حجم الخط:

محتوى الدرس (147)

ثالثًا: الشـروط الفاسدة المفسدة:

من أمثلة ذلك:

(1) إذا اشترط عدم المهر:

الذي رجَّحه شـيخ الإسلام ابن تيمية أنه يبطل العقد، وهذا بخلاف ما إذا لم يسم المهر، ففرق بين الاشتراط والتسمية. وقد سبقت المسألة.

(2) نكاح الشغار:

وهو أن يزوج مَوْلِيَّته على أن يزوجه الآخر مَوْلِيَّته ولا مهر بينهما. وقد ثبت في الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه «أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار»[1].

وهذا النكاح من نكاح الجاهلية؛ وهو أن يزوج الرجل ابنته مثلا أو أخته، على أن يزوجه الثاني ابنته أو أخته، فهذا شـرط فاسد وعقد فاسد، أمَّا إن سُمِّي لكل واحدة مهرها، وكان عن رضًا ورغبة من الزوجة، وكان كفؤًا لها؛ فالنكاح صحيح.

قلت: ويرى البعض عدم صحة هذا النكاح ولو سَمُّوا صداقًا؛ لما ثبت أن العباس بن عبد الله ابن العباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صداقًا، فكتب معاوية إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، قال في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله [2].

(3) الزواج بشـرط التحليل:

فهذا شـرط فاسد وعقد فاسد؛ وهو أن يتزوجها ليحلها لمطلقها، وذلك بأن يجامعها ثم يطلقها لكي يراجعها زوجها الأول، وقد ثبت في الحديث: «لعن الله المحلل والمحلل له»[3]، وقد سماه النبي ﷺ: «التيس المستعار»[4]. وعلى هذا؛ لو تزوَّجها المحلل فهل تحل لزوجها الأول؟

الجواب: لا تحل، وسواء في ذلك ما إذا اتفقا على ذلك، أو نواه الزوج (المحلل) دون الزوجة، وأما لو نوته الزوجة دون الزوج ففيه خلاف، والراجح أيضًا أنه لا يحل. ومما يدل على ذلك أيضًا ما ورد عن نافع أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنهما، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثًا، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة عنه ليحلها لأخيه، هل تحل للأول؟ قال: لا، إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحًا على عهد رسول الله [5]. وعن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال: «لا أوتى بمحلل ولا بمحللة إلا رجمتهما»[6].

(4) نكاح المتعة:

ومعناه أن يتزوج الرجل المرأة إلى أجل -يوم أو يومين أو شهر أو سنة أو أكثر أو أقل- في مقابل شـيء يعطيه لها من مال أو طعام أو ثياب، فإذا انقضـى الأجل تفرَّقا من غير طلاق، ولا ميراث بينهما. والذي استقر عليه الأمر تحريم زواج المتعة، وكانت المتعة قد أبيحت أولًا، ثم حُرِّمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم أوطاس، وانتهى الأمر إلى التحريم.

ملاحظات:

(1) ما ورد عن بعض الصحابة من جواز المتعة يُحمل على عدم علمهم بالنهي، وانتهى الأمر إلى حرمتها.

(2) إذا تزوج شخص زواج متعة وجب التفريق بينهما.

حكم نية الزوج المدة دون اشتراط:

لو نوى الزواج لمدة بدون شـرط -كأن ينوي أن يتزوجها لمدة شهر مثلًا، أو مدة إقامته في هذا البلد- فما الحكم؟ اختلف العلماء في حكمه على قولين:

(أ) القول الأول: حرمة ذلك؛ لأنه شبيه بالمتعة، كمن نوى التحليل وإن لم يشترطه.

(ب) القول الثاني: صحة النكاح؛ لأنه لا ينطبق عليه (نكاح المتعة)؛ لأنه قد يمسك المرأة، بخلاف نكاح المتعة فإنه ينفسخ بمجرد انتهاء الأجل. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (والذي يظهر لي أنه ليس من نكاح المتعة، لكنه محرم من جهة أخرى، وهي خيانة الزوجة ووليها، لأن هذا يُعد من الخيانة؛ لأن الزوجة ووليها إذا علما بذلك لم يوافقا على الزواج أصلًا، ولو شـرطه عليهم صار نكاح متعة، فنقول: إنه محرم من أجل ما فيه من الخيانة، لا من أجل كونه نكاح متعة)[7]. وبناءً على ذلك قال الشـيخ: (وعلى القول الثاني الذي نختاره؛ أن النكاح صحيح، لكنه آثم بذلك من أجل الغش).

كيف كان نكاح الجاهلية؟

عن عروة عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي ﷺ أخبرته أن النكاح في الجاهلية كان على أربع أنحاء: فنكاح منها كنكاح الناس اليوم؛ يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته، فيصدقها، ثم ينكحها. ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها، ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح (نكاح الاستبضاع). ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشـرة فيدخلون على المرأة كلهم يصـيبها، فإذا حملت ووضعت ومر ليالٍ بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، ولقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به الرجل. والنكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها، وهن البغايا؛ كن ينصبن على أبوابهن رايات، تكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها، جمعوا لها ودَعَوا لها القافةَ، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به ودُعي ابنَه، لا يمتنع من ذلك. فلما بعث النبي محمد ﷺ بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم»[8]. قوله: (فاستبضعي) أي: اطلبي الجماع. (القافة): جمع (قائف). و(القائف): هو الذي يتتبع الآثار ويعرف النسب من الشَّبَه. (فالتاط) أي: التحق.

قلت: ومن أنكحة الجاهلية أيضًا: نكاح الشغار، وقد تقدم تعريفه وبيانه[9].

العيوب في النكاح

خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بالعيوب في النكاح:

جدول 76 العيوب في النكاح

[تمهيد]

شـرع الله الزواج على أسس المودة والرحمة ودوام العشـرة، وقد أطلقت الأحكام الشـرعية حرية الاختيار بناء على هذه الأسس، لكن إن ثبت أن بأحد الزوجين عيبًا ينفر الآخر منه، ولا يحقق مقصود النكاح، فقد وردت الآثار بالأحكام المتعلقة بهذا:

فعن عمر رضي الله عنه أنه قال: «أيما امرأة غُرَّ بها رجل، أو بها برص، فلها المهر بما أصاب منها، وصداق الرجل على من غَرَّه»[10]. وعن علي رضي الله عنه قال: «أيما امرأة نكحت وبها برص، أو جنون، أو جذام، أو قَرَن، فزوجها بالخيار -ما لم يمسها- إن شاء أمسك، وإن شاء طلق، وإن مسَّها فلها المهر بما استحل من فرجها»[11].

وقد اختلف العلماء في فسخ النكاح بالعيب على أقوال:

الأول: قالوا: لا يفسخ النكاح بعيب البتة، وهو قول الظاهرية.

الثاني: يفسخ بعيوب معينة، واختلفوا في تحديد هذه العيوب:

(أ) فعند الحنفية يفسخ بالجَبِّ والعُنَّة فقط.

(ب) وقال الشافعي ومالك: يفسخ بالجنون والبرص والقَرَن والجَبِّ، والعُنَّة[12].

(جـ) وعند أحمد زيادة على ما سبق: الرَّتَق، والعَفَل، والفَتَق، واستطلاق البول، والباسور، والناصور، والخصاء والسَّل، وكون أحدهما خنثى.

الثالث: كل عيب ينفر أحد الزوجين منه ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة فإنه يوجب الخيار، وهذا ما رجَّحه ابن القيم[13]، وأشار إليه ابن تيمية، واختاره ابن عثيمين[14]. قال ابن القيم (ومن تأمل فتاوى الصحابة والسلف علم أنهم لم يخصوا الرد بعيب دون عيب)[15].

ملاحظات:

(1) من العيوب التي ذكرها العلماء مما يختص بالرجل:

الجب، والعُنَّة: ومعنى (المجبوب): المقطوع الذكر، و(العنِّين): هو من به (عُنة): وهي أن يحبس عن الجماع، أي: لا يتمكن من جماع زوجته، وقد يكون ذلك طبيعيًّا، وقد يكون حادثًا. قال ابن عثيمين رحمه الله: (أما ضعف الرجل في الجماع فليس بعنة، حتى لو كان لا يجامع إلا في الشهر مرة واحدة؛ لأنه ثبت أنه يجامع)[16]. ومن العيوب التي ذكرها العلماء أيضًا: (الخصـي) وهو مقطوع الخصـيتين، و(السَّل): بفتح السـين، وهو أن يكون مسلول الخصـيتين.

(2) ومن العيوب التي تختص بالمرأة:

(الرَّتَق) خاص بالمرأة، وهو أن تكون مسدودة الفرج لا يسلكه الذكر، و(القَرَن) أن يكون هناك لحم زائد ينبت في الفرج فيسده، و(العَفَل): ورم اللحمة التي بين مسلكي المرأة فيضـيق منها فرجها، و(الفَتَق): انحراف ما بين سبيليها (البول والمني).

(3) من العيوب المشتركة:

الجنون والبرص والجذام، و(الجنون): فقدان العقل، و(البرص): بياض بالجلد يقبح صورته، و(الجذام): قروح تصـيب البدن وتتكاثر حتى يموت.

قلت: ويدخل في ذلك (الإيدز)، و(الجرب)، و(السـرطان)، وغير ذلك مما هو مثل ما ذكر أو أشد. ومن أحكام العيوب أيضًا ما يلي:

(4) إذا غرَّهم أنه ذو نسب معين، أو أنه على عمل رفيع، فظهر أن عمله دنيء، فلها الفسخ.

(5) إذا كانت هناك عيوب خفية فلا بد أن تذكر للطرف الآخر، ولا يقال إنه لم يشترط السلامة من تلك العيوب؛ لأن هذا من المتعارف عليه، والمعروف عرفًا كالمشـروط شـرطًا.

(6) ثبت عن عمر وعثمان وابن مسعود والمغيرة رضي الله عنهم أن العنِّين يؤجل سنة، وبعضهم يقول: عشـرة أشهر؛ فإن جامع خلال هذه السنة ولو مرة، فليس بعنين، وإن لم يجامع فلها الفسخ. قال ابن عثيمين رحمه الله: (وهل هذا حكم تشـريعي أم قضائي؟)، ثم بين رحمه الله أنه: (لو كان تشـريعيًّا فلا بد من العمل به، وإن كان قضائيًّا فإن نظر القاضـي يختلف من حين لآخر، وعليه فلا بأس من الاستعانة بمجال الطب في فحصه ومعرفة ما إذا كان عنِّينًا، أم أنه يمكنه أن تعود إليه قوة الجماع).

قلت: والذي يترجح أن ذلك حكمٌ قضائيٌّ، ولا بأس بالاستعانة بالأطباء ذوي الخبرة، على تحديد هذا الموقف، خاصة وأن المرأة قد تتسبَّب بسوء عشـرتها في تعكير الحالة النفسـية؛ بحيث إنه لا يتمكن من غشـيانها، وقد تنكر أنه وطئها.

(7) إذا كانت العُنة طارئة يرجع إلى الأطباء؛ فإن ثبت أنه لن يقدر على الجماع مطلقًا كان لها الفسخ، وأما إن كانت تزول بالعلاج، فقد ذهب الشـيخ ابن عثيمين إلى أننا لا نمكِّنها من الفسخ.

(8) إن رضـي أحد الطرفين بالعيب، سقط حقه في الفسخ.

(9) العيوب التي يمكن علاجها وإزالتها -خاصة مع التقدم الطبي- كالرتق، والقرن، والفتق، والباسور، والناصور، ونحو ذلك: لا يثبت بها الفسخ؛ بشـرط ألا يطول العلاج بحيث يفوت مصلحة النكاح.

(10) فسخ النكاح يكون بين الطرفين عند التراضـي، وأما إذا تنازعا فمردُّه إلى الحاكم (القضاء)، وهذا ما قاله ابن تيمية رحمه الله.

(11) إن كان الفسخ قبل الدخول، فلا مهر لها إن كان العيب فيها، ولها نصف المهر -على الصحيح- إن كان العيب فيه[17]. وأما إن كان بعد الدخول، فإن المهر يجب لها كاملًا؛ سواء كان العيب فيها أو فيه، فإن كان العيب فيها رجع بالمهر على من غرَّه، وهو الولي إن كان عالمًا، أو الزوجة إن كان الولي جاهلًا، وأما إن كانت الزوجة جاهلة؛ كأن يكون بها برص في ظهرها مثلًا، فالأمر يحتاج إلى نظر.

(12) إذا رضـيت المرأة بمن به عيب، فهل تمنع من زواجه؟ الجواب: لا يمنع الرجل ولا المرأة من الإقدام على زواج من به عيب، إلا في الجنون والجذام (أعني وأشباههما). ويترجح منعها ممن هو مدمن شـرب الخمر وغيره ممن يرتكب الكبائر.

(13) يحق لكل من الطرفين الفسخ لو كان في الطرف الآخر عيبٌ، سواء كان نفس العيب الذي عند الآخر أو عيبًا غيره.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة