حجم الخط:

محتوى الدرس (145)

ز - عقد المحرم:

من كان محرمًا بحج أو عمرة فإنه يحرم عليه عقد النكاح؛ سواء كان لنفسه أو لغيره، وسواء كان ذلك بولاية أو بوكالة، والعقد يقع باطلًا؛ لقوله ﷺ: «لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب»[1].

ويتفرع على نكاح المحرم ما يلي:

(1) إذا تم عقد النكاح في حال إحرام أحد الزوجين، أو الولي، فالعقد فاسد، ولا يحتاج إلى فسخه بطلاق؛ لأنه لم ينعقد أصلا، ولا يصح هذا الزواج.

(2) إذا عقد المحرم النكاح، وهو لا يدري أنه حرام فلا إثم عليه، ولكن العقد لا يصح.

(3) لو دخل بمعقودته فولدت أولادًا: لا بد حينئذ من تجديد العقد، والأولاد شـرعيون ينسبون له؛ لأن الوطء الأول كان وطأً بشبهة.

ح - زواج الزانية:

يحرم على الرجل أن يتزوج زانية حتى تتوب، ويحرم على المرأة أن تتزوج زانيًا حتى يتوب. قال تعالى: ﴿ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [النور:3]، وسبب نزول هذه الآية ما ثبت في الحديث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد، وكان رجلًا يحمل الأسـرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، قال: وكانت امرأةٌ بغيٌّ بمكة يقال لها: عناق، وكانت صديقة له، وإنه كان وعد رجلًا من أسارى مكة بحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق، فأبصـرت سوادَ ظِلٍّ بجنب الحائط، قال: فلما انتهت إليَّ عرفته فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد، فقالت: مرحبًا وأهلا، هلم فبت عندنا الليلة، قال: قلت: يا عناق حرم الله الزنا، قالت: يا أهل الخيام، هذا الرجل يحمل أسـراكم، قال: فتبعني ثمانية، وسلكت الخندمة[2]، فانتهيت إلى كهف أو غار، فدخلت، فجاءوا حتى قاموا على رأسـي فبالوا، فظل بولهم على رأسـي، وأعماهم الله عني، قال: ثم رجعوا، ورجعت إلى صاحبي فحملته، وكان رجلًا ثقيلًا حتى انتهيت إلى الإذخر، ففككت عنه أَكْبُله، فجعلت أحمله ويُعْيِيني حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أنكح عناقًا؟ فأمسك رسول الله ﷺ فلم يرد عليَّ شـيئًا، حتى نزلت: ﴿ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3]، فقال رسول الله ﷺ: «يا مرثد، الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشـركة، والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشـرك، فلا تنكحها»[3].

ويتفرع على نكاح الزانية ما يلي:

(1) إذا تابت الزانية توبة خالصة، فإنه يباح نكاحها، وكذلك إذا تاب الزاني جاز للعفيفة أن تنكحه.

(2) تعرف توبتهما بالصلاح، وحسن السـيرة، وأما ما ذكره بعضهم من أن تُراوَدَ على الزنا ليعرف صدق توبتها، فهو كلام باطل منافٍ لأصول الشـريعة، وقد تكون صدقت في توبتها ولكنها إذا رُووِدت فتنها الشـيطان.

(3) اختلف العلماء هل يجب أن تعتد من الزنا إذا أراد أحد أن يتزوجها بعد توبتها، والراجح أنه لا عدة عليها؛ لأن العدة إنما تجب في النكاح لحق الزوج، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا [الأحزاب:49]، فدل ذلك على أن العدة حق الزوج؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ . قال ابن عثيمين رحمه الله: (لكن يجب الاستبراء خوفًا من أن يكون الرحم قد انشغل بولد، فيجب الاستبراء، ويكون بحيضة واحدة، وهذا هو الصحيح)[4].

(4) هذا الحكم عام فيمن زنى بها وفي غيره، فيجوز للزاني أن يتزوجها إذا تابا جميعًا بعد استبراء رحمها أو وضع حملها إن كان ثَمَّ حمل، ولا ينسب الولد له، إنما ينسب لأمه فقط، وأما ما يدَّعيه البعض من إلزامه بالزواج تصحيحًا لخطئه -كما يزعمون- ولا يبالون باختلاط مائه في حال الزنا به في حال الزواج؛ فهو بعيد عن أحكام الشـرع، والولد الذي انعقد بماء الزنى لا ينسب إليه حتى لو تزوجها الزاني.

(5) إذا زنت المرأة المزوجة؛ فهل ينفسخ النكاح بمجرد زناها؟

الجواب: لا يفسخ النكاح على الراجح، لكن هل يمسكها أو يطلقها؟ استحب الإمام أحمد مفارقتها؛ قال: فتلك لا تؤمن أن تفسد فراشه، وتلحق به ولدًا ليس له[5]. هذا من باب الاستحباب، وأما من حيث جواز بقاء النكاح فقد قال الشوكاني رحمه الله: (فيجوز للرجل أن يستمر على نكاح من زنت وهي تحته، ويحرم عليه أن يتزوج بالزانية)[6]، أي أنه فرق بين حال الابتداء، وبين حال الاستمرار بمن هي تحته أصلًا. والأولى مفارقتها كما ذهب الإمام أحمد.

ط- نكـاح الأَمَـة:

يجوز للرجل الحر أن يتزوج الأمة بشـروط:

(أ) أن تكون الأمة التي سـيتزوجها مسلمة؛ فلا يصح أن تكون كتابية، لكنه يمكن أن يمتلك الكتابية بملك اليمين ويطأها، أما أن يعقد عليها ويتزوجها فلا يجوز إلا للأمة المسلمة.

(ب) أن يخاف على نفسه العزوبة، أي: أن زواجه من الأمة يباح لرفع الضـرر والفتنة عنه.

(جـ) أن يعجز عن مهر الحرة، أو ثمن شراء أمة.

ودليل ما تقدم قوله تبارك وتعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ ۚ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ۚ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ۚ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ [النساء:25].

ويتفرع على نكاح الأمة ما يلي:

(1) لا يحل للعبد أن ينكح سـيدته حتى تعتقه، وهذا إجماع.

(2) لا يحل للسـيد أن ينكح أمته -أي لا يعقد عليها- حتى يعتقها، وله أن يجعل عتقها صداقها.

(3) يجوز للحرة نكاح عبد ولدها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ [النساء:24].

(4) كل من حرم وطؤها بعقد فإنه يحرم وطؤها بملك اليمين، إلا الكافرة؛ فإن الحر لا يعقد عليها، لكنه يملكها بملك اليمين، ويجوز أن تكون الأمة مشـركة، بخلاف النكاح؛ فإنه لا يجوز منهن.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة