حجم الخط:

محتوى الدرس (139)

الشـرط الثالث: الولي:

[الأدلة]

يشترط لعقد النكاح: ولي المرأة؛ سواء كانت بكرًا أم ثيِّبا، والأدلة على ذلك من القرآن والسنة كثيرة، أكتفي بذكر بعضها:

فمن القرآن: ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ [البقرة:232]؛ قال معقل بن يسار رضي الله عنه: إنها نزلت فيه، قال: «زوجت أختًا لي من رجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلقتها، ثم جئت تخطبها؟ لا والله لا تعود إليك أبدًا، وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ فقلت: الآن أفعل يا رسول الله»[1]، ومعنى «لا تعضلوهن»: لا تمنعوهن. قال الحافظ رحمه الله: (وهي أصـرح دليل على اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى، ولأنها لو كان لها أن تزوج نفسها لم تحتج إلى أخيها، ومن كان أمره إليه لا يقال إن غيره منعه منه، وذكر ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك)[2].

وأما من السنة: فعن أبي موسـى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا نكاح إلا بولي»[3].

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ: قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل -ثلاثًا- ولها المهر بما أصاب منها، فإن اشتجروا فإن السلطان ولي من لا ولي له»[4].

وهذا هو الثابت عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس وأبي هريرة، وكان أبو هريرة يقول: «لا تنكح المرأة نفسها؛ فإن الزانية تنكح نفسها»[5].

قلت: والأدلة السابقة لم تخص الثيِّب من البكر، بل هي عامة، ولذا ترجم الإمام البخاري لذلك بقوله: «باب من قال: لا نكاح إلا بولي؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ، فدخل فيه الثيِّب، وكذلك البكر».

وكما أن المرأة لا تتولى عقد النكاح لنفسها، فهي كذلك لا تتولى عقد النكاح لغيرها؛ لقوله ﷺ: «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها؛ فإن الزانية هي التي تزوج نفسها»[6]. قال ابن تيمية: (دل القرآن في غير موضع، والسنة في غير موضع -وهو عادة الصحابة- أنما كان يزوج النساءَ الرجالُ، ولا يعرف عن امرأة تزوج نفسها، وهذا مما يفرق فيه بين النكاح ومتخذات الأخدان، ولهذا قالت عائشة: لا تزوج المرأة نفسها؛ فإن البغي هي التي تزوج نفسها)[7].

أحكام الولي وتفاصيله:

(1) قال الشـيخ محمد بن إسماعيل المقدم -حفظه الله-: (إن من مقاصد هذا التشـريع الحكيم -يعني اشتراط الولي- صـيانة المرأة عن أن تباشـر بنفسها ما يشعر بوقاحتها ورعونتها، وميلها إلى الرجال، مما ينافي حال أرباب الصـيانة والمروءة)[8].

(2) إذا زوجت المرأة نفسها؛ قال مالك: (لا يُقر هذا النكاح أبدًا على حال، وإن تطاول وولدت منه أولادًا؛ لأنها هي عقدت عقد النكاح، فلا يجوز ذلك على حال)[9]. وبناءً على ما تقدم، فما يحدث في بعض الجامعات من تزويج الفتاة نفسها دون إذن أوليائها؛ نكاح باطل لا يصح، وهو كما قال أبو هريرة: «فإن الزانية هي التي تزوج نفسها».

(3) اختلف العلماء في تحديد الأولياء: قال الحافظ رحمه الله: (فقال الجمهور، ومنهم مالك والثوري والليث والشافعي وغيرهم: الأولياء في النكاح هم العَصَبة، وليس للخال، ولا والد الأم، ولا الإخوة من الأم ونحو هؤلاء؛ ولايةٌ. وعند الحنفية: هم من الأولياء)[10]. وهذا الأخير هو الذي عوَّل عليه صديق حسن خان في (الروضة الندية)؛ قال رحمه الله: (الذي ينبغي التعويل عليه عندي هو أن يقال: إن الأولياء هم قرابة المرأة الأدنى الذين يلحقهم الغضاضة إذا تزوَّجت بغير كفء، وكان المزوج لها غيرهم، وهذا المعنى لا يختص بالعصبات، بل قد يوجد في ذوي السهام كالأخ لأم، وذوي الأرحام كابن البنت، وربما كانت الغضاضة معهما أشد منها مع بني الأعمام ونحوهم، فلا وجه لتخصـيص ولاية النكاح بالعصبات، كما أنه لا وجه لتخصـيصها بمن يرث، ومن زعم ذلك فعليه الدليل أو النقل بأن معنى الولي في النكاح شـرعًا أو لغة هو هذا)[11].

وعلى هذا فأقول: يقدم من الأولياء ما ذهب إليه الجمهور من العصبات، فإن لم يكن منهم أحد انتقلت الولاية لغيرهم من ذوي الأرحام، ولا غضاضة في ذلك، والله أعلم.

(4) يشترط في الولي أن يكون من أهل التكليف؛ بأن يكون بالغًا عاقلًا مسلمًا، ولكن هل تشترط عدالته؟ الجواب: ذهب بعض أهل العلم إلى اشتراط عدالته الظاهرة، وقال بعضهم: ليست بشـرط ولكن يشترط الأمانة. قال ابن عثيمين رحمه الله: (والصواب في هذه المسألة أنه لا بد أن يكون الولي مؤتمنًا على مَوْلِيَّته)[12].

وأما الكافر فلا يكون له ولاية على مسلمة؛ قال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، وقد زوج ابنُ سعيد بن العاص أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان، وأبو سفيان -وهو أبوها- حي، لكنه كان مشـركًا وقتها، فلم يكن له عليها ولاية. قال ابن المنذر رحمه الله: (وأجمعوا أن الكافر لا يكون وليًّا لابنته المسلمة)[13].

(5) رتب العلماء الولاية على النحو الآتي: الأب، ثم الجد لأب وإن علا، ثم الابن، ثم أبناء الابن وإن نزلوا، ثم الإخوة لأبوين، ثم الإخوة لأب، ثم أبناء الإخوة، ثم الأعمام لأبوين، ثم الأعمام لأب، ثم أبناء الأعمام... إلخ[14]، وهناك خلاف في تقديم بعض هؤلاء.

(6) فإن لم يوجد أولياء، فالسلطان ولي من لا ولي له، وعلى هذا فيكون وليها (مأذون الأنكحة)؛ لأنه وكيل عن السلطان في هذا الأمر، والله أعلم[15]، وترى اللجنة الدائمة أن وليها في هذه الحالة: القاضـي الشـرعي.

(7) اعلم أن زوج الأم لا يكون وليًّا لابنتها مع أنها ربيبته في حجره؛ لأنه ليس من أوليائها، لكن إن وكله الولي صحت الوكالة، وصح العقد.

(8) يحدث في بعض العائلات أن يكون فيهم (كبير العائلة)، وقد لا يستحق الولاية شـرعًا لبعض بنات العائلة؛ لأنه ليس من عصباتها، وهم يحبون أن يتولى هو العقد بنفسه لمكانته بينهم، فلا مانع من أن يوكله الولي بذلك ليتولى هو عقد النكاح، كما أن لمأذون الأنكحة أن يوكل من يتولى عقد النكاح، إذا كانت المرأة لا وليَّ لها.

(9) إذا غاب الولي الأقرب ولا يمكن الرجوع إليه، انتقلت الولاية إلى من بعده، فإن لم يكن فالسلطان ولي من لا ولي له.

قلت: ويجب أن يراعى أننا في هذا الزمان يمكننا إعلام الولي الغائب عن طريق الهاتف، بل يمكن أن يتم العقد الشـرعي منه خلال هذه الأجهزة إذا تيقنا أنه هو الولي حقيقة، والأولى أن يوكل غيره إذا تعذر حضوره، أو كان غيابه سـيستمر مدة تطول أو نحو ذلك، فالأمر يحتاج إلى نظر ومشورة.

(10) إذا أوصـى الولي بأن يتولى عقد النكاح (فلان) بعد موته، هل تنفذ وصـيته؟ الجواب: لا تنفذ؛ لأن الولاية تسقط بالموت، إلا أن يأذن الأولياء الأحياء لهذا الوصـي؛ فإنهم أصحاب الحق، فيوكلوه لذلك.

(11) هل يصح أن يتولى إنسان واحد طرفي العقد؟

الجواب: نعم، وله صور:

الأولى: أن يكون هو أحد طرفي العقد بالأصالة عن نفسه، وبالولاية عن الزوجة. مثاله: أن يكون هو ابن عمها، وليس لها ولي أقرب منه، فيقول أمام الشهود: أشهدكم أني تزوجتها، أو أشهدكم أني زوجت نفسـي ابنة عمي فلانة، ونظير ذلك ما ثبت أن النبي ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها.

الثانية: أن يكون وكيلًا عن الزوج، وعن ولي الزوجة، فيوكله الزوج أن يزوجه، ويوكله ولي الزوجة أن يزوجها، فيقول أمام الشهود: زوجت ابنة موكلي فلان: (فلانة) إلى موكلي فلان.

مسألة: حكم عضل الولي:

معنى العضل: منع المرأة من تزويجها بكفئها إذا طلبت ذلك، ورغب كل واحد منهما في صاحبه.

قال ابن قدامة رحمه الله: (فإن رغبت في كفء بعينه وأراد تزويجها لغيره من أكفائها وامتنع من تزويجها من الذي أرادته؛ كان عاضلًا لها، فأما إن طلبت التزويج بغير كفئها فله منعها من ذلك، ولا يكون عاضلًا لها بهذا؛ لأنها إن زوجت من غير كفئها كان له فسخ النكاح، فلأن تمنع منه ابتداءً أولى)[16]، وستأتي مسائل الكفاءة إن شاء الله[17].

وقال ابن تيمية: (وإذا رضـيت رجلًا، وكان كفؤًا لها، وجب على وليها -كالأخ أو العم- أن يزوجها به، فإن عضلها أو امتنع عن تزويجها، زوجها الولي الأبعد منه أو الحاكم بغير إذنه باتفاق العلماء، فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه، ولا يعضلها عن نكاح من ترضاه إذا كان كفؤًا باتفاق الأئمة)[18].

قلت: الأولى أن يراعى ترتيب الأولياء، فلا يزوجها السلطان إلا إذا عضلها جميع الأولياء؛ وذلك للحديث: «السلطان ولي من لا ولي له»[19].

الشـرط الرابع: الشهود:

ورد في الحديث: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل»[20]، وهذا الحديث صحَّحه الشـيخ الألباني، وضعَّفه بعض أهل العلم، وقد عمل به أكثر أهل العلم؛ فمنهم من يرى أنه لا بد من الإشهاد، ومنهم من يكتفي بالإعلان؛ لقوله ﷺ: «أعلنوا هذا النكاح»، وأكتفي هنا ببعض النقول:

قال الترمذي رحمه الله: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين وغيرهم؛ قالوا: لا نكاح إلا بشهود، لم يختلفوا في ذلك من مضـى منهم، إلا قومًا من المتأخرين من أهل العلم...)[21].

وقال ابن حزم رحمه الله: (ولا يتم النكاح إلا بـإشهاد عدلين فصاعدًا، أو بـإعلان عام، فإن استكتم الشاهدان لم يضـر ذلك شـيئًا)[22]. ومعنى (استُكتِم) أي: طُلِب منهما أن يكتما الأمر؛ لأن هذا لا يكون نكاح سـر، وقد حضـره خمسة: الولي، والزوج، والزوجة، والشاهدان.

وقال ابن تيمية رحمه الله كلامًا ملخصه: (أن الله لم يوجب الإشهاد، ولكنه أمر فيه بالإعلان، فأغنى إعلانه مع دوامه عن الإشهاد)، إلى أن قال: (ولهذا إذا كان النكاح في موضع لا يظهر فيه كان إعلانه بالإشهاد، فالإشهاد قد يجب في النكاح لأنه به يعلن ويظهر، لا لأن كل نكاح لا ينعقد إلا بشاهدين... وإذا اجتمع الإشهاد والإعلان فهذا الذي لا نزاع في صحته، وإن خلا عن الإشهاد والإعلان فهو باطل عند العامة)[23].

قلت: ومما تقدم يتبيَّن لي أننا في هذه الأعصار نحتاج إلى الإشهاد -خاصة وأن وثائق الزواج تنص على ذلك، وقد لا يتمكن الناس من الإعلان- على أن يكون العقد كامل الأركان والشـروط. والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة