حجم الخط:

محتوى الدرس (153)

ثانيًا: حقوق الزوج على الزوجة:

1 - الطاعة:

قال تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34].

وقد تقدم في الحديث: قيل لرسول الله ﷺ: أي النساء خير؟ قال: «التي تسـره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا ماله بما يكره»[1].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت»[2].

ويلاحظ في ذلك أمور:

(أ) اعلم أن الطاعة إنما تكون في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصـية الخالق؛ فإن أمرها الزوج بالتبرج خارج المنزل مثلًا، أو بمخالطة الرجال، أو السماع إلى الأغاني، فلا طاعة له في ذلك.

(ب) اعلمي -رحمك الله- أن حق الزوج مقدَّم على حق الأبوين؛ وقد روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ: أي الناس أعظم حقًّا على المرأة؟ قال: «زوجها»، قلت: فأي الناس أعظم حقًّا على الرجل، قال: «أمه»[3]. قال شـيخ الإسلام رحمه الله: (وليس على المرأة بعد حق الله ورسوله أوجب من حق الزوج)[4].

2 - لا تصوم إلا بإذنه:

أعني صوم النافلة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بـإذنه»[5]. وعلى هذا فيجوز لها أن تصوم وهو غائب، وقال أبو زرعة العراقي: (في معنى غيبته أن يكون مريضًا لا يمكنه الاستمتاع بزوجته، فلها حينئذ الصوم من غير إذنه فيما يظهر) [6].

3 - لا تأذن لأحد في بيته إلا بإذنه:

والمراد بذلك بيت الزوجية؛ سواء كان الزوج حاضـرًا أو غائبًا. وفي حديث مسلم: «فحقكم عليهن أن لا يُوطِئن فرشَكم مَن تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون»[7]. قال النووي رحمه الله: (والمختار أن معناه أن لا يأذنَّ لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم؛ سواء كان المأذون له رجلًا أجنبيًّا، أو امرأة، أو أحدًا من محارم الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك، وهذا حكم المسألة عند الفقهاء؛ أنها لا يحل لها أن تأذن لرجل أو امرأة، ولا محرم، ولا غيره، في دخول منزل الزوج، إلا من علمت أو ظنت أن الزوج لا يكرهه؛ لأن الأصل تحريم دخول منزل الإنسان حتى يوجد الإذن في ذلك منه، أو ممن أذن له في الإذن في ذلك، أو عرف رضاه باطراد العرف بذلك ونحوه، ومتى حصل الشك في الرضا، ولم يترجح شـيء، ولا وجدت قرينة، لا يحل الدخول، ولا الإذن، والله أعلم)[8].

4 - ولا تخرج من بيته إلا بإذنه:

قال ابن قدامة رحمه الله: (وللزوج منعها من الخروج من منزله إلى ما لها منه بد، سواء أرادت زيارة والديها، أو عيادتهما، أو حضور جنازة أحدهما، قال أحمد في امرأة لها زوج وأم مريضة: طاعة زوجها أوجب عليها من أمها، إلا أن يأذن زوجها)[9]، هذا ما ذكره ابن قدامة، لكنه قال بعد ذلك تنبيهًا للأزواج الظلمة الذين يستغلون قوامتهم في منع أزواجهم عن آبائهم وأمهاتهم: (لا ينبغي للزوج منعها من عيادة والديها وزيارتهما؛ لأن في ذلك قطيعة لهما، وحملًا على مخالفته، وقد أمر الله تعالى بالمعاشـرة بالمعروف، وليس هذا من المعاشـرة بالمعروف)[10].

من الأخطاء الشائعة في مسألة خروج المرأة:

(1) إذا استأذنت المرأة زوجها للخروج للصلاة فلا يمنعها؛ لحديث: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، وقد تقدم حكم المسألة[11].

(2) قال ابن تيمية: (إذا خرجت من داره بغير إذنه فلا نفقة لها ولا كسوة)[12].

(3) لا يحل لأحد أن يمنع الزوجة عن زوجها لأي سبب كان، فمن الأخطاء الفاحشة التي تسبب أحيانًا فراق الزوجين: أن يذهب أحد أقارب الزوجة، فيأمرها بالخروج، ويأخذها عَنوة من زوجها، ولا يمكِّنه من إرجاعها.

5 - ومن حقه عليها: أن تحفظ ماله:

فلا تتصـرف في ماله بغير رضاه؛ لأنها راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، وقد قال ﷺ في المرأة الصالحة: «ولا تخالفه في نفسها ولا ماله بما يكره»[13].

وكذلك لا تنفق من ماله إلا بإذنه، إلا أن يكون من قوتها، أو مما جرت العادة به، بشـرط عدم الإفساد، وفي هذه الحالة يكون لها نصف الأجر؛ لما ثبت في الحديث: «إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره، فلها نصف الأجر»، متفق عليه[14].

قال النووي رحمه الله: (ومعلوم أنها إذا أنفقت من غير إذن صـريح ولا معروف من العرف فلا أجر لها، بل عليها وزر... واعلم أن هذا كله مفروض في قدر يسـير يعلم رضا المالك به في العادة، فإن زاد على المتعارف لم يجز)[15].

6 - عليها بالقناعة وعدم المطالبة بما فوق الطاقة:

فلا تنظر إلى غيرها من النساء، ولتتأسَّ بأمهات المؤمنين؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما شبع آل محمد من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبضه الله»[16].

وعن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت: «إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقد في بيت رسول الله ﷺ نار»، قلت: يا خالة، فما كان يعيشكم؟ قالت: «الأسودان، التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح، فكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها فيسقيناه»[17].

7 - حقوق أخرى:

(أ) أن تشكر له ما يقدمه لها؛ لقوله ﷺ: «لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها، وهي لا تستغني عنه»[18].

(ب) أن تبر أهله، خاصة والديه.

(ج) إرضاع الأطفال، والقيام على تربيتهم.

(د) أن تحفظه في دينه وعرضه؛ وذلك بألا تتبرج أمام الأجانب، ولا تخرج سافرة في الطرقات أو في الشـرفات، ولا تخلو برجل أجنبي -ومن ذلك أن لا تخلو بأخي زوجها- ولا تفشـي أسـرار بيتها وزوجها، ونحو هذا.

(هـ) عدم امتناعها عن فراشه؛ حتى إن لم يكن لها رغبة، إلا أن يكون هناك عذر؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت أن تجيء، فبات غضبان، لعنتها الملائكة حتى تصبح»[19]. وفي رواية: «إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى يصبح»، وفي رواية «حتى ترجع»، متفق عليه[20].

ويستفاد من هذا الحديث:

(1) المقصود بالفراش كناية عن الجماع، ومن الآداب أن يكنى عن الأشـياء التي يستحيى منها.

(2) ظاهر الحديث أن «اللعن» المذكور إذا كان امتناعها ليلًا؛ لقوله: «حتى تصبح»، لكنه لا يلزم من ذلك جواز الامتناع نهارًا، للرواية الأخرى: «حتى ترجع»، وفي رواية: «حتى يرضـى عنها».

(3) لا يقع هذا اللعن إلا إذا سخط الزوج، أما إن عذرها، أو ترك حقه في ذلك فلا يقع، وكذلك لا يكون هذا الذنب إلا إذا كانت هي الهاجرة، أما لو هجرها هو ظالمًا لها فلا يتوجه عليها اللوم.

(4) وفي هذا الحديث إشارة إلى أن منع الحقوق يوجب سخط الله.

أمور من حسن العشرة بين الزوجين:

(1) من تمام حسن الخلق أن يحتمل كل من الزوجين صاحبه، ويتغاضـى عن الهفوات والزلات، ولا يتعنت عند وقوع الآخر في الزلل.

(2) ومن حسن العشـرة أن يتعاون الزوجان في المشاركة الوجدانية لكل منهما حال الأفراح والأحزان.

(3) يجب على الزوجين التعاون على طاعة الله عز وجل.

(4) يجب عليهما أن يكتما أسـرارهما، ولا ينشـرا شـيئًا من ذلك؛ خاصة فيما يتعلق بأمور الفراش، وفي الحديث: «إن من أشـر الناس يوم القيامة، الرجل يفضـي إلى امرأته، وتفضـي إليه، ثم ينشـر سـرها»[21].

(5) إن من الذنوب الموجبة لدخول النساء النار: «كفران العشـير»، قال ﷺ: «ورأيت النار، فلم أر كاليوم منظرًا قط، ورأيت أكثر أهلها النساء»، قالوا: لم يا رسول الله؟ قال: «يكفرن»، قيل: أيكفرن بالله، قال: «يكفرن العشـير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شـيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط»[22].

فصل في حكم خدمة المرأة لزوجها

اختلفت آراء العلماء في ذلك على قولين، فيرى جمهور العلماء أنه لا تجب خدمة المرأة على زوجها، إلا أن يكون ذلك من باب حسن العشـرة له.

وذهب فريق آخر من العلماء إلى وجوب خدمتها، وهذا الذي رجَّحه ابن القيم[23] في زاد المعاد، ويؤيد ذلك ما يأتي:

(1) ما صح عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها قالت: «كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله، وكان له فرس، وكنت أسوسه، وكنت أحتش له، وأقوم عليه»[24].

(2) ما ثبت أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ كانت تقوم بالعمل في بيتها، حتى إنها جاءت تشكو إلى رسول الله ﷺ ما تلقى في يديها من الرحى، وتسأله خادمًا[25].

(3) وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228]. فالرجل يكون في الكسب والعمل، ولا يليق أن يكون هو القائم بخدمة البيت، بل هذا يتنافى مع القوامة.

(4) كذلك فقد جرى عُرف الناس أن المرأة تقوم على خدمة زوجها، والمعروف عرفًا كالمشـروط شـرطًا.

(5) وقد أقر النبي ﷺ استخدام الصحابة أزواجهم، مع علمه بأن منهم الكارهة والراضـية، ولم يخبر بأن ذلك فيه ظلم؛ لتنتصف -على الأقل- الكارهة. ومن ذلك حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه تزوج ثيبًا، فقال له النبي ﷺ: «هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك؟» فقلت له: إن عبد الله -يعني أباه- هلك وترك بنات، وإني كرهت أن أجيئهن بمثلهن، فتزوجت امرأة تقوم عليهن وتصلحهن، قال: «بارك الله لك»[26].

(6) وفي قوله ﷺ: «فإنهن عوانٍ عندكم» أي: أسـيرات، ومرتبة الأسـير خدمة من هو تحت يده. قال ابن تيمية رحمه الله: (فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق والأسـير، فليس لها أن تخرج من منزله إلا بـإذنه، سواء أمرها أبوها أو أمها أو غير أبويها باتفاق الأئمة)[27].

(7) وعن حصـين بن محصن قال: حدثتني عمتي رضي الله عنها قالت: أتيت رسول الله ﷺ في بعض الحاجة، فقال: «أي هذه، أذات بعل؟» قلت: نعم، قال: «كيف أنت له؟» قلت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه، قال: «فانظري أين أنت منه؛ فإنما هو جنتك ونارك»[28]. ومعنى «لا آلوه» أي: لا أقصـر في طاعته وخدمته. قال الألباني رحمه الله: (والحديث ظاهر الدلالة على وجوب طاعة الزوجة لزوجها، وخدمتها إياه في حدود استطاعتها، ومما لا شك فيه أن أول ما يدخل في ذلك الخدمة في منزله، وما يتعلق به من تربية أولاده، ونحو ذلك)[29].

قلت: ولا مانع أن يرجع فيها إلى العرف إذا كان العرف في بلد ما ألا تخدم المرأة زوجها؛ فالمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، وفي هذه الحالة لو أراد الزوج أن تخدمه اشترط عليها، والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة