ثانيًا: الزفاف:
يلاحظ أن الشـرع الحنيف حرص في أحكامه على بناء الأسـرة على أسس المودة والرحمة، وبث أسباب الحب بين الزوجين، وإظهار البهجة والسـرور والانشـراح، ولهذا شـرع في ليلة الزفاف أحكامًا؛ نذكر منها:
أ - إعلان النكاح، والضـرب بالدف:
عن عائشة رضي الله عنها أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله ﷺ: «يا عائشة، ما كان معكم من لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو»[1].
وعن محمد بن حاطب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «فصل ما بين الحلال والحرام الصوت بالدف»[2]. وعن عبد الله بن الزبير أن رسول الله ﷺ قال: «أعلنوا النكاح»[3].
ما يباح وما يحرم من اللهو في العرس:
(1) اعلم أن الأحاديث الواردة باللهو في العرس إنما أباحت فقط (الدف)، وهو معروف، ويكون له وجه واحد. قال ابن عثيمين رحمه الله: (وهو غير الطار والطبل؛ لأن هذه الآلات (الرق) فيها من الوجهين)[4].
قلت: فعلى هذا يمنع الشـيخُ الطبولَ الضخام ذات الوجهين. وأما الطبلة المعروفة، وإن كان الرق فيها من وجه واحد، إلا أنها تسحب بطريقة مخروطية، فيكون لها رنين، فهذه أيضًا تختلف عن الدف، لكني لا أجد دليلًا على المنع، والأولى تركها. ويشترط أيضًا ألا يكون في هذا الدف صنوج وحلق تحدث رنينًا.
(2) يحرم استعمال أية أدوات موسـيقية، وقد وردت الأحاديث في تحريم المعازف؛ فمن ذلك قوله ﷺ: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام في جنب عَلَم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم -يعني الفقير- لحاجة فيقولوا: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله، ويضع العَلَم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير»[5]. ومعنى «الحر»: فروج النساء، والمقصود: الزنا، و«العلم» الجبل، و«يبيتهم»: أي يهلكهم.
ويستفاد من هذا الحديث تحريم المعازف من وجوه:
الأول: قوله: «يستحلُّون» فمفهومه أنه حرام؛ إذ الاستحلال المذموم هو استحلال الحرام.
الثاني: اقترانه بالزنا والخمر ولبس الحرير، وكل هذه أمور محرمة.
الثالث: إهلاك الله لهم، وهذا يدل على أنهم على المعصـية.
الرابع: المسخ؛ سواء كان معنويًّا أو حقيقيًّا، وهي عقوبة لا تكون إلا على محرم.
(3) أبيح للنساء الضـرب بالدف، وأما الرجال فلم يثبت إباحته لهم، وأما حديث «واضـربوا عليه بالدف» فلا يصح الاستدلال به؛ لأنه حديث ضعيف. قال الحافظ رحمه الله: (واستدل بقوله: «واضـربوا» على أن ذلك لا يختص بالنساء، لكنه ضعيف، والأحاديث القوية فيها الإذن في ذلك للنساء، فلا يلتحق بهن الرجال؛ لعموم النهي عن التشبه بهن)[6].
(4) اعلم أن الغناء المشـروع هو ما كان بكلمات مباحة، ليس فيها غزل، ووصف للنساء، أو ما كان يثير الغرائز، ويدعو إلى الفجور والمعاصـي، كما هو حال كثير من الأغاني المنتشـرة الآن، فكل ذلك حرام، وتزداد حُرمته إذا صاحب ذلك نوع من أنواع المعازف.
(5) وسائل الإعلان للنكاح:
منها: دعوة الناس إلى الوليمة.
ومنها: وضع الزينة على البيت (بشـرط عدم الإسـراف).
ومنها: اجتماع الناس. وأما استخدام أصوات السـيارات، وإن كان هذا من الإعلان، لكنْ فيه إزعاج وإيذاء للناس، فيمنع استخدامه إلا بقدر لا يكون معه إزعاج؛ إذ لا ضـرر ولا ضـرار، والله أعلم.
(6) لا مانع من إلقاء كلمة في الأعراس، يُعلم فيها الناس بعض أمور دينهم[7].
قلت: ولا يشترط المداومة على ذلك، فليس هذا من لوازم الزواج.
(7) جاء في فتاوي اللجنة الدائمة أن الزغاريد في حكم الغناء، يعني أنها لا تجوز[8].
ب - إهداء العروس لزوجها، والدعاء لهما:
قال الإمام البخاري رحمه الله: (باب النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها ودعائهن بالبركة)، ثم أورد حديث عائشة السابق، وفيه أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار.
والمقصود بـإهداء العروس لزوجها: أن يذهب معها بعض النسوة إلى بيت الزوجية. قال صاحب (تحفة العروس): (ودخول أم الزوجة أو الزوج معهما إلى مخدع العرس بعض الزمن من الفائدة بمكان؛ كي تستأنس العروس وتزول وحشتها ببعض الأحاديث والمداعبات)[9].
ولا بأس بأن ينتظرها بعض النسوة في بيت الزوجية فيستقبلن مجيئها، ويدعون بالبركة؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «تزوَّجني النبي ﷺ، فأتتني أمي فأدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر»[10].
جـ - تزيين العروس وجلوتها:
وهؤلاء المُهديات عليهن أن يقمن بتزيين العروس أولًا قبل دخول الزوج عليها، ثم دعوة الزوج للجلوس معها، وجلوة العروس أمامه؛ أي: يظهرن منها بعض محاسنها، فتقع عين الزوج عليها -فإن هذا لا شك يبعث الرغبة في نفسه، ويكون له أثر المحبة لها في قلبه- ثم تقديم شـيء من شـراب ونحوه للزوج ليلاطف به عروسه، ودليل ما تقدم: حديث أسماء بنت السكن رضي الله عنها قالت: «إني قيَّنتُ عائشة لرسول الله ﷺ، ثم جئته فدعوته لجلوتها، فجاء فجلس إلى جنبها، فأتي بعُس لبن فشـرب، ثم ناولها النبي ﷺ فخفضت رأسها واستحيت...»[11]. الحديث، وسأذكر بقيته قريبًا إن شاء الله. ومعنى «قيَّنتُ» أي زينت، و«الجلوة» أن يراها مكشوفة؛ أعني لبعض محاسنها، و«العُس» القدح الكبير.
تنبيه: يستحب أن يتزين الرجل لزوجته؛ قال تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة:228]، وسئلت عائشة رضي الله عنها: بأي شـيء كان يبدأ النبي إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك[12]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي)[13].
د - ملاطفة الزوج لها:
في حديث أسماء السابق قالت: «فأتي بعُس لبن فشـرب، ثم ناولها النبي ﷺ، فخفضت رأسها واستحيت»، قالت أسماء: «فانتهرتها، وقلت لها: خذي من يد النبي ﷺ قالت: فأخذت فشـربت شـيئًا»، ثم قال لها ﷺ: «أعطي تِرْبَك...» الحديث، ومعنى «تربك»: صديقتك.
(1) جلوس الزوج بجانب زوجه وهي مجلُوَّة.
(2) إعطاء الزوج شـيئًا يشـرب منه، ثم يلاطف به زوجه بـإعطائها إياه.
(3) دلال العروس وخجلها؛ بأن تتمنع تمنعًا خفيفًا، فإن ذلك يثير عاطفة الزوج ورغبته، بشـرط أن لا يزيد هذا الدلال عن حد الاعتدال. قال مؤلف (تحفة العروس): (ويستحسن للمرأة ليلة بنائها أن لا تفرط في التمنع على زوجها فيما يريد منها، ولا بأس بالامتناع الخفيف الذي يهيجه ويقوي حرصه)[14].
هـ - وضع الزوج يده على رأس الزوجة والدعاء:
ثبت في الحديث قوله ﷺ: « إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادما فليقل : اللهم إني أسألك خيرها ، وخير ما جبلتها عليه ، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه»، قال أبو داود : زاد أبو سعيد: «ثم ليأخذ بناصيتها ، وليدع بالبركة في المرأة والخادم »[15].
و - صلاة الزوجين معًا:
وقد ثبت ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم؛ فعن شقيق قال: «جاء رجل يقال له: أبو حريز، فقال: إني تزوجت جارية شابة، وإني أخاف أن تفرَكني، فقال عبد الله بن مسعود: «إن الإلف من الله، والفِرْك من الشـيطان، يريد أن يكره إليكم ما أحل الله لكم، فإذا أتتك فأمرها أن تصلي وراءك ركعتين»، وفي رواية: «وقل: اللهم بارك لي في أهلي، وبارك لهم في، اللهم اجمع بيننا ما جمعت بخير، وفرق بيننا إذا فرقت إلى خير»[16]. ومعنى «تفركني»: تبغضني.
ز - صبحة البناء:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «.. كان النبي ﷺ عروسًا بزينب، فقالت لي أم سليم: لو أهدينا لرسول الله هدية، فقلت لها: افعلي، فعمَدت إلى تمر وسمن وأقط، فاتخذت حيسة في برمة، فأرسلت بها معي..»[17].
(1) من الأمور المخالفة للشـرع: ما يحدث في بعض البلاد من فض بكارة المرأة بالإصبع، وهو ما يتنافى مع الأخلاق، وإنما يكون فض البكارة بالجماع.
(2) لا تتهم المرأة إذا لم يفض غشاء البكارة؛ لأنه قد يكون الغشاء قويًّا (مطاطيًّا)، فلا يفض بسهولة، وقد يحتاج الأمر إلى فضه بواسطة الطبيبة.
(3) لا يحكم على المرأة بالزنا لمجرد عدم وجود غشاء البكارة، وإنما يثبت حكم الزنا؛ إما بـإقرارها، أو بشهادة أربعة، أو بالحمل؛ لأنه قد يزول غشاء البكارة بغير الوطء. قال ابن قدامة رحمه الله: (وإن ذهبت عذرتها بغير جماع كالوثبة أو شدة حيضة،... فحكمها حكم الأبكار)[18].
(4) لا يجوز لأهل الزوج أن يسألوا الزوج عن زوجته: هل وجدتها بكرًا أو ثيبًا، وليس لأهل الزوجة أن يطالبوا الزوج أن يريهم دم البكارة، فهذه كلها أعراف تتنافى مع الأخلاق، فضلًا عن تنافيها مع الشـرع، والصحيح أن يغلق هذا الباب سترًا على عورات المسلمين[19].
(5) يجوز البناء ليلًا أو نهارًا، ويجوز أن يكون ذلك في أي يوم، وفي أي شهر من العام، وأما ما يدَّعيه بعض العامة من تحريم ذلك في شهر المحرم، أو رمضان، أو في شوال؛ فلا دليل عليه. ويجوز أن يبني بها في أثناء سفره، كما بنى النبي ﷺ بصفية في سفره بين خيبر والمدينة[20].