حجم الخط:

محتوى الدرس (131)

الهدي والأضحية

خريطة ذهنية مسائل الهدي والأضحية

جدول 70 من أحكام الهدي والأضحية

أولاً الهــدي:

[تمهيد]

معنى الهدي:

ما يهدى من النعم إلى الحرم تقربًا إلى اللهعز وجل.

من أي شيء يكون الهدى؟

يكون الهدي من بهيمة الأنعام؛ وهي الإبل، والبقر، والغنم.

وأقل ما يجزئ في الهدي شاة (ضأن أو معز)، أو سُبع بدنة أو سُبع بقرة؛ (يعني يشارك سبعة في بدنة (وهو الجمل)، أو بقرة؛ فعن جابر رضي الله عنه قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر: كل سبعة منا في بدنة»[1]. قال ابن القيم رحمه الله: (فأهدى رسول الله ﷺ الغنم، وأهدى الإبل، وأهدى عن نسائه البقر، وأهدى في مُقامه، وفي عمرته، وفي حجته)[2]. ومعنى «في مقامه»: أي وهو مقيم في وطنه غير معتمر أو حاج.

أقسام الهدي:

الهدي منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب.

(1) الهدى المستحب:

(1) ما يهديه المفرد، أو يهديه المعتمر.

(2) ما يرسل به المقيم هديًا إلى البيت.

واعلم أنه إذا أرسل هديًا إلى البيت وهو مقيم، فلا يعني ذلك أنه يكون محرمًا، بل هو حلال[3]؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يهدي من المدينة، فأفتل قلائد هديه، ثم لا يجتنب شـيئًا مما يجتنب المحرم»[4].

(2) أما الهدي الواجب:

فهو أقسام:

(1) هدي التمتع.

(2) هدي واجب على من ترك واجبًا من واجبات الحج.

(3) هدي واجب على من ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام.

(4) هدي واجب بالجناية على الحرم؛ كالتعرض لصـيده.

(5) هدي واجب بالنذر.

تقليد الهدي، وإشعار البُدن:

ومعنى «الإشعار»: أن يكشط جلد «البدنة» حتى يسـيل الدم، ثم يسلته، ويكون ذلك في الجانب الأيمن لسنام البعير (وهذا الحكم مختص بالبعير فقط دون البقر والغنم).

وأما «التقليد»، فهو أن يعلق في عنقها نعلين، أو يضع عليها شـيئًا من صوف ونحوه، (وهذا الحكم عام للبقر والغنم والإبل)؛ فعن ابن عباس رضي الله عنه: «أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ناقته، وأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم عنها، وقلَّدها نعلين، ثم ركب راحلته»[5]. ومعنى: «صفحة سنامها» جانب السنام، وهي أعلى الجمل.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «فتلتُ قلائد بُدن رسول الله ﷺ -زاد البخاري: من عهن كان عندي- ثم أشعرها وقلدها، ثم بعث بها إلى البيت»[6]. ومعنى «العهن»: الصوف.

متى يشعر الهدي؟

من الأحاديث السابقة يتضح أنه إذا ساق الهدي معه أشعره من الميقات؛ لأنه ﷺ أشعر ناقته من ذي الحليفة كما في حديث ابن عباس السابق. وأما إن أرسل بها تطوعًا وهو في بلده، فإنه يشعرها من محل إقامته؛ لحديث عائشة السابق.

جواز ركوب الهدي:

عن جابر رضي الله عنه أنه سئل عن ركوب الهدي؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا»[7]. ومعنى «أُلجِئت»: اضطُرِرت.

فهذا يدل على جواز ركوب الهدي إذا احتاج لذلك، وفي المسألة خلاف، والذي ذكرته هو الأرجح؛ للحديث السابق. وهذا الحكم عام؛ سواء كان في هدي واجب أو هدي تطوع.

وأجاز الجمهور أن يحمل عليها متاعه، ومنعه الإمام مالك، كما أجاز الجمهور أيضًا أن يحمل عليها غيره إذا احتاج لذلك. قال الشوكاني رحمه الله: (ونقل عياض الإجماع على أنه لا يؤجرها)[8].

ماذا يفعل إذا عطب الهدي؟

عن أبي قبيصة رضي الله عنه قال: «كان النبي ﷺ يبعث معه بالبدن، ثم يقول: إن عطب منها شـيء فخشـيت عليها موتًا، فانحرها، ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضـرب صفحتها، ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك»[9]. ومعنى هذا الحديث: أنه إذا عطب الهدي في أثناء الطريق، بمعنى أصابه مكروه يخشـى منه الموت، فعلى من يسوقها أن يفعل ما يلي:

(1) ينحرها.

(2) يغمس نعلها أو قلائدها في دمها، ثم يلطخ صفحتها؛ يعني جانبها (ليعلم المار أنها مما أهدي للبيت).

(3) لا يأكل هو ولا أحد من رفقته منها (وهذا سدًّا للذريعة؛ حتى لا يتسبب أحد في إعطابها لعلمه أنه لن يأكل منها).

(4) يترك بقية المارين يأكلون منها، وقد بين ذلك في حديث آخر رواه أصحاب السنن وفيه: «وخلِّ بين الناس وبينه يأكلونه»[10].

هذا بالنسبة لهدي التطوع، وأما الهدي الواجب فإنه إذا عطب فعليه أن يأتي بغيره؛ لأنه في ذمته حتى يؤديه، ولا تبرأ ذمته بمجرد شـرائه.

حكم الأكل من الهدي:

قال تعالى: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [الحج:36]. وقد تقدم في حديث جابر رضي الله عنه: «ثم انصـرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليًّا رضي الله عنه فنحر ما غبر، وأشـركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها، وشـربا من مرقها»[11].

وفي (الصحيحين) عن عائشة رضي الله عنها قالت: «.. فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقيل: نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه»[12].

فالحديث الأول دليل على جواز الأكل من هدي التمتع والتطوع، والثاني دليل على جواز الأكل من هدي القران، وقد ذهب بعضهم إلى وجوب الأكل من هذا الهدي؛ للأمر به في الآية، ولفعله ﷺ؛ إذ إنه أخذ من كل بدنة بضعة، ولم يقتصـر على أخذ اللحم من بعض البُدْن. وأما مقدار ما يأكله فلم يحدده الشـرع بشـيء.

قلت: وأما ما عداها من الهدي؛ كجزاء الصـيد، أو هدي الإحصار، أو هدي وجب لفعل محظور من محظورات الإحرام، أو ترك واجب من واجبات الحج، وكذلك ما كان عن نذر؛ فإنه لا يأكل منه[13]. قال ابن حزم رحمه الله: (كل هدي أوجبه الله تعالى فرضًا، فقد ألزم صاحبه إخراجه من ماله وقطعه منه، فإذا هو كذلك فلا يحل له ما قد سقط ملكه عنه إلا بنص، لكن يأكل أهله وولده إن شاءوا؛ لأنهم غيره، إلا ما سُمي للمساكين فلا يأكلوا منه إن لم يكونوا مساكين)[14].

تنبيه: بقي بعض المسائل، وهي السِّن المعتبرة في الهدي، وطريقة تقسـيمها، وحكم إعطاء الجازر منها، ووقت الذبح، وما يجزئ منها وما لا يجزئ. وسـيأتي بيان ذلك مع أحكام الأضحية.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة