ثانيًا: المحرمات تحريمًا مؤقتًا:
وذلك بأن تكون المرأة محرمة عليه لسبب ما، فإذا زال السبب أبيحت له، وذلك على النحو الآتي:
أ - الجمع بين الأختين:
قال تعالى في ذكره للمحرمات: ﴿ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ﴾ [النساء:23]، فلا يحل للرجل أن يجمع في زواجه بين امرأة وأختها، إلا إذا فارقها، وذلك بأن تموت زوجته، أو أن يطلقها، ففي هذه الحالة يجوز له أن يتزوج أختها، مع ملاحظة أنه في حال الطلاق لا يتزوج أختها إلا بعد انقضاء عدة زوجته المطلقة، بخلاف حال الوفاة، فإنه يجوز له أن يتزوج الأخرى مباشـرة، وليس هناك عدة للرجل كما يعتقد البعض. قال الحافظ رحمه الله: (والجمع بين الأختين في التزويج حرام بالإجماع؛ سواء كانتا شقيقتين، أم من أب، أم من أم، وسواء النسب أو الرضاع، واختلف فيما إذا كانتا بملك اليمين، فأجازه بعض السلف، وهو رواية عن أحمد، والجمهور وفقهاء الأمصار على المنع)[1]. وذكر ابن قدامة في (المغني) نحو كلام الحافظ ابن حجر، وزاد: (وسواء في ذلك ما قبل الدخول أو بعده؛ لعموم الآية)[2].
ب - الجمع بين البنت وعمتها أو خالتها:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يُجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها»[3].
قلت: ويقال فيهما ما يقال في الأختين؛ سواء كانتا من نسب، أو رضاع، أو ملك يمين.
وسواء كانت العمة حقيقية (وهي أخت الأب)، والخالة كذلك حقيقية (وهي أخت الأم)، أو كانت العمة مجازية وهي (أخت أبي الأب، وأخت أبي الجد وإن علا)، والخالة مجازية (وهي أخت أم الأم، وأخت أم الجدة وإن علت).
ويتفرع على من يحرم الجمع بينهن مسائل:
(1) يجوز الجمع بين بنتي العم، وبنتي الخال؛ ما لم يكن هناك مانع من الجمع بينهما؛ كأن يكونا أختين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ ﴾ [النساء:24].
(2) أورد العلماء قاعدة فقالوا: (كل امرأتين يحرم التناكح بينهما بنسب أو رضاع إن قدر أحدهما رجلًا، فإنه يحرم الجمع بينهما)، فالأختان لو قدر أحدهما ذكرًا فإنه لا يحل له أن يتزوجها؛ لأنه يكون أخًا لها، إذن يحرم الجمع بينهما. وهكذا.
(3) القاعدة السابقة مختصة بالرضاع والنسب، أما المصاهرة فلا تدخل فيها.
مثال ذلك: لو مات شخص عن زوجة وابنة من غير هذه الزوجة، ومعلوم أن هذه الابنة لو كانت ولدًا فإنه لا يجوز له أن يتزوج هذه الزوجة؛ لأنها زوجة أبيه بالمصاهرة، لكن لو أراد شخص بعد وفاة هذا الزوج أن يجمع بين هذه الأرملة (زوجة المتوفى)، وابنته من غيرها، فإنه يجوز ذلك.
(4) إذا جمع بين ما لا يجوز له الجمع بينهما، فإن كان العقد في وقت واحد فسد العقد عليهما، وإن سبق عقد أحدهما على الأخرى فهو الصحيح والآخر فاسد، وإن لم يعلم أيهما السابق فسخ العقد عليهما. وفي هذه الحالة الأخيرة يجب نصف المهر لإحداهما، لكن يقرع بينهما، فإن تراضـيا أن يقتسماه فلهما ذلك[4].
(5) اعلم أن المُحرَّمة تحريمًا مؤقتًا لا يكون الرجل مَحْرمًا لها؛ أعني أنه لا يجوز له الخلوة بها ولا رؤيتها، وهي أجنبية عنه[5]، بخلاف المُحرَّمة تحريمًا مؤبدًا بسبب مباح؛ فإنه يكون محرمًا لها، والسبب المباح: هو النسب أو الرضاع أو المصاهرة، وأما إذا كان بسبب الملاعنة فهي محرمة عليه تحريمًا مؤبدًا، ولكنه لا يكون محرمًا لها، بل هي أجنبية عنه أيضًا.
جـ - المحصنات من النساء:
والمقصود: زوجة الغير، فإنها محرمة ما دامت زوجة لغيره؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ [النساء:24]، ويستمر هذا التحريم طَوال عدتها؛ سواء كانت تعتد عن وفاة زوجها، أو عن طلاق، وسواء كان الطلاق رجعيًّا أم بائنًا بينونة صغرى أو بينونة كبرى، ولا يجوز الزواج منها إلا بعد انقضاء العدة[6].
وأما قوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ فإنهن السبايا، ولا شك أن فيهن زوجات للغير، لكنها تحل بعد استبراء رحمها؛ وذلك بعد أن تحيض حيضة واحدة؛ فعن أبي سعيد رضي الله عنه «أن رسول الله ﷺ بعث جيشًا إلى أوطاس، فلقي عدوًا فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا سبايا، وكأن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرَّجوا من غشـيانهن من أجل أزواجهن من المشـركين، فأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ [النساء:24]؛ أي: فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن»[7].
قلت: انقضاء عدتها يكون بوضع حملها إن كانت حاملًا، أو باستبراء رحمها؛ وذلك بحيضها حيضة واحدة إن لم تكن حاملًا. قال النووي رحمه الله: (والمراد بقوله: إذا انقضت عدتهن، أي: استبراؤهن؛ وهي بوضع الحمل عن الحامل، والحيضة من الحائل)[8]، والحائل: هي غير الحامل.
(1) الراجح من أقوال أهل العلم أنه لا يشترط إسلام الأمة لكي يباح وطؤها، لأن النبي ﷺ لم يشترط إلا وضع حملها أو استبراء رحمها؛ علمًا بأن سبايا أوطاس كن وثنيات[9].
(2) يلتحق بهذا الحكم ما إذا أسلمت المرأة وكانت تحت رجل كافر، فإن إسلامها يفرق بينها وبين زوجها المشـرك، ويجوز الزواج منها، وذلك بعد (وضع الحمل إن كانت حاملًا، أو الاستبراء بحيضة إن لم تكن حاملًا).
(3) وكذلك الحكم إذا اشترى أمة؛ فإنه لا يطؤها حتى يستبرئ رحمها بحيضة.
د - مطلقته ثلاثًا:
إذا طلق الرجل زوجته ثلاثًا؛ سواء دخل بها أم لم يدخل بها؛ فإنها محرمة عليه تحريمًا مؤقتًا، ولا يحل له أن ينكحها حتى تتزوج زوجًا آخر زواجًا صحيحًا، ويتم بينهما الدخول، ثم إن طلقها الثاني وانقضت عدتها، جاز للأول أن يتزوجها إن رغبا في ذلك[10].
وأما إذا تزوجها لمجرد التحليل فقط، فهذا لا يحلها لزوجها الأول؛ لأن هذا التحايل لا يحل الحرام، وقد ثبت في الحديث: «لعن الله المحلِّل والمحلَّل له»[11].
هـ - نكاح المشـركة:
فلا يتزوج المسلم المشـركة، ولا تتزوج المسلمة بمشـرك؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾ [البقرة:221]. فلا يحل للمسلم أن يتزوج مشـركة -أي من غير أهل الكتاب- حتى تسلم، ويدخل في ذلك الحكم: الوثنية، والزنديقة، والمرتدة عن الإسلام، والملحدة، والقاديانية، والبهائية، والدرزية، والعلوية.
وكذلك لا تزوج المسلمة لكافر؛ سواء كان من أهل الكتاب أو من غيرهم؛ قال تعالى: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ [الممتحنة:10].
ويتفرع على نكاح غير المسلمات ما يلي:
(1) إنما منعت المسلمة من التزوج بالكافر، ولو كان من أهل الكتاب، حتى لا يكون له عليها سلطان، ولأن القوامة حق الرجل، فربما فتنها عن دينها. وأيضًا فإنه لا يعترف بدين الإسلام؛ فيسـيء إليها، بخلاف العكس؛ فإن المسلم يعترف بدينها فيكون ذلك داعيًا إلى استمرار حسن المعاشـرة. والله أعلم.
(2) يزعم البعض أن نساء أهل الكتاب اللاتي يباح نكاحهن لسن نساء العرب؛ لأنهن يقلن بالتثليث أو ببنوة عيسـى وعزير لله، وهذا لا شك كفر، والذي عليه جمهور العلماء إباحة التزوج منهن مع هذا الاعتقاد؛ لأنه هو الذي كان عليه اليهود والنصارى يوم نزول القرآن ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ [المائدة:4]، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما[12] وعمر بن الخطاب رضي الله عنه[13]. قال ابن عثيمين رحمه الله: (فالحاصل أن الذي عليه جمهور أهل العلم أن من تديَّنت بدين أهل الكتاب وانتسبت إليهم؛ فإنه يحل نكاحها ولو كانت تقول بالتثليث)[14].
(3) ومع إباحة الزواج من أهل الكتاب -بشـرط أن تكون عفيفة- إلا أن الأفضل للمسلم أن لا يختار زوجة منهن؛ خشـية أن تفتنه عن دينه، أو تفتن أولاده، وقد يكون ذلك ذريعة إلى موالاة أهلها، وقد نهينا عن موالاتهم، وليكن الزواج منهن في حالات خاصة؛ كأن يكون في مكان لا يجد فيه مسلمات مثلا.
قلت: ومما يدل على كراهة التزويج منهن ما ثبت أن حذيفة تزوج يهودية فكتب إليه عمر: طلقها، فكتب إليه لم؟ أحرام هي؟ فكتب إليه، لا، ولكني خفت أن تعاطوا المومسات منهن[15].
وتزداد هذه الكراهة إذا كانت حربية، بل ذهب بعض العلماء إلى حرمة الزواج منها؛ لأنه يكثر سواد أهل الحرب، وقد سئل ابن عباس عن ذلك فقال: «لا تحل»، وتلا قول الله تعالى: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [التوبة:29].
و - الزيادة على الأربع:
قال تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ [النساء:3]. لذلك يحرم على الرجل أن يجمع في عصمته أكثر من أربع زوجات في وقت واحد، وإن طلق إحداهن جاز له أن يستبدل بها غيرها بشـرط أن تنتهي عدتها، وأما لو ماتت فإنه يجوز أن يتزوج غيرها، وليس هناك عدة ينتظرها كما يظن بعض العامة.
(1) إذا أسلم الرجل، وكان عنده أكثر من أربع زوجات؛ فإنه يمسك أربعًا ويفارق الباقي، ولا يشترط أن يفارق الأخريات أو الأوليات، بل يفارق من شاء منهن؛ شـريطة ألا يزيد ما تحته عن أربع نسوة.
(2) خص الله رسوله ﷺ بجواز جمع أكثر من أربع، وبجواز أن تهب له المرأة نفسها؛ قال تعالى: ﴿ خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأحزاب:50].
(3) ذهبت الشـيعة وبعض أهل الظاهر إلى جواز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع، وبعضهم يزيد إلى ثمانية عشـر، وقد استدلوا على ذلك بأن (الواو) في الآية جامعة؛ فقوله: ﴿ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾ يكون المجموع تسعة، وهذا جهل باللغة العربية؛ لأنه لو كان كذلك لما كان في هذا التطويل معنى، ولقال الله (تسعة) بدلًا من هذا التطويل الذي يتنافى مع الإيجاز والإعجاز، فإن هذه الآية شبيهة بقوله تعالى في وصف الملائكة: ﴿ أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾ يعني منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ولم يقل أحد إن معنى الآية أن لكل ملك تسعة أجنحة.
ومما يؤيد ذلك ما ورد في السنة ممن أسلم وكان عنده أكثر من أربع فأمره الرسول ﷺ أن يمسك أربعًا ويفارق الباقي[16].