلك؛ لما قدمنا في الصحيح من أنه ﷺ طاف في حجة الوداع بالبيت وبين الصفا والمروة وهو على راحلته)[10].

تنبيه: اعلم أن القارن والمفرد يكفيه هذا السعي، فلا يلزمه أن يسعى مرة أخرى بعد طواف الإفاضة[11]، أما المتمتع فإنه يلزمه أن يسعى سعيًا آخر بعد طواف الإفاضة[12].

خريطة ذهنية لمسائل صفة الحج

جدول 67 من مسائل صفة وأعمال الحج

12- ثم يَحل المتمتع من إحرامه بالحلق أو التقصير:

والمقصود أنه إذا كان متمتعًا فإنه يحل من إحرامه بالحلق أو التقصـير، وبهذا يكون قد انتهى من مناسك العمرة، وأما القارن والمفرد فإنهما يظلان على إحرامهما؛ فلا يحلقان ولا يقصـران حتى يوم التروية (الثامن من ذي الحجة) ليكملوا بقية المناسك كما سـيأتي بيانه؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ؛ فمنا من أهل بالحج، ومنا من أهل بالعمرة، ومنا من أهل بالحج والعمرة، وأهل رسول الله ﷺ بالحج، فأما من أهل بالعمرة فأحلوا حين طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، وأما من أهل بالحج أو بالحج والعمرة فلم يحلوا إلى يوم النحر»[13].

تنبيهات:

(1) المعتمر عمرة مستقلة -في أي وقت- تنتهي أعمال عمرته بالحلق أو التقصـير كعمرة المتمتع تمامًا.

(2) نذكر -إن شاء الله تعالى- ما يتعلق بالحلق والتقصـير من أحكام بعد رمي الجمرة يوم النحر[14].

(3) يشـرع للقارن الذي لم يسق الهدي، وكذلك المفرد بعد هذا السعي؛ أن يتحلل ويجعل حجه متمتعًا، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب ذلك، وقد تقدَّم[15].

13- ثم يحرم المتمتع بالحج يوم التروية، ويتوجه جميع الحجاج إلى منى:

يوم التروية:

هو يوم الثامن من ذي الحجة، وسمي يوم التروية؛ لأنهم كانوا يروون إبلهم فيه، ويتروون من الماء؛ لأن تلك الأماكن لم يكن فيها إذ ذاك ماء.

فإذا كان ذلك اليوم توجه الحجاج جميعًا إلى منى؛ فأما القارن والمفرد فيتوجهون مباشـرة إليها؛ لأنهم ما زالوا على إحرامهم فلا يحتاج الأمر إلى الإحرام مرة أخرى، وأما المتمتع فإنه يحرم بالحج -كما تقدم في طريقة الإحرام[16]- من مكانه الذي هو فيه، ويلبي متوجهًا إلى منى، وذلك قبل الزوال.

* ويُصلُّون بمنى خمس صلوات: الظهر والعصـر والمغرب والعشاء والفجر؛ لما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «صلى رسول الله ﷺ الظهر يوم التروية، والفجر يوم عرفة بمنى»[17]، وفي رواية لأحمد قال: «صلى النبي ﷺ بمنى خمس صلوات»[18].

* ويستحب الإكثار من التلبية والدعاء، وأن يبيت بها تلك الليلة، ولا يخرج منها حتى تطلع شمس يوم التاسع (وهو يوم عرفة) اقتداء برسول الله ﷺ. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن التوجه إلى منى، والمبيت بها، وصلاة الصلوات الخمس بها من السنة. قال ابن المنذر رحمه الله: (وأجمعوا على أنه ليس على من بات ليلة عرفة عن منى شـيء إذا وافى عرفة للوقت الذي يجب)[19]. وقد نقلها النووي عن ابن المنذر بلفظ: (وأجمعوا على أن من ترك المبيت بمنى ليلة عرفة لا شئ عليه).

خطآن شائعان:

(1) من الأخطاء الشائعة ترك المبيت هذه الليلة بمنى.

(2) ومن الأخطاء تعمد الإحرام تحت الميزاب.

أسماء أيام الحج:

اعلم أن أيام الحج سميت بأسماء؛ فاليوم الثامن من ذي الحجة هو «يوم التروية»، واليوم التاسع هو: «يوم عرفة»، واليوم العاشـر هو «يوم النحر»، واليوم الحادي عشـر هو «يوم القر»، واليوم الثاني عشـر هو «يوم النفر الأول»، واليوم الثالث عشـر هو «يوم النفر الثاني». وهذه الأيام الثلاثة الأخيرة تسمى مجموعة: «أيام التشـريق».

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة