تعدد الزوجات
خريطة ذهنية لأحكام القسم بين الزوجات

قال تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا ﴾ [النساء:3].
وسبب نزول الآية: ما رواه البخاري عن عروة أنه سأل عائشة زوج النبي ﷺ عن قول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ فقالت: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليها، فتشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيرُه، فنُهُوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن.
قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾ [النساء:127] قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى التي قال الله سبحانه فيها: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ [النساء:3]... الحديث»[1].
قلت: وعلى هذا فمعنى الآية: أن الله تعالى خاطب أولياء اليتامى: إذا كانت اليتيمة في حجر أحدكم، وخاف ألا يعطيها مهر مثلها، وقد رغب في نكاحها، فليعدل عنها إلى غيرها من النساء؛ فإنهن كثيرات، فله أن ينكح مثنى وثلاث ورباع، فإن خاف الجور والظلم، فليكتف بواحدة أو ما ملكت يمينه من الإماء.
وعلى هذا فمعنى ﴿ أَلَّا تَعُولُوا ﴾ أي: كي لا تجوروا وتظلموا، وليس المقصود: ألا يكثر عيالكم؛ فإن هذا المعنى بعيد، وقد بيَّن ضعفه ابن القيم وابن كثير وغيرهم من المحققين.
(1) ألَّا يزيد الجمع عن أربع، وقد دلت عليه الآية السابقة، وكذا الأحاديث كما تقدم.
(2) ألَّا يكون الجمع بين من يحرم الجمع بينهن، كالمرأة وخالتها، وقد تقدم بيان ذلك[2].
(3) أن يعدل بين الزوجات؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا ﴾ [النساء:3]؛ فدل ذلك على تحريم الجور. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما؛ جاء يوم القيامة وشقه مائل»[3]. وهذا العدل إنما يكون في الأمور الظاهرة؛ من المسكن، والملبس، والمأكل، والمبيت، وأما العدل القلبي فهذا لا يملكه العبد، فلا يؤاخذ عليه.
تنبيه: ذكر بعض المعاصـرين أنه لا يجوز الجمع؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ [النساء:129]، مع نهيه سبحانه في الآية الأخرى عن ترك العدل: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ﴾ [النساء:3].
والجواب: أن هذا لا ينافي التعدد؛ لأن الآية الأولى تبين أن الإنسان لا يملك العدل القلبي مهما حرص، وأما الآية الثانية ففيها توجيه إلى العدل الظاهري الذي يملكه الإنسان، ولذلك فلا يجوز له -حتى لو أحب إحدى نسائه عن الأخريات- أن يهمل في حق الأخريات من النفقة والمسكن والمبيت ونحو ذلك.
يجب التسوية في القسم بين الزوجات، وذلك بأدلة القرآن والسنة والإجماع.
قال ابن قدامة رحمه الله: (لا نعلم بين أهل العلم في وجوب التسوية بين الزوجات في القسم خلافًا، وقد قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ ، وليس مع الميل معروف، وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ﴾ [النساء:129])[4].
ويتفرع على حكم القسم أمور:
(1) يجب القسم على الرجل؛ سواء كان صحيحًا أو مريضًا، أو كان به ما يمنع المعاشـرة الجنسـية؛ لأن القسم للأنس، ومما يدل على ذلك ما رواه الشـيخان من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول: «أين أنا غدًا؟»[5].
(2) إن شق عليه في حال مرضه القسم، فإنه يستأذنهن ليكون عند إحداهن، قالت عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله ﷺ قال: «إني لا أستطيع أن أدور بينكن، فإن رأيتن أن تأذن لي فأكون عند عائشة فعلتن»، فأذن له[6].
(3) قال ابن قدامة رحمه الله: (فإن لم يأذن له، أقام عند إحداهن بالقرعة، أو اعتزلهن جميعًا إن أحب)[7].
(4) ويقسم لنسائه حتى لو كانت مريضة أو حائضًا أو نفساء، وكذلك التي ظاهَرَ منها؛ لأن القصد: الإيواء والأنس.
(5) إذا كان عنده نسوة لم يجز أن يبتدئ بواحدة منهن إلا بقرعة، لأن البداءة بها تفضـيل لها، والتسوية واجبة.
(6) اعلم -رحمك الله- أنه لا يعني العدلُ في القسم أن ذلك يعني التسويةَ في كل شـيء، حتى في اللقمة وحجمها ونوعها، كما اشتهر على ألسن الكثير، حتى قالوا: لو اشترى لهذه شـيئًا من فاكهة معينة فلا بد أن يشتري للأخرى مثلها تمامًا، فهذا مستحيل، بل المقصود (الكفاية) والقيام بالواجب لها، وقد يختلف حد الكفاية من امرأة لأخرى من حيث (الكم)، و(الكيف)، مع مراعاة الحالة الاجتماعية لكل منهن، والظروف النفسـية، ونحو ذلك.
والخلاصة: أنه لا يميل لواحدة ويهمل الثانية، أو يجور عليها. والله أعلم.
(7) الصحيح أنه لا يجب عليه التسوية في الوطء (الجماع)؛ لأن هذا ليس في مقدوره؛ لأن سبيله الميل القلبي وحصول الشهوة، وهذا قد يتحقق عند واحدة، ولا يتحقق عند الأخرى، بشـرط أن لا يكون مقصوده الإضـرار بالمرغوب عنها، أو الامتناع إيثارًا للأخرى. قال النووي رحمه الله: (وأما محبة القلب فكان يحب عائشة أكثر منهن، وأجمع المسلمون على أن محبتهن لا تكليف فيها، ولا يلزمه التسوية فيها؛ لأنه لا قدرة لأحد عليها إلا الله عز وجل ، وإنما يؤمر بالعدل في الأفعال)[8].
ولا شك أنه مهما أمكن التسوية بينهن في الجماع كان أحسن، فإن لم يتمكن من التسوية فلا يهمل الأخرى، بل يجامعها قدر استطاعته؛ لقوله ﷺ: «إن لزوجك عليك حقًّا»[9].
(9) بقي أن يقال: هل يجب عليه وطء الزوجة؟ فيه أقوال:
القول الأول: يجب ما لم يكن عذر، وهو مذهب الحنابلة. وحكاه ابن قدامة عن مالك ومذهب الحنفية قريب من هذا.
القول الثاني: لا يجب، إلا أن يتحقق ضـرر فيجب، وهو مذهب المالكية.
القول الثالث: لا يجب مطلقًا؛ لأنه حقه، وهو مذهب الشافعية.
عماد القسم الليل. قال ابن قدامة رحمه الله: (لا خلاف في هذا؛ وذلك لأن الليل للسكن والإيواء، يأوي فيه الإنسان إلى منزله ويسكن إلى أهله، وينام في فراشه مع زوجته عادة، والنهار للمعاش والخروج والكسب والاشتغال)[10].
(1) أن النهار يدخل في القسم تبعًا لليلة الماضـية، قالت عائشة: قبض رسول الله ﷺ في بيتي، وفي يومي، ومعلوم أن النبي ﷺ قبض نهارًا.
(2) إن خرج من عندها نهارًا، أو خرج ليلًا خروجًا جرت العادة بخروجه من أجله، جاز له ذلك. وأما إن خرج في غير ذلك -أعني خرج ليلًا ولم تجر العادة بخروجه- فإن عاد مباشـرة، فإنه لا يقضـي لها هذه المدة، وإن أقام قضاها لها.
(3) هل يجوز أن يدخل على ضـرتها في زمنها؟
الجواب: إن كان ليلًا لم يجز إلا للضـرورة، وأما الدخول في النهار فيجوز للحاجة؛ من دفع نفقة، أو عادة، أو سؤال عن أمر يحتاج إلى معرفته؛ لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ لا يفضِّل بعضنا على بعض في القسم، من مُكثه عندنا، وكان قلَّ يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كل امرأة من غير مسـيس، حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها»[11].
(4) طريقة القسم: أن يقسم لكل منهن ليلة ليلة، فإن أراد الزيادة بأن يجعلهن ليلتين ليلتين، أو ثلاثًا ثلاثًا، جاز ذلك برضاهن؛ وذلك لأن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه ليلة ليلة.
(5) إذا جاء إلى من لها القسمة، فأغلقت الباب، أو منعته؛ سقط حقها من القسم، ولا يقضـي لها لنشوزها؛ لأنها أسقطت حق نفسها.
(6) وأما إن ظلم واحدة فامتنع هو، أو لم يقسم لها، فإنه يجب عليه أن يقضـي لها ما فاتها من ظلمها.
(7) قال ابن قدامة رحمه الله: (فإن كانت امرأتان في بلدين فعليه العدل بينهما؛ لأنه اختار المباعدة بينهما، فلا يسقط حقهما عنه بذلك، فإما أن يمضـي إلى الغائبة في أيامها، وإما أن يقدمها إليه ويجمع بينهما في بلد واحدة، فإن امتنعت من القدوم مع الإمكان سقط حقها لنشوزها)[12].
(8) اعلم أن القسم واجب حتى لو كانت إحداهن مسلمة والأخرى كتابية. قال ابن المنذر رحمه الله: (أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن القسم بين المسلمة والذمية سواء)[13].
(9) ملك اليمين (وهي الأمة) لا قسم لها، وهذا لا خلاف فيه إلا الحنابلة؛ فقد أوجبوا القسم للأمة، على النصف من الحرة؛ لأنها ليست زوجة، فله أن يستمتع بمن شاء منهن، وله أن يسوي بينهن، وله أن يفضل بعضهن.
(10) إذا سافرت المرأة بغير إذن زوجها سقط حقها من القسم والنفقة، وإن كان بـإذنه ففيه قولان[14].