الفوات والإحصار
معنى الفوات: أن يسبق فلا يدرك؛ كأن يذهب إلى الحج وقد فاته الوقوف بعرفة.
ومعنى الإحصار: الحبس والمنع، أي يمنع عن إتمام النسك.
دليل المشـروعية: قول الله تعالى: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾ [البقرة:196].
إذا فاته الوقوف بعرفة، بمعنى أنه لم يدرك الوقوف بها في أي وقت من الليل أو النهار، فقد فاته الحج، وعلى ذلك فحكمه كالآتي:
(أ) إن كان اشترط في إحرامه (فمحلي حيث حبستني)، تحلل، ولا شـيء عليه؛ أي أنه يخلع ملابس الإحرام، ويلبس ملابسه الأخرى، ويرجع إلى أهله.
والأولى أن يتحلل بعمرة إن أمكنه، فيتم أعمال العمرة (بأن يذهب إلى مكة، فيطوف ويسعى ثم يحلق أو يقصـر).
(ب) وإن كان لم يشترط، تحلل، وعليه القضاء إن كان الحج واجبًا، واختلفوا إن كان تطوعًا؛ هل يجب عليه القضاء أم لا؟ على قولين، رجح شـيخ الإسلام عدم وجوبه، ورجح ابن عثيمين وجوب القضاء. واختلفوا كذلك هل يجب عليه هدي أم لا؟ وليس هناك دليل يوجب ذلك، فالراجح عدمه. قال ابن المنذر: (عليه حج قابل والهدي في قول عمر وابن عمر وزيد بن ثابت، وقد قال بذلك عامة العلماء، وقال ابن عباس: ليس عليه حج قابل) [1].
من صُدَّ عن البيت بعدو أهدى -أي ذبح الهدي- إذا كان ساق الهدي معه، ثم حلق؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ [البقرة:196]. وكذلك أمر النبي ﷺ أصحابه يوم الحديبية بالحلق أو التقصـير.
وأما إن كان المحصـر قد اشترط عند إحرامه بقوله مثلًا: «محلي حيث حبستني»، فإنه يتحلل ولا شـيء عليه.
(1) الراجح أن هذا الهدي يكون واجبًا على من ساقه، وأما من لم يسق الهدي فلا شـيء عليه، أو لم يجده أو عدم الاستطاعة؛ لأن النبي ﷺ لم يلزم كل من كان معه من الصحابة يوم الحديبية بشـراء الهدي، ومعلوم أن فيهم فقراء لم يكونوا ساقوا الهدي معهم.
(2) الصحيح أن نحر الهدي إنما يكون في المكان الذي أحصـر فيه، ولا يلزمه إرساله إلى الحرم ليذبح هناك.
(3) اختلفوا في حقيقة الإحصار؛ فيرى بعضهم أنه لا يكون إلا من حصـر بعدو، والراجح أنه متى منع عن البيت بعدو أو بغيره، كمن حصـر لمرض أو ذهاب نفقة ونحو ذلك؛ فحكمه سواء.
(4) إذا أحصـر عن واجب؛ كمن يمنع الوقوف في مزدلفة، فإنه لا يتحلل؛ لأنه يمكنه جبره بالدم.
(5) الصحيح أنه لا قضاء على المحصـر؛ لأنه لم يثبت أن النبي ﷺ أمر أحدًا أن يقضـي شـيئًا يوم الحديبية، إلا أن يكون أحصـر عن حجة الفريضة فعليه قضاؤها، وهذا هو الثابت عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
(6) لا يأكل المحرم من هدي الإحصار.