حجم الخط:

محتوى الدرس (149)

أحكام الرضاع

خريطة ذهنية لأحكام الرضاع

جدول 78 من أحكام الرضاع

[تمهيد]

سبق أن ذكرنا أن من المحرمات: المحرمات بسبب الرضاع، ويحتاج المقام إلى تجلية الأمر في أحكام الرضاع، لذا أفردته بالذكر.

1- المحرمات بسبب الرضاع:

ثبت في الحديث من قوله ﷺ: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»[1]، وعلى هذا فالمحرمات من الرضاع سبعة أجناس من النساء:

(أ) الأم من الرضاعة، وإن علت؛ فيشمل ذلك أمها وجداتها.

(ب) البنت من الرضاع، وإن نزلت؛ فيشمل ذلك بنت الابن، وبنت البنت.

(جـ) الأخت من الرضاع مطلقًا.

(د) بنت الأخت من الرضاع، وإن نزلت.

(هـ) بنت الأخ من الرضاع، وإن نزلت.

(و) العمة -وهي أخت زوج المرضعة- وإن علت.

(ز) الخالة -وهي أخت المرضعة- وإن علت.

2- شروط التحريم بالرضاع:

أ - نوع الإرضاع:

أن يكون اللبن من ثدي آدمية؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ﴾ ، وعلى هذا فلو رضعوا من بهيمة لا يكونون إخوة من الرضاع، ولو فرض أن لبنا ثار من رجل فرضعوا منه، فإن لا يثبت له حكم الرضاع.


ب - عدد الرضعات:

أن تكون خمس رضعات فأكثر على الأرجح من أقوال أهل العلم؛ لما ثبت في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان فيما أنزل من القرآن: عشـر رضعات معلومات يُحرِّمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن»[2].

تنبيه:

اختلف العلماء في عدد الرضعات التي يحرم بها النكاح: فذهب فريق إلى أن الرضعة الواحدة يثبت بها حكم الرضاع؛ لعموم الآية ﴿ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ﴾ [النساء:23]، ولعموم قوله ﷺ: «إنما الرضاعة من المجاعة»[3]، ولقوله ﷺ لزوجة أبي حذيفة: «أرضعيه تحرمي عليه»[4] -يعني سالم مولى أبي حذيفة- ولم يقل لها خمس رضعات.

وذهب فريق آخر إلى أن الحكم يثبت بثلاث رضعات؛ لقوله ﷺ: «لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان، ولا المصة ولا المصتان»[5]، ومفهومه أن ما زاد عن اثنين فهو المحرم.

والراجح -كما ذكرت- أن التحريم لا يثبت إلا بخمس رضعات، فأما أصحاب القول الأول فقد استدلوا بعمومات، وهي تُخَصَّص بالأحاديث السابقة، ومنها حديث: (خمس رضعات).

وأما أصحاب القول الثاني، فقد استدلوا بمفهوم الحديث، ولا شك أن دلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم، وحديث عائشة منطوق؛ فيُقَدَّم على الحديث الذي استدلوا به، والله أعلم.

ج - زمن الرضاع:

ذهب جمهور العلماء إلى أن الرضاعة التي يثبت بها التحريم ما كان في زمن الإرضاع؛ وهو دون الحولين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ [البقرة:233].

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها رجل، فكأنه تغيَّر وجهه، كأنه كره ذلك، فقالت: إنه أخي، فقال: «انظرن مَنْ إخوانكم؛ فإنما الرضاعة من المجاعة»[6].

وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفِطام»[7].

وقد اختلف العلماء في المعتبر أهو الحولان أم الفطام؟

فلو اعتبرنا الحولين، فإنه لو فطم قبلهما، ثم ارتضع فيهما، ثبت التحريم بهذا الرضاع أيضًا، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي؛ لقوله: «إنما الرضاعة من المجاعة»، ولما ثبت عن ابن عباس موقوفًا: «لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين»[8].

ولو اعتبرنا الفطام، فإنه يثبت التحريم حتى لو استمر الإرضاع بعد الحولين؛ لأنه لم يفطم بعد، ودليل هذا القول قوله في الحديث السابق: «وكان قبل الفطام».

والذي يترجَّح من مجموع الأحاديث ما ذهب إليه الجمهور؛ وهو أن الرضاعة المحرمة ما كان في الحولين.

قلت: لكن يُقَيَّد هذا بما كان قبل الفطام، فإن كان الفطام في تمام الحولين فذاك، وإن كان الفطام قبل الحولين، ثم عاد للإرضاع؛ فإنه لا يثبت بهذا الإرضاع تحريم، وإن استمر الرضاع إلى ما بعد الحولين فمحل نظر، والذي يترجح -والله أعلم- أنه لا يثبت به تحريم، لأن الأحاديث قيدت ذلك بشـيئين: الأول: أن يكون في الحولين. الثاني: أن يكون قبل الفطام. فإذا تحقق أحد هذين الشـيئين فقد انتهى حكم الإرضاع المحرم، والله أعلم.

حكم إرضاع الكبير:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم (وهو حليفه)، فقال النبي ﷺ: «أرضعيه»، قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فتبسم رسول الله وقال: «قد علمت أنه رجل كبير»[9]، وفي رواية: «أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة».

وقد اختلف العلماء في حكم إرضاع الكبير هل يُحرِّم أو لا؟

فذهب جمهور أهل العلم إلى أن الإرضاع لا يُحرِّم إلا في حال الصغر، وذهب طائفة منهم إلى أن إرضاع الكبير يُحَرِّم أيضًا، عملًا بحديث سهلة، وإرضاعها لسالم مولى أبي حذيفة، وهذا ما أخذت به عائشة رضي الله عنها فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمر أختها أم كلثوم وبنات أخيها يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال، وكانت تحتج بحديث سهلة على باقي زوجات النبي ﷺ؛ لكنهن كن يرون ذلك خاصًّا بسالم[10].

والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء؛ للأدلة الآتية:

(أ) أن الرسول ﷺ قال: «إنما الرضاعة من المجاعة»، ولا شك أن ذلك لا يكون إلا في زمن الرضاعة، وهو خاص بالصبي الرضـيع، الذي إذا جاع كان طعامه الذي يشبعه هو اللبن، فالرضاعة هي التي تسد مجاعته.

(ب، ج) ومما يدل على ذلك قوله في الحديث الآخر: «لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان في الثدي قبل الفطام»، أي في زمن الثدي، ومعلوم أن زمن الثدي هو الصغر. وأما فعل عائشة فهو اجتهاد منها مأجورة عليه، ولكن يترجَّح عليه اجتهاد بقية أمهات المؤمنين.

تنبيه: ذهب ابن تيمية إلى أن حديث سهلة ليس بمنسوخ، ولا مخصوص، ولا عام في حق كل أحد، وإنما هو رخصة للحاجة لمن لا يُستغنى عن دخوله على المرأة ويشق احتجابها عنه؛ كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثَّر رضاعُه، وأما من عداه فلا يؤثر إلا رضاع الصغير، وقد ارتضـى هذا الرأي تلميذه ابن القيم[11]، ولكن للشـيخ ابن عثيمين تحفظات على هذا الرأي؛ فراجعه[12].

3 - لبن الفحل:

عن عائشة رضي الله عنها أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها -وهو عمها من الرضاعة- بعد أن نزل الحجاب، قالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله ﷺ أخبرته بالذي صنعت، فأمرني أن آذن له[13].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: سئل عن رجل كانت له امرأتان، فأرضعت إحداهما غلامًا، وأرضعت الأخرى جارية، فقيل له: هل يتزوج الغلام الجارية؟ فقال: «لا، اللقاح واحد»[14].

والمقصود بهذه الأحاديث أن زوج المرضعة يكون أبًا للرضـيع، وعلى هذا: فأخو زوجها هو: عم الرضـيع، وعلى هذا تنتشـر الحرمة من جهة زوج المرضعة، فيحرم على هذا الرضـيع الزواج من: عماته من الرضاعة (وهن أخوات أبيه من الرضاعة)، كما يحرم عليه أمه (أعني: أم زوج المرضعة)؛ لأنها جدة الرضـيع، كما يحرم عليه بناته من زوجات أخريات غير التي أرضعت (لأنهن أخواته لأبيه من الرضاعة).

ويتفرع على الرضاع ما يلي:

(1) اعلم أن التحريم خاص بالمرتضع فقط،

ولا يتعدى إلى مَنْ هو في درجته من إخوانه وأخواته.

مثال: إذا رضع من امرأة فقد حرمت عليه هذه المرضعة، وحرم عليه جميع بناتها وأخواتها، ولكن لأخي هذا الرضـيع أن ينكح هذه المرضعة وبناتها وأخواتها، كما أن لصاحب اللبن (زوج المرضعة) وآبائه وبنيه أن ينكحوا أخت هذا الرضـيع. أعني أن الحرمة لا تكون إلا في حق من رضع فقط؛ لأنه يمكننا أن نقول: (من دخل بيتًا بالرضاعة صار منهم كولد النسب، ولكن بقية إخوانه وأخواته ليسوا منهم؛ لأنهم لم يرضعوا).

(2) هل تُحَرِّم الرضاعة ما تُحَرِّمه المصاهرة؟

مذهب الأئمة الأربعة أنها تُحَرِّم، لكن قال ابن تيمية رحمه الله: إن قال أحد بعدم التحريم فهو أقوى[15]، وهو ما رجحه الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله [16].

وبناءً على هذا فأم الزوجة من الرضاع حرام عليه أن يتزوجها كأم زوجته من النسب؛ هذا على رأي الجمهور[17]، وأما على مذهب ابن القيم فإنه يجوز.

(3) كيف تحدد الرضعة؟

اختلف العلماء في ذلك، والراجح أن مرجع ذلك إلى العُرف، فلو انقطع النفس لعارض، أو لاستراحة يسـيرة، أو لشـيء يلهيه عن قرب، أو نقلته من ثدي لآخر، فإن كل ذلك يحسب رضعة واحدة مهما قطع ذلك مرارًا حتى يقطع الرضاعة باختياره، فإذا قطعت المرضعة عليه، فلا يعتد به، فإن الاعتبار بفعله لا بفعلها.

(4) هل يشترط التقام الثدي؟

مذهب الظاهرية أنه لا بد من ذلك؛ لأنه لا يسمى رضاعًا إلا بهذا، وأما لو وضع اللبن في إناء وسقي الطفل فإنه لا يقال له (رضع)، وإنما (شـرب)، وعلى هذا لا يحسب عندهم من الرضعات غير ما ارتضعه بالتقام الثدي، فلا يحسب الوجور، والسعوط[18]، وما أُعطي بحقنة، أو شـرب، أو طبخ به، أو غير ذلك.

وذهب الجمهور إلى أنه لو حلب له في فيه، أو شـربه من إناء، أو بحقنة، أو طبخ به، أو غير ذلك؛ فإنه يأخذ الحكم بالتحريم، والعلة في ذلك قوله ﷺ: «إنما الرضاعة من المجاعة».

فجعل العلة سد الجوع، وقد حصل بأي شـيء، وكذلك قوله: «ما فتق الأمعاء»، وهذا يحصل به، فهو الراجح والله أعلم.

(5) قال ابن قدامة رحمه الله: (وإذا وقع الشك في وجود الرضاع، أو في عدد الرضاع المحرم هل كمل أم لا؟ لم يثبت التحريم؛ لأن الأصل عدمه، فلا نزول عن اليقين بالشك، كما لو شك في وجود الطلاق وعدمه)[19].

(6) (لو ثاب لامرأة لبن من غير وطء -كأن تكون بكرًا، أو ثيبًا ليس لها حمل- فأرضعت به طفلا نشـر الحرمة)[20].

قلت: وكذلك لو تعاطت دواء، فثار لها لبن، فأرضعت؛ نشـر به الحرمة، ويلاحظ في هذه الحالة أن الرضاعة لا تنتشـر عند زوج المرضعة، أي: لا يصـير أبًا للرضـيع؛ لأن اللبن لم يكن بسببه، والله أعلم.

(7) ينبغي عدم التساهل في أمر الرضاع، دون عناية بمعرفة مَنْ أرضعته، ومَنْ أولادها وأخواتها، وزوجها ومحارمه، والأولى الاحتياط بترك الإرضاع إلا في ضـرورة حتى لا يقع محظور.

(8) لو تزوجها ثم تبين أن بينهما حرمة رضاع، فُرِّق بينهما في الحال، فإن كان قبل الدخول فلا شـيء لها من المهر، وإن كان بعد الدخول فلها المهر بما استحل من فرجها، وإذا كان بينهم أولاد نسبوا إليه.

تنبيه: باقي الأحكام المتعلقة بحق الصغير في الرضاع ستذكر تحت كتاب الطلاق وأحكام الأسرة، وستكون بعنوان: [الرضاع].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة