حجم الخط:

محتوى الدرس (157)

شروط إيقاع الطلاق

يشترط لإيقاع الطلاق شروطٌ:

(1) أن تكون الزوجة محلًّا للطلاق؛ أي أن تكون الزوجية قائمة بينهما؛ سواء دخل بها أو لم يدخل.

(2) أن يكون الزوج بالغًا عاقلًا مختارًا، فيوقع الطلاق بنفسه أو من يوكله.

(3) أن يكون بإحدى صـيغ الطلاق، وسـيأتي تفصـيل ذلك.

ويتفرع عن هذه الشـروط ما يأتي من مسائل:

[مسائل متعلقة بالشروط]

1 - طلاق المجنون:

لا يصح طلاق المجنون؛ لما ثبت في الحديث: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم»[1]. وقد نقل ابن المنذر وابن قدامة وابن القيم الإجماع على أن طلاق المجنون لا يقع[2].

ويتفرع على طلاق المجنون أمران:

(1) أدخل العلماء في هذا الباب كل من زال عقله بعذر؛ فإن طلاقه لا يقع، ومنه: النائم، والمغمى عليه، ومن زال عقله ببنج أو لكبر، وكذلك الموسوس، فكل هؤلاء لا يقع طلاقهم، واختلفوا فيمن زال عقله بلا عذر وهو السكران، وسنذكر الخلاف والراجح فيه إن شاء الله.

(2) إذا كان المجنون له نوبات؛ يفيق أحيانًا ويجن أحيانًا، وقع طلاقه في حال إفاقته، ولم يقع في حال جنونه.

2 - طلاق السكران:

اختلف العلماء في وقوع طلاق السكران على قولين:

القول الأول: وقوع الطلاق؛ لأنه مكلف ومؤاخذ بجناياته، وأنه المتسبب في إذهاب عقله، وإنما يقع الطلاق عقوبة له، ثم أوردوا بعض الأحاديث والآثار في وقوع طلاق السكران، وكلها لا تصح، وقد انتقد أدلتهم ابن القيم في زاد المعاد فراجعه[3].

القول الثاني: يرون أن طلاق السكران لا يقع، ولهم في ذلك حجج:

(1) قول النبي ﷺ لماعز رضي الله عنه لما جاءه مقرًّا بالزنا: «أبك جنون؟... أشربت خمرًا؟»[4]؛ فجعل النبي ﷺ السكر بشرب الخمر كالجنون في إسقاط العقوبة.

(2) قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»[5]. والسكران لا نية له.

(3) قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء:43]. فجعل قول السكران غير معتد به.

وقد أجابوا عن حجج الأولين بأن محل التكليف هو العقل وقد أزيل، وأما عن العقوبة؛ فإنه يعاقب الحد لا يزاد على ذلك، وأما الأحاديث التي استدلوا بها فضعيفة.

والقول الثاني هو الراجح، وقد ذهب إلى ذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: «كل طلاق جائز، إلا طلاق النشوان وطلاق المجنون»[6]. ولا يعلم له مخالف من الصحابة، وهو ما ذهب إليه عمر بن عبد العزيز وقضـى به[7]. قال الإمام البخاري رحمه الله: وَقَالَ عُثْمَانُ: لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالْمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ. وقال ابن المنذر رحمه الله: هذا ثابت عن عثمان، ولا نعلم أحدًا من الصحابة خالفه. وهذا ما رجَّحه شـيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، ورجَّحه الشـيخ ابن باز وابن عثيمين[8]، وهو الذي رجع إليه أحمد بن حنبل.

تنبيه: لو ادعى الزوج أنه كان حين الطلاق زائل العقل لمرض أو غشـي؟

الجواب: أفتى شـيخ الإسلام أنه إذا كان هناك سبب يمكن معه صدقه، فالقول قوله مع يمينه[9].

3 - طلاق المكره:

طلاق المكره لا يقع، وهو قول جمهور أهل العلم؛ لقوله ﷺ: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسـيان، وما استكرهوا عليه»[10]، ولأن المكره لا يقصد وقوع الطلاق، وإنما قصد دفع الضـرر عنه من قتل أو إتلاف عضو، أو ضـياع مال، أو حبس.

ويشترط في ذلك أن يكون الإكراه ظلمًا، وأما إن أكره بحق؛ كأن يكون آلى[11] من امرأته أربعة أشهر، وأبى أن يطلق أو يفيء بعد مضـي الزمن، فأكرهه الحاكم: وقع الطلاق. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (وكل محرم يكون بحق، فإنه يزول التحريم فيه؛ لأن الشـيء لا يحرم إلا لأنه باطل، فإذا انقلب الشـيء حقًّا صار غير محرم... كذلك لو أكره عليه لكونه لا يقوم بالنفقة الواجبة للزوجة... فإننا نكرهه، ونلزمه أن يطلق، فإن أبى في هذه الحال أن يطلق فإن القاضـي يتولى التطليق عنه)[12].

قال ابن القيم رحمه الله: (وقد أفتى الصحابة بعدم وقوع طلاق المكره وإقراره، فصح عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ليس الرجل بأمين على نفسه إذا أوجعته أو ضـربته أو أوثقته، وصح عنه أيضًا أن رجلًا تدلى بحبل ليشتار عسلًا، فأتت امرأته فقالت: لأقطعن الحبل أو لتطلقني، فناشدها الله فأبت، فطلقها، فأتى عمر فذكر له ذلك، فقال له: ارجع إلى امرأتك؛ فإن هذا ليس بطلاق، وكان علي رضي الله عنه لا يجيز طلاق المكره، وقال ثابت الأعرج: سألت ابن عمر وابن الزبير عن طلاق المكره، فقالا جميعًا: ليس بشـيء)[13].

قال ابن قدامة رحمه الله: (ومن شـروط الإكراه ثلاثة أمور:

أحدها: أن يكون من قادر بسلطان أو تغلب، كاللص ونحوه.

الثاني: أن يغلب على ظنه نزول الوعيد إن لم يجبه إلى طلبه.

الثالث: أن يكون مما يستضـر به ضـررًا كثيرًا؛ كالقتل، والضـرب الشديد، والقيد والحبس الطويلين، فأما السب والشتم فليس بإكراه، وكذلك أخذ المال اليسـير)[14].

4 - طلاق الصبي:

تقدم أن الطلاق إنما يقع من الزوج البالغ، أما الصغير الذي لم يبلغ فقد ذهب فريق من أهل العلم إلى أنه لا يقع حتى يحتلم؛ لقوله ﷺ: «رفع القلم عن ثلاث، عن الصبي حتى يحتلم...» الحديث[15].

بينما يرى آخرون أن الصغير إذا كان مميزًا يعقل معنى الطلاق فطلاقه واقع[16].

5 - طلاق الغضبان:

الأصل أن الغضبان لا يؤاخذ بما صدر منه؛ قال تعالى: ﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ [الأعراف:150].

وقال ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».

وعن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق»[17].

أقسام الغضب:

تكلم العلماء في وقوع طلاق الغضبان، والتحقيق أن الغضب ينقسم إلى أقسام ثلاثة:

الأول: أن يصل به الغضب إلى حد لا يدري ما يقوله، فهذا أغلق عليه عقله، فلا يقع الطلاق باتفاق.

الثاني: أن يكون في ابتداء الغضب، لكنه يدري ما يقوله ويعقله، فهذا يقع طلاقه، وهذا متفق عليه أيضًا.

الثالث: بين بين، يعني أنه يدري ما يقوله، لكنه لقوة الغضب عجز أن يملك نفسه؛ فهو يحول بينه وبين نيته وإرادته؛ بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال عنه الغضب، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إن طلاقه يقع، ومنهم من قال: لا يقع؛ لأن فيه إغلاقًا؛ وهذا هو الراجح -أعني أنه لا يقع- وهو اختيار ابن القيم وشـيخه ابن تيمية رحمهما الله. قال ابن القيم رحمه الله: (والتحقيق: أن الغلق يتناول كل من انغلق عليه طريق قصده وتصوره؛ كالسكران، والمجنون، والمُبَرْسَم، والمكره، والغضبان، فحال هؤلاء كلهم حال إغلاق، والطلاق إنما يكون عن وطر[18]، فيكون عن قصد من المطلق، وتصور لما يقصده، فإن تخلف أحدهما لم يقع طلاق)[19].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة