حجم الخط:

محتوى الدرس (142)

ويتفرع على أحكام المهر ما يلي:

(1) يجوز أن يكون المهر نقدًا (مالًا)، ويجوز أن يكون عينًا (يعني: أثاثًا مثلًا، أو شـيئًا تمتلكه المرأة)، كما ثبت في حديث علي رضي الله عنه السابق؛ فإنه أعطاها «درعه»، وكذلك فإن ثابت بن قيس رضي الله عنه أصدق زوجته الحديقة.

(2) ويجوز كذلك أن يكون المهر (منفعة)؛ كما قال تعالى حكاية عن الرجل الصالح في قصة موسـى: ﴿ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص:27]؛ أي: يعمل عنده أجيرًا ثماني سنوات.

(3) ويجوز أن يكون المهر تعليمها شـيئًا من القرآن؛ لما ثبت في حديث الواهبة نفسها للنبي ﷺ: فقام رجل فقال: يا رسول الله أنكحنيها، قال: «هل عندك من شـيء» قال: لا، قال: «اذهب فاطلب ولو خاتمًا من حديد»، فذهب وطلب، ثم جاء فقال: ما وجدت شـيئًا، ولا خاتمًا من حديد، قال: «هل معك من القرآن شـيء؟» قال: معي سورة كذا وسورة كذا، قال: «اذهب فقد أنكحتكها بما معك من القرآن»[1]، وفي رواية عند مسلم «انطلق فقد زوجتكها، فعلمها من القرآن». وقد ألحق به أهل العلم أيضًا جواز أن يكون المهر تعليمها شـيئًا من الفقه والتوحيد ونحو ذلك. قال ابن قدامة رحمه الله: (ويجوز أن يصدقها تعليم صناعة ونحو ذلك)[2]. وفي (زاد المستقنع): (كل ما صح ثمنًا وأجرة صح مهرًا)[3].

لكن متى كان المهر محرمًا، أو مغصوبًا، أو مجهولًا؛ بطل الصداق ووجب مهر المثل.

(4) اعلم أنه من أعظم الذنوب أن يضـيع الرجل صداق امرأته؛ فقد ثبت في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أعظم الذنوب عند الله عز وجل، رجل تزوج امرأة، فلما قضـى حاجته منها طلَّقها، وذهب بمهرها، ورجل استعمل رجلًا فذهب بأجرته، وآخر يقتل دابة عبثًا»[4].

(5) اعلم أن الأفضل أن يعجل بدفع المهر إن كان عنده ما يعطيها حتى لا يشغل ذمته بهذا الدين. قال ابن تيمية رحمه الله: (والأولى تعجيل الصداق للمرأة قبل الدخول إذا أمكن، فإن قدم البعض وأخر البعض فهو جائز)[5].

قلت: ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:33]، فأرشدهم إلى الاستعفاف، وكان من الممكن الزواج مع تأجيل الصداق، وكذلك قوله ﷺ للرجل ولم يجد خاتمًا من حديد: «زوجتكها بما معك من القرآن»، ولم يكلفه تحمل دين الصداق إلى حين سعة.

(6) اعلم أن المهر المؤخر دين في ذمة الزوج، وعليه الوفاء به في أي وقت يجد فيه سعة لقضائه، فإن كانا قد اتفقا على زمن لدفعه، فوقت تسليمه ما اتفقا عليه، وإن كانا لم يتفقا على شـيء، فآخر وقته الفرقة بطلاق أو موت أو فسخ، وعلى ذلك؛ فإن مات ولم يوف به أخرج من تركته قبل الميراث، وإن ماتت هي قبله، فعليه أن يضم صداقها إلى تركتها، ويُقسم مع الميراث.

(7) الصداق حق كامل تمتلكه الزوجة، وتتصـرف فيه كيفما شاءت. قال ابن حزم رحمه الله: (ولا يحل لأبي البكر -صغيرة كانت أو كبيرة- أو الثيِّب، ولا لغيره من سائر القرابة أو غيرهم حكمٌ في شـيء من صداق الابنة أو القريبة، ولا لأحد ممن ذكرنا أن يهبه ولا شـيئًا منه، لا للزوج -طلق أو أمسك- ولا لغيره، فإن فعلوا شـيئًا من ذلك فهو مفسوخ باطل مردود أبدًا -يعني هذا التصـرف من هبة ونحوها- ولها أن تهب صداقها أو بعضه لمن شاءت، ولا اعتراض لأب ولا لزوج في ذلك، هذا إذا كانت بالغة عاقلة، وبقي لها بعده غنى، وإلا فلا)[6].

(8) لا تجبر المرأة أن تتجهز من صداقها بشـيء، ولا بغيره من المال، فالصداق كله لها، لا إذن للزوج فيه، ولا اعتراض[7]؛ قال تعالى: ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا [النساء:20]، فإن فعلت المرأة شـيئًا من ذلك دون إجبار من أحد فهو جائز؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء:4].

(9) إذا أعطاها مهرًا ملكته بمجرد العقد، فإن كان المهر عينًا له نماء -أي: ربح (كسـيارة أجرة مثلا، أو منزل يؤجر)- بشـرط التحديد لعين السـيارة أو المنزل إذا كان له أكثر من سـيارة أو منزل، فإن نماء هذا الشـيء يكون للزوجة؛ سواء قبضته أم لا. أما إذا لم يحدد؛ كأن يقول: (صداقك سـيارة من سـياراتي)، فليس لها نماء هذا الشـيء حتى يُعين ويُحدد.

(10) إن تلف هذا الشـيء المعين قبل أن تقبضه فمن ضمانها، ولا يضمنه الزوج إلا إذا كان مانعًا لها من قبضه ؛ قال ابن عثيمين رحمه الله: (وعليه أيضًا ضمان كسبه في هذه المدة)[8].

(11) إن قبضت المرأة الصداق، وكان قد بلغ النصاب، ومضـى عليه الحول؛ أخرجت زكاة المال على المهر إذا كان دخل بها، وأما إذا لم يدخل بها فاختلفوا؛ فقال بعضهم: عليها نصف الزكاة فقط؛ لأنه من الممكن أن تطلَّق فترد نصف الصداق له، ويرى البعض أن عليها الزكاة كلها؛ لأن العقد قد استقر، وهو الراجح.

(12) إذا نما المال الذي أصدقها، ثم طلَّقها قبل الدخول، فهل يأخذ نصف الصداق ونصف النماء؟ أو يأخذ نصف الصداق فقط؟ الصحيح أنه يأخذ نصف الصداق فقط.

(13) مما سبق يتبين أن للزوجة في صداقها حالاتٍ:

الحالة الأولى: لها المهر المسمَّى كاملًا:

(أ) إذا مات أحدهما؛ سواء دخل بها أم لم يدخل بها.

(ب) إذا طلَّقها بعد الدخول بها.

الحالة الثانية: يثبت لها مهر مثلها: إذا لم يكن سمى لها مهرًا، أو سمى لها مهرًا فاسدًا. وذلك أيضًا إذا طلقها بعد الدخول، أو إذا مات أحدهما.

الحالة الثالثة: يثبت لها نصف المهر: إذا طلقها قبل الدخول، وقد سمى لها مهرًا.

الحالة الرابعة: يثبت لها المتعة وجوبًا[9] إذا طلقها ولم يدخل بها، ولم يكن سمى لها مهرًا. قال القرطبي رحمه الله: (وأجمع أهل العلم على أن التي لم يفرض لها ولم يدخل بها لا شـيء لها غير المتعة)[10].

قلت: ويرى الحنفية أن متعتها نصف مهر مثلها لا غير، والراجح عدم التقدير؛ لقوله تعالى: ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ .

الحالة الخامسة: سقوط المهر: إذا كانت الفرقة بسبب الزوجة؛ كأن تطالب بالخلع، أو كأن ترتد عن الإسلام، ويسقط كذلك إذا أبرأت الزوج، أو وهبته له.

(14) إذا عقد عليها، ودخل بها، ثم تبيَّن فساد النكاح؛ كأن يتبين له أنها أخته من الرضاعة، فلها المهر بما استحل من فرجها، وعليه مفارقتها. وإذا تبين ذلك قبل الدخول؛ فعليه مفارقتها، ولا شـيء لها.

(15) اعلم أن تجهيز أثاث المنزل يقع على الزوج، ولا يجب على المرأة منه شـيء مهما كان مهرها؛ لأن الصداق حق خالص لها. لكن إن اشترت شـيئًا منه بمالها، أو اشتراه لها أبوها أو غيره، فهو حق خالص لها. هذا، وقد جرى العُرف الآن بمشاركة المرأة للزوج في تجهيز البيت، ويَعُدُّون ما يُقدِّمه الزوج من هذا الأثاث جزءًا من مقدم مهرها، ويكتبون ما يسمى (قائمة المنقولات) ملكًا للزوجة؛ لأن ذلك كله حقها، ولا بأس بهذه القائمة؛ لأن جميع ما كتب فيها ملك للزوجة، ولكن في النفس من هذا الترتيب شـيء؛ لأنه على غير ما كان عليه السلف، وقد ترتب على ذلك مفاسد.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة