حجم الخط:

محتوى الدرس (135)

أحكام الخطبة

خريطة ذهنية لأحكام الخطبة

جدول 72 أحكام خطبة النكاح

معنى الخطبة:

إظهار الرغبة في الزواج بامرأة معينة وإعلام الولي بذلك.

أولاً: اختيار الزوجين:

(أ) اختيار الزوجة:

على الزوج أن يراعي في اختيار الزوجة ما يلي:

(1) أن تكون الزوجة صالحة:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»[1].

ومعنى «ترِبت يداك» أي لصِقت بالتراب، وهي كناية عن الفقر. قال الحافظ رحمه الله: (وهو خبر بمعنى الدعاء، لكن لا يراد حقيقته)[2].

قال ابن عثيمين رحمه الله: (فالديِّنة تعينه على طاعة الله، وتصلح من يتربى على يدها من الأولاد، وتحفظه في غيبته، وتحفظ ماله، وتحفظ بيته، بخلاف غير الديِّنة؛ فإنها قد تضـره في المستقبل)[3].

(2) ويستحب أن تكون بكرًا:

وهي التي لم توطأ؛ فعن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له: «يا جابر؛ تزوجت بكرًا أم ثيِّبا؟» قال: ثيِّبا، فقال: «هلا تزوجت بكرًا تلاعبها وتلاعبك؟»[4]. وفي رواية للبخاري: «وتضاحكها وتضاحكك»[5].

لكن قد يكون هناك بعض الأسباب لنكاح الثيِّب وتقديمها على البكر، كما وقع ذلك لجابر رضي الله عنه فإنه قال للنبي ﷺ لما قال له مقولته السابقة: هلك أبي وترك سبع بنات، أو تسع بنات، فتزوجت ثيِّبا، كرهت أن أجيئهن بمثلهن، فقال: «بارك الله لك»[6]، وفي رواية: «أصبت». قال ابن عثيمين رحمه الله: (فإذا اختار الإنسان ثيِّبا لأغراض أخرى، فإنها تكون أفضل)[7].

(3، 4) أن تكون ولودًا ودودًا:

فعن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، فأتزوجها؟ قال: «لا»، ثم أتاه الثانية، فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: «تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم»[8].

و«الودود»: هي المرأة التي تتودَّد إلى زوجها، وتتحبَّب إليه، وتبذل وسعها في مرضاته. و«الولود»: المعروفة بكثرة الولادة، ويعرف ذلك بسلامة بدنها، والنظر إلى مثيلاتها من أخواتها وعماتها وخالاتها.

(5) وأن تكون من بيئة كريمة تتميز بصفات أخلاقية حميدة:

ففي الحديث يقول النبي ﷺ: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة؛ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»[9]. ولذلك أثنى النبي ﷺ على صالح نساء قريش لما يتميزن به من صفات الحنو على الأولاد، والرعاية للأزواج؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ خطب أم هانئ فقالت: يا رسول الله إني كبرت، ولي عيال، فقال ﷺ: «خير نساء ركبن الإبل: صالح نساء قريش؛ أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده»[10]. ومعنى ذلك أن النبي ﷺ مدحهن بشـيئين:

الأول: حنوهن على أولادهن، والمقصود كثرة الشفقة عليهم؛ قال الحافظ رحمه الله: («والحانية» على ولدها: هي التي تقوم عليهم في حال يتمهم فلا تتزوج، فإن تزوجت فليست بحانية)[11].

الثاني: رعايتها لزوجها في ذات يده -يعني ماله- وذلك بحفظه وصونها له بالأمانة فيه، والصـيانة له، وترك التبذير في الإنفاق.

تنبيه: لا يعني هذا تحريم زواج الأرملة، بل إنه مباح لها، ولكنها إن قامت على أولادها فهو أفضل، إلا أن تخاف على نفسها فتنة؛ فيكون طلبها للزواج أفضل، والله أعلم.

(6) ومن هذه الصفات الكريمة أيضًا ما ثبت في الحديث: «خير النساء من إذا نظرت إليها سـرَّتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا أقسمت عليها أبرَّتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك»[12].

(ب) اختيار الزوج:

ثبت في الحديث قوله ﷺ: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير»[13]. فيراعى في اختيار الزوج ما يلي:

(1) أن يكون على دين وخلق؛ للحديث السابق.

(2) أن يكون من بيئة كريمة؛ لما تقدم من الحديث: «الناس معادن».

(3) ويستحب للمرأة اختيار الزوج غير العقيم؛ لحديث «فإني مكاثر بكم الأمم».

(4) أن يكون قادرًا على النفقة عليها؛ لأنه مقصود لدوام العشـرة، وقد ثبت في حديث فاطمة بنت قيس، وقد سألت رسول الله ﷺ عن زواجها من معاوية، فقال: «وأما معاوية فصعلوك لا مال له»[14].

قال الشـيخ محمد بن إسماعيل المقدم -حفظه الله-: (يجب على ولي المرأة أن يتقي الله فيمن يزوجها به، وأن يراعي خصال الزوج، فلا يزوجها ممن ساء خلقه، أو ضعف دينه، أو قصـر عن القيام بحقها؛ فإن النكاح يشبه الرق، والاحتياط في حقها أهم، لأنها رقيقة بالنكاح لا مَخْلَص لها، والزوج قادر على الطلاق بكل حال، وفي الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنما هن عندكم عَوَانٍ»، فالمرأة عند زوجها تشبه الأسـير والرقيق، فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه، سواء أمرها أبوها أو أمها أو غير أبويها باتفاق الأئمة)[15].

تنبيهات وملاحظات:

(1) عرض الرجل موليته على الرجل الصالح: يجوز للرجل أن يعرض ابنته أو أخته على أهل الخير والصلاح، بل صـرح بعض الفقهاء باستحباب ذلك، ومن الأدلة على ذلك قول الله عز وجل: ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص:27]، وكذلك ما ثبت في صحيح البخاري، أن عمر بن الخطاب حين تأيـَّمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي -وكان من أصحاب رسول الله ﷺ فتوفي بالمدينة- فقال عمر ابن الخطاب: «أتيت عثمان بن عفان، فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إليَّ شـيئًا، وكنت أَوْجَدَ عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله ﷺ، فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وَجَدت عليَّ حين عرضتَ عليَّ حفصة فلم أرجع إليك شـيئًا؟ قال: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليَّ إلا أني كنت علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشـي سـر رسول الله ﷺ، ولو تركها رسول الله قبلتها»[16]. قال الحافظ رحمه الله: (وفيه أنه لا بأس بعرضها عليه، ولو كان متزوجًا؛ لأن أبا بكر كان حينئذ متزوجًا)[17].

(2) عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح: ويجوز للمرأة أن تعرض نفسها للرجل الصالح، مع مراعاة الضوابط الشـرعية، فإن رغب كل منهما في الآخر تزوجها، مع تحقق شـروط العقد وأركانه[18]؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: «جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ تعرض عليه نفسها؛ قالت: يا رسول الله، ألك بي حاجة؟..» الحديث[19]. قال الحافظ: (في الحديثين[20] جواز عرض المرأة نفسها على الرجل، وتعريفه رغبتها فيه، وأن لا غضاضة عليها في ذلك)[21].

قلت: وأما إعلان المرأة عن رغبتها في الزواج في الجرائد والمجلات وشبكات الإنترنت، وبث صورتها، وذكر مواصفاتها؛ فذلك يتنافى مع الحياء والحشمة والستر[22]، ويقع بسببه فساد كبير لا يعلمه إلا الله.

(3) الاختيار تابع للمصالح: هناك بعض الاختيارات يرجح فيها المصلحة؛ فمن ذلك أن الأفضل اختيار البكر، إلا أنه قد يكون هناك سبب يستدعي الثيِّب فاختيارها أفضل؛ كأن تكون أرملة لأيتام فينال أجر تربيتهم، وقد يكون جبر خاطر المرأة، وقد يكون قوة دين الثيِّب ورجاء الانتفاع به، أو لمصاهرة صالحين. ومن ذلك رأى بعض العلماء الأفضل اختيار غير القريبات؛ قالوا: لأن ذلك أنجب للولد، وحتى لا تكون قطيعة إذا حدث بينهم جفوة. قال ابن عثيمين رحمه الله: (لكن إذا وجد بين الأقارب من هو أفضل منها للاعتبارات الأخرى، فإنه يكون أفضل، وعند التساوي تكون الأجنبية أولى... فليس في المسألة نص شـرعي يجب الأخذ به، ولذلك يتبع الإنسان ما يراه أكثر تحقيقًا للمصالح)[23].

(4) استحباب الاستخارة في النكاح: يستحب لكل من الخاطب والمخطوبة ومن يهمهم أمرهما الاستخارة، والتوجه إلى الله؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما انقضت عدة زينب -يعني بنت جحش- قال رسول الله ﷺ لزيد: «اذكرها عليَّ»، قال زيد: «فانطلقت، فقلت: يا زينب أبشـري؛ أرسلني إليك رسول الله ﷺ يذكرك، فقالت: ما أنا بصانعة شـيئًا حتى أستأمر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول اللـه ﷺ فدخل بغير إذن»[24].

(5) وعليهم كذلك البحث والسؤال عن الطرف الآخر، واستشارة النصحاء، وعلى المستشار أن ينصح لمن يستشـيره؛ لقوله ﷺ: «المستشار مؤتمن»[25]، ولا يُخْفِي شـيئًا يحتاج إليه مَنْ يسأله، ولو يذكر عيوبه ومساوئه، والأفضل أن يتلطف في العبارة إن كانت هناك عيوب، ولا يذكر من العيوب إلا ما تمس الحاجة إلى معرفته، حتى لو كان هو الخاطب فليذكر ما يراه عيبًا فيه ليكون الطرف الآخر على بينة، ويقرر الرفض أو الموافقة إن كانت له قدرة على التكيف بذلك. والدليل على ذلك قول النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس، وقد خطبها معاوية وأبو الجهم: «أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو الجهم فرجل ضـرَّاب للنساء»[26].

ثانيًا: الشروط المعتبرة في خطبة المرأة:

[الشروط]

يشترط لخطبة المرأة شـرطان؛ وهما:

(أ) أن تكون المرأة خالية من الموانع الشـرعية.

(ب) ألا يسبقه غيره إليها بالخطبة.

والمقصود بـ(الخلو من الموانع الشـرعية) أن لا تكون مُحرَّمة عليه بسبب من أسباب التحريم المؤبدة أو المؤقتة -وسـيأتي تفصـيل المحرمات من النساء[27]- وألا تكون معتدة، وسوف نتكلم هنا عن خطبة المعتدة، ثم نتكلم عن الشـرط الثاني، وهو ألا يسبقه غيره بالخطبة على الخطبة؛ على النحو الآتى:

خطبة المعتدة:

المقصود:

حكم خطبة المرأة في وقت عدتها؛ سواء كانت عدتها عدة وفاة أو عدة طلاق، وسواء كان هذا الطلاق رجعيًّا أو بائنًا[28]، وحكمها على النحو الآتي:

(أ) إذا كانت المرأة معتدة من طلاق رجعي[29]، فيحرم خطبتها تصـريحًا أو تعريضًا؛ لأنها ما زالت في عصمة زوجها، وله حق مراجعتها.

(ب) إذا كانت مطلقة طلاقًا بائنًا حرمت خطبتها تصـريحًا، ويجوز تعريضًا على الصحيح؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ [البقرة:235]؛ فأباح الله التعريض دون التصـريح، إلا أنه يجوز لمطلقها فقط التصـريح بالزواج ما لم يكن طلقها آخر ثلاث تطليقات.

(ج) إذا كانت المرأة معتدة عدة وفاة، فإنه يجوز التعريض بالخطبة دون التصـريح؛ لعموم الآية المذكورة سابقًا.

ويقيد ما سبق بما يلي:

(1) المقصود بـ(الطلاق الرجعي): أن يطلق الرجل زوجته بلفظ من ألفاظ الطلاق، وفي هذه الحالة يمكنه مراجعتها ما دامت في العدة بعد الطلقة الأولى، والثانية.

وأما الطلاق البائن؛ ويسمى (البينونة الكبرى)، فهو أن تكون مطلقة الطلقة الثالثة، فلا يملك الزوج مراجعتها حتى تنكح زوجًا غيره.

ومن الطلاق البائن كذلك ما يسمى (البينونة الصغرى)؛ وهو الطلاق على عوض وهو (الخلع)، أو فسخ الطلاق بسبب من أسباب الفسخ، أو تكون عدتها قد انتهت من الطلقة الأولى أو الثانية، فلا يملك الزوج مراجعتها إلا بعقد ومهر جديد.

(2) المقصود (بالتصـريح): اللفظ البين الواضح؛ كأن يقول: أريد أن أتزوجك، أو يقول لوليها: أريد أن أتزوج فلانة، وأما (التعريض) فهو كأن يقول: إني فيك لراغب، أو: لا تفوتيني نفسك، أو: إذا انقضت عدتك فأخبريني، أو نحو ذلك.

(3) خلاصة ما تقدم:

أن التصـريح محرم لجميع المعتدات[30]، والتعريض محرم للمعتدة الرجعية، وجائز للمعتدة البائنة بينونة كبرى والمعتدة من وفاة.

(4) ما الحكم لو صـرح بالخطبة في المواضع التي يحرم فيها التصـريح؟

يختلف هذا باختلاف ما يترتب على هذا التصـريح، (مع التنبيه على وقوع الإثم ولزوم التوبة)، ويكون الحكم على النحو الآتي:

(أ) إن خطبها في العدة، لكنه (لم يعقد عليها) إلا بعد انقضاء العدة، فالعقد صحيح على الراجح.

(ب) إن خطبها في العدة، (وعقد عليها)، وهي ما زالت في العدة؛ وجب التفريق بينهما، سواء دخل بها أم لم يدخل بها، طالت مدته معها أو لم تطل، وترتب على ذلك أمور:

منها: لا يثبت بينهما التوارث؛ لأن هذا نكاح باطل.

ومنها: لا تجب نفقة لها عليه.

حكم الصداق في هذه الحالة:

يرى بعض العلماء أن لها الصداق بما استحل من فرجها، ومنعه آخرون، والثابت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يجعله -يعني الصداق- في سبيل الله، لكنه بعد ذلك رجع وجعل لها الصداق.

ومنها: إن كانا عالمين بحرمة هذا العقد ودخل بها، وقع عليهما حد الزنى، أما إن كانا جاهلين فلا شـيء عليهما.

ومنها: إن كان بينهما ولد وكان الزوج يعلم بحرمة النكاح، فلا ينسب له الولد لأنه زانٍ، وأما إن كان جاهلًا فإن الولد ينسب له.

(5) هل يجوز بعد أن يفترقا وتنتهي عدتها أن يتزوجها؟

الراجح: نعم يجوز ذلك، وهو مذهب الجمهور، خلافًا للمالكية، ودليله قول الله تعالى بعد أن ذكر المحرمات من النساء: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ [النساء:24] فلم يمنع من نكاح من نكحها في عدتها إذا فرق بينهما وانتهت عدتها، والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة