حجم الخط:

محتوى الدرس (136)

الخطبة على خطبة الغير:

ثبت في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب»[1].

فعلى هذا تحرم الخطبة إذا صـرَّحت المخطوبة أو وليها بالإجابة للخاطب الأول.

ويتفرع على ذلك ما يلي:

(1) يجوز الخطبة على الغير في حالات:

منها: أن يعلم بأن الخاطب الأول رُدَّ.

ومنها: أن يأذن الخاطب الأول له بأن يخطبها؛ كما ورد في الحديث «أو يأذن له».

ومنها: إذا علم أن الخاطب الأول أعرض عن خطبته لها.

(2) إذا تقدم لخطبة امرأة وهو لا يعلم أنها خطبها رجل قبله، فلا إثم عليه؛ لأنه يجهل ذلك، وأما إن علم أنها تقدم لها خاطب لكنه لم يعلم أقُبِل أم رفُض، ففيه خلاف؛ فيرى بعض العلماء أنه يجوز له الخطبة؛ لما ثبت في حديث فاطمة بنت قيس أنه خطبها معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد، فقال رسول الله ﷺ: «أما معاوية فرجل ترب لا مال له، وأما أبو جهم فرجل ضـراب للنساء، ولكن أسامة..» الحديث[2]، وفيه أن النبي ﷺ أقر خطبة الثاني والثالث بعد الأول، وهذا محمول على أنه لم يُجَب[3].

وذهب فريق آخر من العلماء أنه لا يجوز خطبتها حتى يتثبت، وهذا ما رجَّحه ابن عثيمين رحمه الله وأجابوا عن الحديث السابق باحتمال أن يكونا خطباها معًا[4]، أو لم يعلم الثاني بخطبة الأول.

(3) في نهيه ﷺ: «عن الخطبة على خطبة أخيه»، يرى بعض العلماء أنه يجوز الخطبة على خطبة الفاسق والكافر؛ لأن الكافر لا تشمله أخوة الدين، والفاسق لا تشمله أخوة الإيمان؛ لقوله ﷺ: «المؤمن أخو المؤمن».

وذهب الجمهور إلى المنع، وأجابوا عن حديث «لا يخطب على خطبة أخيه» أنه خرج مخرج الأغلب؛ قال ابن عثيمين رحمه الله: (ومعلوم أن القيد إذا كان للأغلب فلا مفهوم له).

(4) اعلم أن المقصود بالنهي عن خطبة أخيه النهي العام؛ سواء كان تعريضًا أو تصـريحًا.

(5) إذا خطبها الثاني بعد الموافقة على الأول ثم عقد عليها -أعني الثاني- فإنه يكون آثمًا، لكن العقد صحيح، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه، ورجَّحه الحافظ في (الفتح)، وذهب مالك إلى بطلانه، والأول هو الأصح، والله أعلم.

(6) إذا تقدم للمرأة خاطب، فهل تسمح لخاطب آخر لا يعلم بخطبة الأول بخطبتها قبل أن تجيب الأول؟ الظاهر جوازه؛ لحديث فاطمة بنت قيس السابق، لكنها إن كانت أجابت الأول بالموافقة، فلا يجوز لها ذلك.

(7) قال الحافظ رحمه الله: (واستدل به على تحريم خطبة المرأة على خطبة امرأة أخرى؛ إلحاقًا لحكم النساء بحكم الرجال، وصورته: أن ترغب امرأة في رجل وتدعوه إلى تزويجها فيجيبها كما تقدم، فتجيء امرأة أخرى فتدعوه وترغبه في نفسها وتزهده في التي قبلها، وقد صـرحوا باستحباب خطبة أهل الفضل من الرجال، ولا يخفى أن محل هذا إذا كان المخطوب عزم أن لا يتزوج إلا بواحدة، فأما إن جمع بينهما فلا تحريم)[5].

ثالثًا: النظر إلى المخطوبة:

يشـرع النظر إلى المخطوبة؛ لما ورد في الأحاديث؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنت عند النبي، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله ﷺ: «أنظرت إليها؟» قال: لا، قال: «فاذهب فانظر إليها؛ فإن في أعين الأنصار شـيئًا»[6]، وعن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة، فقال النبي ﷺ: «انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما»[7]. فقوله: «أحرى أن يؤدم بينكما» دليل لاستحباب النظر لدوام العشـرة وحسن المصاحبة.

ملاحظات وتنبيهات:

(1) الحكمة من النظر إلى المخطوبة:

ما تقدم في الحديث من قوله: «فإنه أحرى أن يؤدم بينكما».

(2) هل يشترط إذنها في النظر؟

الراجح من أقوال أهل العلم أنه لا يشترط إذنها ولا إذن وليها في النظر إليها؛ لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا خطب أحدكم المرأة؛ فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل»، قال جابر: فخطبت جارية، فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما يدعوني إلى نكاحها، فتزوجتها[8].

قال ابن قدامة رحمه الله: (يجوز النظر إليها بـإذنها وبغير إذنها؛ لأن النبي أطلق النظر، فلا يجوز تقيـيده)[9].

(3) هل يجوز تكرار النظر؟

الجواب: نعم، وذلك ليتحقق الغرض المقصود من النظر، وهو ما يدعوه إلى نكاحها، كما تقدَّم في حديث جابر، وعلى هذا فلا يقيد تكرار النظر بعدد معين، بل يكون ذلك لتحقق الغرض الذي شـرع النظر لأجله، فقد يتحقق ذلك بأكثر من ثلاث مرات، وقد يتحقق بأقل من ذلك، فإن تحقق الغرض من النظر، بأن أبدى كل منهما رأيه، سواء كان بالقبول أو الرفض، فلا يحل النظر بعد ذلك، إذ لا حاجة لذلك، وهي أجنبية عنه.

(4) المواضع التي يباح له النظر منها:

ذهب الأكثرون إلى تقييد النظر بالوجه والكفين، وتوسع داود الظاهري بجوازه إلى جميع البدن، وتوسط الحنابلة فقالوا: ينظر إلى ما يظهر غالبًا؛ مثل الوجه واليدين والرقبة والقدم، ونص أحمد في رواية أنه لا بأس أن ينظر إليها حاسـرةً؛ أي: كاشفة الشعر، وسبب هذا الخلاف أن النصوص لم تعين مواضع النظر، بل أطلقت ذلك إلى ما يحصل به المقصود بالنظر.

والذي تطمئن إليه النفس أنها لا تطالب -أعني المخطوبة- أن تكشف إلا عن وجهها وكفيها أمام الخاطب، كما ذهب الجمهور، ولا يجب عليها أن تكشف عن رأسها، لكن لا بأس بكشف رأسها[10]، وكذلك إن اختبأ لها، وتمكن من رؤية غير الوجه والكفين مما يدعوه إلى نكاحها، فله ذلك؛ لما ورد في حديث جابر، والله أعلم.

(5) وللمرأة حق النظر إلى خاطبها؛

لعموم قوله تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228].

(6) وإذا أراد الخاطب أن يعرف الصفات الخُلقية،

فإن ذلك يكون بالوصف، والتحري ممن خالطوها بالمعاشـرة أو الجوار، أو بواسطة بعض أقربائه؛ كالأم والأخت ممن يثق بهن، وليتخير في ذلك من كانت لها خبرة وبصـيرة. وكذلك الحال في معرفة الخاطب لدى المرأة؛ وعلى ذلك فما انتشـر الآن من السماح بالخلوة بالمرأة لمعرفة شخصـيتها أمر يأباه الشـرع، ولا ينسجم مع أحكامه، ويعرض المرأة لسوء الظن؛ خاصة إذا لم يتم الزواج بعد.

(7) ما تقدم من إباحة النظر إلى المخطوبة، لا يعني جواز لمسها أو مصافحتها؛

لأنها ما زالت أجنبية عن الخاطب، والشـرع إنما أباح النظر فقط.

(8) اعلم أنه لا يجوز التقدم لخطبة امرأة من المحرم بحج أو عمرة،

سواء كان ذلك تعريضًا أو تصـريحًا، وسواء كان المحرم أحدَهما أو كليهما.

(9) إذا نظر إلى المخطوبة ولم تعجبه، فليسكت ولا يقل شـيئًا،

وقد ثبت في الحديث أن امرأة وهبت نفسها للنبي ﷺ «فصَعَّد فيها النظر وصَوَّبه، ثم طأطأ رأسه». رواه البخاري ومسلم[11]. قال الحافظ رحمه الله: (لكن لا ينبغي أن يصـرح لها بالرد، بل يكفي السكوت)[12].

(10) وهل يجوز أن يتحدث معها ويكلمها؟

الجواب: نعم، يجوز ذلك، بشـرط وجود المحرم، فقد قال ﷺ: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم»[13]، وينبغي أن يتقيد جواز الكلام بما إذا كان له سبب وحاجة، أما الكلام لمجرد التسلية وما لا فائدة فيه ولا حاجة، فيمنع سدًّا للذريعة[14].

(11) إذا أراد أن يكلمها هاتفيًّا فهل يجوز؟

الجواب: نعم، بالشـروط المتقدمة قبله؛ وهي وجود سبب وحاجة لذلك، مع سماع المَحْرَم للكلام.

(12) يجوز للمرأة أن تتجمل وتتهيأ للخاطب في الحدود المأذون فيها؛

فلها أن تختضب وتكتحل، وتحسن من هيئتها؛ وذلك لما ثبت في حديث سبيعة الأسلمية عند (البخاري) أنها بعد انقضاء عدتها «اكتحلت أو اختضبت، وتهيأت»، وفي رواية: و«تجملت للخطاب»[15]، وعلى هذا فأنصح أخواتي المنتقبات أنه لا بأس لهن عند مجيء الخاطب أن يلبسن الملابس الملونة (بشـروطها الشـرعية)، ولا مانع من لبس غطاء على الرأس غير الخمار المعتاد (كالإشارب والطرحة اللف)؛ بحيث يظهر الوجه بكماله، وإن ظهر شـيء من أول الشعر فلا بأس، فالمطلوب أن تتهيأ بما يرغبه فيها[16]. وهل لها أن تتجمل (بالمكياج) أمامه؟

الجواب: لا يجوز ذلك؛ منعًا من التدليس، ولكن إن تهيأت لنعومة وجهها ونضارته ببعض الأمور التي ليست فيها مساحيق، كاستخدام بعض الخضـراوات أو الأعشاب فلا بأس بذلك.

(13) لا يكتفى بعرض صورة للمخطوبة على الخاطب،

فإن هذا قد لا يدعوه إلى رغبته فيها، لما جعل الله في المشاهدة من تحرك للقلب، وتمكن من الرغبة، وهذا لا يتحقق في الصور، مع ما فيها من تدليس قد يقع مخالفًا لحقيقة الأمر.

(14) لا يجوز لأقارب الخاطب من الرجال؛

كأبيه وأعمامه وإخوانه، أن يروا المخطوبة (قبل العقد) تذرعا بأي ادعاء، كما لا يجوز لهم ذلك بعد العقد إلا للأب فقط؛ لأنه يصبح محرمًا لها.

وكذلك لا يجوز أن يرى الخاطب أم المخطوبة وأخواتها وخالاتها قبل العقد، كما لا يجوز ذلك أيضًا بعد العقد إلا للأم فقط؛ لأنها تصـير مُحرَّمة عليه تأبيدًا بمجرد العقد، ويصبح هو محرمًا لها.

(15) لا بأس أن يقدِّم الخاطب لمخطوبته هدية تعرف بــ(الشبكة)،

شـريطة أن تراعى فيها الحدود الشـرعية.

فمن ذلك: ألا يكون فيها صور ذات أرواح، ولا تصاليب.

ومن ذلك: ألا يقوم بـإلباسها هذه الشبكة بنفسه إذا لم يكن عقد عليها، ويمكن أن يوكل إحدى النساء، أو أحدًا من محارم المخطوبة، ويراعي في هذه الحالة ألا يختلط بالنساء الموجودات مع المخطوبة.

ومن ذلك: ترك ما تسمى (دبلة الخطوبة)؛ سواء كانت من ذهب أو من فضة للرجل والمرأة على السواء، خاصة إذا كان هناك اعتقاد أنها تسبب محبة بين الزوجين، فإنها تكون في هذه الحالة (تميمة)، وهي محرمة.

وإن لم يصاحبها هذه النية فقد قال ابن عثيمين رحمه الله: (وإن لم توجد هذه النية - وهي بعيدة ألا تصحبها - ففيه تشبه بالنصارى؛ فإنها مأخوذة منهم)[17].

(17) تعد هذه الشبكة هدية من الخاطب للمخطوبة،

تتملكها، ولها حق التصـرف فيها كيف شاءت ولو بالبيع والشـراء[18].

(18) ولا يشـرع قراءة الفاتحة عند الخطبة،

اعتقادًا أن هذا إلزام وعهد، فالعهود لا توثق بقراءة القرآن، فهذه من المحدثات التي لم يفعلها أحد من السلف رضي الله عنهم.

(19) من البدع تخصـيص أيام معينة يهدي فيها الخاطب أو العاقد هدايا للمخطوبة،

وذلك ما يسمونه (المواسم)، وقد تكون بعض هذا المواسم غير شـرعية، بل أعياد مبتدعة، وإرغام الزوج بهذه الهدايا يثقل كاهله، وقد تسبب مشاحنات عند البعض إذا لم يقدمها، أو لم يعتن ويغال في ثمنها، وكل هذا لا يجوز، علمًا بأن أصل التهادي مباح ومستحب، لكن بلا تخصـيص مناسبات[19].

رابعًا: فسخ الخطبة:

(1) حكم الفسخ:

يتغير حكم الفسخ -بعد ركون كل منهما للآخر وإبداء الموافقة- بناءً على سببه:

(أ) فإن كان بلا سبب فهو مكروه؛ لأن فيه كسـرًا لقلب الآخر، وإنما لم يحرم لأن الحق بعد لم يلزم، فهو كمن ساوم على سلعة ثم بدا له أن لا يشتريها[20].

(ب) فإن كان لغرض صحيح فلا كراهة في ذلك.

(جـ) فإن كان بسبب أن خاطبًا آخر تقدم لها فيحرم ذلك؛ لما تقدم من الحديث[21].

(2) حكم الرجوع بالهدية:

فإذا حدث فسخ، فما مآل الهدايا التي قدمها الخاطب لمخطوبته؟

في ذلك آراء، أوسطها أنه يتوقف على الشـروط التي بينهما أو العرف الجاري؛ فإنَّ المعروف عرفًا كالمشـروط شـرطًا، وبناءً على ذلك فإن المتعارف عليه أنه إن كان العدول من جهته فلا رجوع له فيما أهداه، وإن كان العدول من جهتها فله الرجوع بكل ما أهداه، وهو مذهب المالكية[22]. وفي المسألة خلاف بين الفقهاء، والعلم عند الله.

قلت: وفي كل الأحوال لو تركها الخاطب لمخطوبته مروءة منه، حتى لو كان العدول من جهتها، لكان ذلك خيرًا له، وسلامة لدينه؛ لقوله ﷺ: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه»[23]، ولعموم قول الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة