14- ثم يتوجه إلى عرفة:
* فإذا طلعت الشمس يوم عرفة انطلق الحجيج من منى قاصدين عرفة ملبين ومكبرين؛ فعن محمد بن أبي بكر بن عوف قال: سألت أنسًا ونحن غاديان من منى إلى عرفات عن التلبية: كيف كنتم تصنعون مع النبي ﷺ؟ قال: «كان يلبي الملبي فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه»[1].
* ويكون أول نزوله «بِنَمِرَة» (وهو مكان قريب من عرفة)، ويظل بها إلى ما قبل الزوال.
* فإذا زالت الشمس رحل إلى «عُرنة» ونزل فيها؛ وهي قبيل عرفة بقليل، وفيها يخطب الإمام الناس.
* ثم يصلي الظهر والعصـر جمعًا، بأذان واحد وإقامتين، ولا يصلي بينهما شـيئًا.
والدليل على ما سبق ما رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: لما كان يوم التروية توجهوا إلى (منى) فأهلوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ، فصلّى بها الظهر والعصـر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضـرب له (بنمرة)، فسار رسول الله ﷺ -ولا تشك قريش أنه واقف عند (المشعر الحرام)[2]، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية- فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضـربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرُحِلت له، فأتى (بطن الوادي)، فخطب الناس، وقال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم؛ كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا»[3].
ومعنى «القبة»: الخيمة، و«القصواء»: اسم الناقة التي كان يركبها رسول الله ﷺ. و«بطن الوادي»: هو «عرنة». وهو ليس من عرفات.
واعلم أن هذا الترتيب في النزول بنمرة ثم بعرنة، قد لا يتيسـر لكثير من الناس الآن؛ لشدة الزحام. قال الشـيخ الألباني رحمه الله: (هذا النزول والذي بعده قد يتعذر اليوم تحقيقه لشدة الزحام، فإذا جاوزهما إلى عرفة، فلا حرج إن شاء الله)[4].
15- ويقف بعرفة حتى غروب الشمس:
ثم يقف الحاج بعرفات. وفي ذلك مسائل:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «معاشـر الناس، أتاني جبرائيل آنفا، فأقرأني من ربي السلام، وقال: إن الله عز وجل غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر الحرام، وضمن عنهم التبعات»، فقال عمر: يا رسول الله، هذا لنا خاصة؟ قال: «هذا لكم، ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة»[5].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي جاءوني شعثًا غبرًا»[6].
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «ما من يوم أكثرَ من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء»[7].
الثانية: ما المقصود بالوقوف بعرفة؟
المقصود بالوقوف بعرفة حضور الحاج ووجوده بعرفات يوم عرفة، على أي صفة كان؛ سواء كان واقفًا، أو نائمًا، أو قاعدًا، أو راكبًا، أو ماشـيًا، أو مضطجعًا، في أي مكان بعرفة؛ لما ثبت في الحديث أن الرسول ﷺ قال: «وقفت ههنا، وعرفة كلها موقف»[8]. فإن تيسـر له الوقوف عند الصخرات أسفل جبل الرحمة فحسن، وإلا وقف في أي مكان، كما تقدم في الحديث.
أجمع أهل العلم على أن الوقوف بعرفة ركن الحج الأكبر؛ فعن عبد الرحمن بن يعمر أن رسول الله ﷺ أمر مناديًا ينادي: «الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك»[9]، وليلة «جمع»: هي ليلة مزدلفة.
يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة، والسنة أن يقف بعرفة من بعد الزوال حتى غروب الشمس، لكنه لو وقف في أي وقت من هذا الوقت أجزأه ولم يأت بالكمال، وقد اختلف أهل العلم في أول وقت الوقوف؛ فذهب جمهور العلماء إلى أن وقت الوقوف بعرفة يبدأ من زوال الشمس (وقت الظهر) إلى فجر اليوم العاشـر، في أي جزء من الليل أو النهار.
ونقل الشوكاني عن أحمد قال: (وقت الوقوف لا يختص بما بعد الزوال، بل وقته ما بين طلوع الفجر يوم عرفة وطلوعه يوم العيد)[10]؛ لما ثبت عن عروة بن مضـرس قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبلي طيء، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسـي، والله ما تركت من حَبْل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ: «من شهد صلاتنا هذه[11]، ووقف معنا حتى ندفع[12]، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه، وقضـى تفثه»[13]. فقوله: «ليلًا أو نهارًا» عام يشمل أي جزء من النهار أو الليل، ولا شك أن النهار يبدأ من طلوع الفجر. وقوله: (ما تركت من حَبْل) هو المستطيل في الرمل، وهو كالجبل في غير الرمل.
وحجة الجمهور أن النبي ﷺ لم يقف إلا بعد الزوال، وقال: «خذوا عني مناسككم». قال ابن عثيمين رحمه الله: (وعليه فيحمل قوله لعروة بن مضـرس: «وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا» أي: نهارًا مما يصح الوقوف فيه، فيكون مطلقًا مقيدًا بالسنة الفعلية، ولا شك أن هذا القول أحوط من القول بأن النهار يشمل ما قبل الزوال)[14]. وعلى هذا فوقت الوقوف أحكامه كالآتي:
(أ) أجمع أهل العلم على أنه لو وقف جزءًا من النهار بعد الزوال، وامتد وقوفه لجزء من الليل بعد غروب الشمس، فحجه صحيح ووقوفه تام.
(ب) لو وقف بالنهار بعد الزوال فقط، ولم يقف جزءًا بالليل، لم يصح وقوفه عند المالكية، ووقوفه صحيح عند جمهور العلماء، إلا أنهم أوجبوا عليه الدم، وهناك قول آخر عند الشافعية أنه لا دم عليه، وصحَّحه النووي، وهو الراجح؛ لما تقدم في الحديث «ليلًا أو نهارًا».
(جـ) لو وقف بالليل، ولم يقف بالنهار، فوقوفه تام، ولا دم عليه عند جمهور العلماء.
(د) لو كان وقوفه بالنهار قبل الزوال، فحجه صحيح عند الإمام أحمد، وأما الجمهور فيرون أنه لا يجزئ.
والحاصل: أن حجه صحيح سواء وقف بالنهار بعد الزوال فقط أو بالليل فقط، ولكن السنة والكمال أن يقف من بعد الزوال حتى تغيب الشمس.
الخامسة: استحباب الدعاء والذكر:
وذلك بأن يقف الحاج بعرفات، مستقبلَ القبلة، رافعًا يديه بالدعاء، ويكثر من الذكر والتهليل؛ لما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «خير الدعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شـريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شـيء قدير»[15].
وأما الدليل على رفع اليدين: فما ثبت عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: «كنت رديف النبي ﷺ بعرفات، فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته، فسقط خطامها، فتناول الخطام بإحدى يديه، وهو رافع يده الأخرى»[16].
والدليل على استقبال القبلة ما ورد في حديث جابر رضي الله عنه في وصف حجه ﷺ قال: «ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص»[17].
(1) قال شـيخ الإسلام رحمه الله: (يجوز الوقوف ماشـيًا وراكبًا، وأما الأفضل فيختلف باختلاف الناس؛ فإن كان ممن إذا ركب رآه الناس لحاجتهم إليه، أو كان يشق عليه ترك الركوب، وقف راكبًا؛ فإن النبي ﷺ وقف راكبًا)[18].
(2) السنة الوقوف مستقبل القبلة، حتى لو كان جبل الرحمة خلف ظهرك، فإن من الأخطاء المبنية على الجهل: استقبالهم لجبل الرحمة دون الكعبة.
(3) تعمد الصعود فوق الجبل بدعة؛ إذ لا فضـيلة في ذلك.
(4) الصحيح أن يدعو كل إنسان بنفسه منفردًا، ولا يصح الدعاء الجماعي؛ لأنه لم يثبت عنه ﷺ.
(5) بناء على ما تقدم: من سافر للحج فلم يدرك الوقوف قبل غروب الشمس، فإنه يذهب إلى عرفة بعد الغروب، في أي وقت من الليل، ثم يدفع إلى مزدلفة.
(6) يصح وقوف الجنب والحائض والنفساء؛ إذ لا دليل يمنع من ذلك.
(7) ليس للوقوف بعرفات أدعية مخصوصة كما يدَّعي البعض؛ كدعاء الخضـر أو نحوه، اللهم إلا ما ورد في الحديث السابق من التهليل[19].
(8) لو أغمي عليه بعرفة حتى خرج وقته؛ فالراجح صحة وقوفه؛ لأنه لا يشترط في الوقوف نية تخصه، ما دام قد نوى نية الحج.
(9) ثبت الاغتسال ليوم عرفة عن علي وابن مسعود وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم فعن زاذان قال: سأل رجل عليا رضي الله عنه عن الغسل؟ قال: اغتسل كل يوم إن شئت فقال: «لا، الغسل الذي هو الغسل قال: يوم الجمعة ويوم عرفة ويوم النحر ويوم الفطر». قال الألباني في الإرواء (1/179): (سنده صحيح). وأما أثر ابن عمر فرواه مالك في الموطأ عن نافع (أن ابن عمر كَانَ يَغْتَسِلُ لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِدُخُولِهِ مَكَّةَ، وَلِوُقُوفِهِ عَشـيةَ عَرَفَةَ). وأما أثر ابن مسعود فأخرجه ابن أبي شـيبة: (4/68) من طريق عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله: أنه اغتسل ثم راح إلى عرفة. وإسناده صحيح.
(10) من الأخطاء: صلاة الظهر والعصـر قبل أن يخطب الإمام، والسنة أن يصليهما بعد الخطبة.
(11) من الأخطاء: اعتقاد العوام أن وقفة عرفة إذا كانت يوم جمعة تعدل اثنتين وسبعين حجة؛ فهذا باطل لا دليل عليه.
(12) من الأخطاء انصـراف الناس عن الذكر والدعاء إلى اللهو واللعب والكلام فيما لا يجدي.
(13) السنة للواقف بعرفة ألا يصوم ذلك اليوم.
(14) من البدع قصد الاجتماع عشـية عرفة في المساجد بالقرى والأمصار، أو في مكان خارج البلد، فيدعون ويذكرون، زاعمين أن في ذلك تشبهًا بأهل عرفة. وهذا الصنيع لم يفعله أحد من السلف، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.