حجم الخط:

محتوى الدرس (133)

الفضــائـل

أولاً: فضل مكة[1]:

اعلم يا أخي أن الله تعالى جعل لمكة في الفضل مزايا، وخصها ببيته الذي هو قبلة للبرايا، وبحجه الذنب مغفور، وبالطواف به تكثر الأجور.

اختار الله خير الأماكن والبلاد وأشـرفها وهي البلد الحرام، وجعلها مناسك لعباده، وأوجب عليهم الإتيان إليه من القرب والبعد، من كل فج عميق، فلا يدخلونه إلا متواضعين متخشعين متذللين، كاشفي رءوسهم، متجردين عن لباس أهل الدنيا، فمن فضائلها:

(1) جعلها الله حرمًا آمنًا:

قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [النمل:91].

وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها، والطواف بالبيت الذي فيها، غيرها. وليس على وجه الأرض موضع يشـرع تقبيله واستلامه، وتحط بذلك الخطايا والأوزار، غير حجرها الأسود، وركنها اليماني.

(2) والصلاة في مسجدها الحرام بمائة ألف صلاة:

عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة»[2].

(3) وهي أحب بلاد الله إلى الله ورسوله ﷺ:

عن عبد الله بن عدي رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ على راحلته، واقفًا بالحزورة يقول: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت»[3]. «والحزورة»: موضع بمكة.

(4) وهى الحبيبة إلى قلب نبينا ﷺ:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أطيبَكِ من بلدة، وأحبَّكِ إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك»[4].

(5) ولقد حرمها الله يوم خلق السموات والأرض:

قال ﷺ: «إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي قط إلا ساعة من الدهر، لا يُنفَّر صـيدها، ولا يعضد شوكها، ولا يختلى خلاها[5]، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد»[6].

وفي رواية: «فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب»[7].

(6) ومن خصائصها: كونها قبلة لجميع المسلمين،

فليس على وجه الأرض قبلة غيرها.

(7) ومن خصائصها أيضًا: أنه يحرم استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة

دون سائر بقاع الأرض.

(8) ومما يدل على تفضـيلها:

أن الله تعالى أخبر أنها أم القرى، فالقرى كلها تبع لها، وفرع عليها. وهى أصل القرى، فيجب ألا يكون لها في القرى عديل، كما أن الفاتحة أم الكتاب وليس لها في الكتب الإلهية عديل.

(9) ومن خصائصها: أنه لا يجوز دخولها لغير أصحاب الحوائج المتكررة إلا بإحرام،

وهذه خاصـية لا يشاركها فيها شـيء من البلاد، وهذه المسألة تلقاها الناس عن ابن عباس رضي الله عنهما.

(10) ومن خصائصها: أنها يعاقب فيها على الهم بالسـيئات وإن لم يفعلها؛

قال تعالى: ﴿ عز وجل يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25]، ومن هذا تضاعف مقادير السـيئات فيها، لا كمياتها.

وقال ﷺ: «الكبائر تسع: أعظمهن إشـراك بالله، وقتل بغير حق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والفرار يوم الزحف، وعقوق الوالدين، والسحر، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا»[8].

وقد ظهر سـر هذا التفضـيل والاختصاص في انجذاب الأفئدة، وهي القلوب، وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين، فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد. ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس، أي: يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرًا، بل كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا اشتياقًا.

ثانيًا: فضل الحجر الأسود:

قال ﷺ: «كان الحجر الأسود أشد بياضًا من الثلج، حتى سودته خطايا بني آدم»[9].

وقال ﷺ: «إن مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطًّا»[10].

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لولا ما مس الحجر من أنجاس الجاهلية، ما مسَّه ذو عاهة إلا شُفي، وما على الأرض شـيء من الجنة غيره»[11].

وعن ابن عباس مرفوعًا: «إن لهذا الحجر لسانًا وشفتين؛ يشهد لمن استلمه يوم القيامة بحق »[12].

وقال رسول الله ﷺ: «ليأتين هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصـر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق»[13].

ثالثًا: فضل الركن اليماني والمقام:

قال رسول الله ﷺ: «الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة»[14].

وقال رسول الله ﷺ: «إن الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما لأضاءتا ما بين المشـرق والمغرب»[15].

وفيما مر قال رسول الله ﷺ: «إن مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الذنوب حطًا». وقد تقدم تخريجه.

رابعًا: فضل زمزم:

الفضـيلة الأولى: غسل قلب النبي ﷺ بماء زمزم: قال ﷺ: «أتيت ليلة أسـري بي، فانطلق بي إلى زمزم، فشـرح عن صدري، ثم غسل بماء زمزم»[16].

الفضـيلة الثانية: ماء زمزم لما شـرب له؛ قال رسول الله ﷺ: «ماء زمزم لما شـرب له»[17].

الفضـيلة الثالثة: ماء زمزم طعام طعم:قال ﷺ: «زمزم طعام طعم، وشفاء سقم»[18].

الفضـيلة الرابعة: زمزم شفاء سقم: عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يحمل ماء زمزم في الأَداوَى والقِرَب، وكان يصب على المرضـى ويسقيهم[19].

الفضـيلة الخامسة: ماء زمزم يتحف به الضـيفان.

خامسًا: فضل المدينة وزيارة المسجد النبوي:

يستحب زيارة المسجد النبوي والصلاة فيه؛ لأن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. فإذا وصلت المسجد؛ فصل فيه ركعتين تحية المسجد أو صلاة الفريضة إن كانت قد أقيمت. ثم اذهب إلى قبر النبي ﷺ، وقف أمامه، وسلم عليه قائلًا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، صلى الله عليك وجزاك عن أمتك خيرًا. ثم اخط يمينك خطوة أو خطوتين لتقف أمام أبي بكر، فسلم عليه قائلًا: السلام عليك يا أبا بكر خليفة رسول الله ﷺ ورحمة الله وبركاته، رضـي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيرًا. ثم اخط عن يمينك خطوة أو خطوتين لتقف أمام عمر، فسلم عليه قائلًا: السلام عليك يا عمر أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، رضـي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيرًا.

الأماكن المشروع زيارتها بالمدينة:

اخرج إلى مسجد قباء متطهرًا، وصل فيه.

اخرج إلى البقيع، وزر قبر عثمان رضي الله عنه، وقف أمامه فسلم عليه قائلًا: السلام عليك يا عثمان أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، رضـي الله عنك، وجزاك عن أمة محمد خيرًا، وسلم على من في البقيع من المسلمين.

اخرج إلى أحد، وزر قبر حمزة رضي الله عنه ومن معه من الشهداء هناك، وسلم عليهم، وادع الله تعالى لهم بالمغفرة والرضوان[20].

ومما ورد في فضل المدينة:

قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى سمى المدينة طابة»[21].

وقال رسول الله ﷺ: «إن الله أمرني أن أسمي المدينة طابة»[22].

وقال رسول الله ﷺ: «إن إبراهيم حرم بيت الله وأمنه، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها[23]، لا يقطع عضاهها[24]، ولا يصاد صـيدها»[25].

وقال رسول الله ﷺ: «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة»[26]. وقال رسول الله ﷺ: «اللهم إن إبراهيم كان عبدك وخليلك، ودعاك لأهل مكة بالبركة، وأنا محمد عبدك ورسولك، أدعوك لأهل المدينة؛ أن تبارك لهم في مدهم وصاعهم مثلي ما باركت لأهل مكة، مع البركة بركتين»[27].

وقال رسول الله ﷺ: «إن الإيمان لَيأرِزُ[28] إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها»[29].

وقال رسول الله ﷺ: «إنما المدينة كالكير؛ تنفي خبثها، وتنصع طيبها»[30].

وقال رسول الله ﷺ: «إنها طيبة، تنفي الرجال كما تنفي النار خبث الحديد»[31].

وقال رسول الله ﷺ: «إني أحرم ما بين لابتي المدينة، أن يقطع عضاهها، أو يقتل صـيدها، المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لَأْوائها[32] وجهدها إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة، ولا يريد أحد أهل المدينة بشـر إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص، أو ذوب الملح في الماء»[33].

وقال ﷺ: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها»[34].

وقال ﷺ: «من أخاف أهل المدينة أخافه الله»[35].

وقال ﷺ: «من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله، كما يذوب الملح في الماء»[36].

وقال ﷺ: «إنها حرم آمن، إنها حرم آمن»؛ يعني المدينة [37].

وقال ﷺ: «المدينة حرام ما بين عَير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثًا، أو آوى فيها محدثًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»[38]. «عير» و«ثور» جبلان هما حدود المدينة.

وقال ﷺ: «على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون، ولا الدجال»[39].

وقال ﷺ: «لا يدخل المدينة رعب المسـيح الدجال، لها يومئذ سبعة أبواب، على كل باب ملكان»[40].

وقال ﷺ: «يأتي الدجال المدينة، فيجد الملائكة يحرسونها، فلا يدخلها الدجال، ولا الطاعون إن شاء الله»[41].

أحكام في الزيارة:

(1) اعلم أن زيارة المدينة لا علاقة لها بأعمال الحج، فلو أتم نسكه ولم يشد رحله إلى المدينة، فحجه صحيح ولا شـيء عليه.

(2) اعلم أن زيارة قبر النبي ﷺ تابعة لزيارة المسجد، فتكون نية الذاهب إلى المدينة شد الرحال إلى المسجد النبوي، وليس إلى القبر الشـريف.

(3) ما يقوم به البعض من المزارات لا دليل عليه، من ذلك موقع الخندق، ومسجد القبلتين، ومسجد الغمامة، والمساجد التي يقال عنها (المساجد السبعة)؛ فكل هذه لا دليل على زيارتها، ولا ثواب على ذلك.

(4) من الأخطاء كذلك تحميل الحجاج السلام على النبي ﷺ.

(5) من البدع التزام دعاء معين عند دخول المدينة.

(6) من المنكرات الشائعة استقبال قبره ﷺ عند الدعاء، أو قصد القبر للدعاء عنده.

(7) من المنكرات تقبيل القبر أو استلامه.

(8) من المنكرات التمسح بالمنبر والنحاس الموجود حوله.

(9) من الأخطاء التزام زوار المسجد النبوي المقام فيه أسبوعًا حتى يتمكن من أربعين صلاة في المسجد.

(10) من المنكرات الخروج من المسجد النبوي القهقرى عند الوداع.

وهذا آخر ما يسـر الله لي جمعه وترتيبه من (كتاب الحج وبه تتمة (قسم العبادات). والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأسأله سبحانه أن يجعله خالصًا لوجهه، وأن يجزينا بالإحسان إحسانًا، وعن السـيئات عفوًا وغفرانًا، وما كان من صواب فمن الله وحده، وما كان من خطأ فمني ومن الشـيطان. وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ويتلوه إن شاء الله تعالى المجلد الثاني، وأوله: (كتاب النكاح).

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة