حجم الخط:

محتوى الدرس (161)

أحكام الرجعة:

يجوز أن يراجع الرجل زوجته وهي في العدة من الطلقة الأولى أو الثانية؛ سواء رضـيت أم كرهت؛ وذلك بأن يقول لزوجته: (راجعتك) أو (راجعتك إلى عصمتي) أو بأي لفظ يدل على إرجاعها؛ وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا [البقرة:228].

ويتعلق بذلك أمور:

(1) ألَّا يكون مقصوده بالرجعة الإضـرار بالمرأة لتطويل العدة، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:2]؛ أي: أن تكون الرجعة رغبة منه في الحياة الزوجية، لا إضـرارًا بالمرأة.

(2) أن يُشهِدَ على رجعته رجلين مسلمين عدلين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2]، واختلف العلماء هل هذا الإشهاد على الوجوب أو أنه مندوب إليه؟ على قولين لأهل العلم. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (ويحتمل أن يقال: في هذا تفصـيل؛ إن راجعها بحضـرتها فلا حاجة للإشهاد، وإن راجعها في غيبتها وجب الإشهاد)[1].

تنبيه: اختلف العلماء: هل الإشهاد المذكور في الآية يرجع إلى الطلاق والرجعة، أو إلى الرجعة فقط؟ قال القرطبي رحمه الله: (والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق، فإن راجع من غير إشهاد ففي صحة الرجعة قولان للفقهاء، وقيل: المعنى: وأشهدوا عند الرجعة والفرقة جميعًا)[2].

قلت: وعلى هذا، لو طلَّق بدون إشهاد يقع طلاقه، وهذا هو الأرجح -وإن كان الأولى الإشهاد- ودليل وقوعه أن النبي ﷺ لم يسأل أحدًا ممن طلق في زمانه: هل أشهد أو لا، فدل ذلك على إيقاع الطلاق بدون إشهاد.

(3) إذا قبَّل، أو جامع، أو باشـر زوجته بشهوة، هل يكون ذلك رجعة؟

اختلف في ذلك العلماء: فيرى بعضهم أنه بذلك مراجع، وهذا مذهب أبي حنيفة، وفرَّق مالك بين من يفعل ذلك ينوي الرجعة فهو مراجع، وبين من لم ينوها فليس بمراجع. وذهب أهل الظاهر أنه لا يكون مراجعًا إلا بالكلام فقط؛ أي يقول لها: راجعتك، ولا يرون الرجعة بالفعل. ونقل القرطبي عن الشافعي: (إذا تكلم بالرجعة فهو رجعة)[3].

والذي يترجح أن المراجعة تكون بالفعل كما تكون بالقول، وقد أطلق الله عز وجل الإمساك فقال: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أي: الرجعة، فإذا وطئ الرجل مطلقته الرجعية ونوى بذلك الرجعة، فقد استباح منها ما لا يباح إلا للأزواج، فدل ذلك ضمنًا على مراجعته لها[4]. وهذا مذهب مالك كما سبق، وهو اختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية، وصحَّحه ابن عثيمين في الشـرح الممتع[5].

(4) يمتد وقت المراجعة حتى تنتهي من الحيضة الثالثة -وهذا في حق من تحيض- وقبل أن تغتسل؛ أي أنها إذا طهرت من الحيضة الثالثة ولم تغتسل، جاز له أن يراجعها، فإن اغتسلت فقد بانت منه، ولا يملك مراجعتها إلا بعقد جديد، وقد صح ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود رضي الله عنهم.

(5) إذا تركها حتى انقضت عدتها، وبانت منه بعد الطلقة الأولى أو الثانية، ثم تزوجت زوجًا آخر، وطلقها الثاني، ثم عادت للأول؛ فإنها تعود بما بقي من عدد الطلقات. وهذا بخلاف ما لو طلقها ثلاث تطليقات، وتزوجت بآخر؛ فإنها تعود للأول بعدد ثلاث طلقات، وسـيأتي تفصـيل لهذه المسألة[6].

(6) إذا طلق الرجل زوجته، وأعلمها بطلاقها، ثم راجعها ولم يُعْلِمها برجعتها حتى تنقضـي عدتها، بانت منه؛ لأنه لم يراجع بإحسان؛ إذ الإحسان أن يُعْلمها أنه راجعها، وقد صح ذلك عن عمر بن الخطاب وعمران بن حصـين رضي الله عنهما، وهو ما ذهب إليه شـريح القاضـي وسعيد بن المسـيب والحسن[7]، وفي المسألة خلاف.

(7) قال القرطبي رحمه الله: (ومن ادَّعى بعد انقضاء العدة أنه راجع امرأته في العدة، فإن صدَّقته جاز، وإن أنكرت حلفت، فإن أقام بينة أنه ارتجعها في العدة ولم تعلم بذلك لم يضـره جهلها بذلك، وكانت زوجته)[8].

ثانيًا: أقسام الطلاق باعتبار وصفه:

[إجمال]

ينقسم الطلاق باعتبار وصفه إلى: طلاق سني، وطلاق بدعي. قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ [الطلاق:1]. ومقصود الآية كما ذهب إليه جمهور أهل العلم: أن من أراد أن يطلق زوجته المدخول بها فليطلقها في طهر لم يجامعها فيه، وزاد بعضهم: أو يطلقها وهي حامل قد تبيَّن حملها؛ وعلى هذا قسَّم العلماء الطلاق إلى: طلاق السنة، وطلاق البدعة على النحو الآتي:

أولاً: طلاق السنة:

وهو الطلاق الموافق لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وله صورتان:

الأولى: أن يطلقها وهي طاهر -غير حائض- إذا لم يكن جامعها في هذا الطهر، مهما طال زمن هذا الطهر.

الثاني: أن يطلقها وهي حامل.

قال ابن كثير: (فطلاق السنة: أن يطلقها طاهرة من غير جماع، أو حاملًا قد استبان حملها)[9].

قلت: ودليله أيضًا ما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر عمر ذلك للنبي ﷺ فقال: «مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا، أو حاملًا»[10].

ثانيًا: طلاق البدعة:

وهو ما كان مخالفًا لكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، وهذا الطلاق حرام [11]، وله صورتان:

الأولى: أن يطلق الرجل امرأته وهي حائض.

الثانية: أن يطلق الرجل امرأته في طهر جامعها فيه.

قال ابن كثير رحمه الله: (والبدعي هو: أن يطلقها في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، ولا يدري أحملت أم لا)[12].

ويتفرع على ذلك ما يأتي:

(1) معنى قوله تعالى: ﴿ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ : احفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق؛ لأنه يترتب عليه آثار وحقوق شـرعية. وقد اختلف العلماء: مَن المخاطب بإحصاء العدة؟ هل هم الأزواج أو الزوجات أو المسلمون؟ والراجح أن الآية تشمل كل هؤلاء.

(2) المرأة غير المدخول بها لا عدة لها، ولذلك يجوز طلاقها في الحيض وفي غير الحيض. وكذلك المختلعة يجوز خلعها في الحيض وفي غيره.

(3) وكذلك إذا كانت لا تحيض إما لكبرها أو لصغرها، فله أن يطلقها متى شاء؛ سواء وطئها أو لم يطأها؛ لأن عدتها في هذه الحالة لا تكون بالقروء، وإنما بالأشهر.

(4) إذا طلق الرجل امرأته وهي (حائض)، فإنه يؤمر بمراجعتها، ويطلقها بعد ذلك إذا أراد[13]؛ لما ثبت في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في طلاقه امرأته أن النبي ﷺ قال لعمر: «مره فليراجعها...» الحديث، وقد اختلف العلماء: هل هذه المراجعة على الوجوب أو على الاستحباب؟ فيرى جمهور العلماء أنها على الاستحباب، وذهب مالك إلى الوجوب، وهي إحدي الروايتين عن أحمد، حتى قالوا: فإذا امتنع الرجل أدَّبه الحاكم، فإن أصـر على الامتناع ارتجع الحاكم عنه[14].

(5) فإذا ارتجعها فله أن يمسكها ولا يطلق، وله أن يطلقها لكن بشـرط أن تطهر، لكن اختلفت الروايات؛ فبعضها بلفظ: «فإذا طهرت فأراد أن يطلقها فليطلقها» أي: بعد طهر واحد وقبل أن يجامعها، وبعض الروايات بلفظ: «حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر» أي: لا يطلقها إلا بعد طهرين من ارتجاعها.

ولذا اختلف العلماء هل يطلق -إذا أراد- بعد طهر واحد أو بعد طهرين؟ ذهب مالك إلى وجوب الانتظار للطهر الثاني، وهو أصح الوجهين عند الشافعية، وعن ابن تيمية الجد قال: (ولا يطلقها في الطهر المتعقب له؛ فإنه بدعة) [15]. وذهب أحمد بن حنبل وأبو حنيفة أن الانتظار للطهر الثاني مندوب إليه، وليس على الوجوب. والله أعلم. والرأي الأول وهو وجوب الانتظار للطهر الثاني هو الأرجح لظاهر الحديث.

(6) هل الحكم السابق يجري إذا طلقها في (طهر جامعها فيه)، أعني هل يؤمر بمراجعتها؟

الجواب: ليس هناك دليل على ذلك، وقد سئل مالك عن ذلك فقال: لا يؤمر بمراجعتها[16].

(7) إذا طهرت المرأة من حيضها ولم يجامعها زوجها وأراد أن يطلقها؛ فهل ينتظر حتى تغتسل؟

الراجح: نعم ينتظر حتى تغتسل؛ لما ورد في بعض روايات ابن عمر رضي الله عنهما: «مُرْ عبدَ الله فليراجعها، فإذا اغتسلت فليتركها حتى تحيض، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسها حتى يطلقها، فإن شاء أن يمسكها فليمسكها، فإنها العدة التي أمر الله عز وجل أن تطلق لها النساء»[17].

(8) اعلم أن حال النفساء كحال الحائض؛ فإنه لا يطلقها حتى تطهر من نفاسها.

هل يقع الطلاق البدعي أم لا يقع؟

اتفق العلماء على أن طلاق البدعة يأثم صاحبه؛ لأنه خالف القرآن والسنة، لكن السؤال: هل يقع هذا الطلاق -مع تأثيم صاحبه- أو لا يقع؟

ذهب أكثر العلماء إلى أن طلاق البدعة يقع، ويحتسب عليه من تطليقاته، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وذهب فريق آخر من العلماء إلى عدم وقوعه، والسبب في اختلافهم اختلاف ألفاظ حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ حيث طلق امرأته وهي حائض، فأمره النبي ﷺ بمراجعتها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق، وهي ثابتة في (الصحيحين) وغيرهما.

والراجح من الأقوال هو: وقوع هذه الطلقة واحتسابها من التطليقات، وبيان ذلك فيما يلي:

أدلة القائلين باحتساب الطلقة:

(1) في رواية: قيل لابن عمر: «أفأحتسب بتلك التطليقة؟ قال: فمه؟»[18]. ومعناه: الاستفهام؛ أي: فما يكون إلا الاحتساب.

(2) في رواية قيل لابن عمر: تحتسب؟ قال: «أرأيت إن عجز واستحمق؟»، وهو استفهام إنكار، وتقديره كما قال النووي رحمه الله: (نعم تحتسب، ولا يمتنع احتسابها لعجزه وحماقته)[19]، ويؤيد ذلك ما في رواية أحمد: (نعم، أرأيت إن عجز واستحمق؟) فقد أجاب بـ«نعم» التي يثبت لها احتساب الطلقة.

(3) في رواية عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي ﷺ، فذكر ذلك له «فجعلها واحدة»[20]. قال الحافظ رحمه الله: (وهو نص في موضع الخلاف، فيجب المصـير إليه)[21].

(4) في بعض الروايات: قال ابن عمر رضي الله عنهما: «فراجعتها، وحُسِبَتْ لها التطليقة التي طلقتها»، رواه مسلم، وقوله: «وحُسِبَتْ» يترجح أن الذي احتسبها هو رسول الله ﷺ، وهذا شبيه بقول الصحابي: «أمرنا بكذا» أو «نهينا عن كذا»، فهو في حكم المرفوع؛ أن الذي أمر أو نهى هو رسول الله ﷺ.

(5) وأيضًا فإن ابن عمر رضي الله عنهما -وهو صاحب القصة- كان يفتي السائل بذلك؛ فكان يقول: «أما أنت -يعني السائل- طلقت امرأتك مرة أو مرتين، فإن رسول الله ﷺ أمرني بهذا[22]، وإن كنت طلقت ثلاثًا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصـيت الله فيما أمرك من طلاق امرأتك»، رواه مسلم[23]. فلو كانت الطلقة لم تحتسب ما أفتاه بالفراق التام، ولأمره بارتجاعها. فهذه أدلة القائلين باحتساب الطلقة، وهو الراجح.

أدلة القائلين بعدم احتسابها:

(1) ما ورد في بعض روايات ابن عمر قال: «فردها علي ولم يرها شـيئًا»، رواه أبو داود، لكن هذه الزيادة شاذة، انفرد بها أبو الزبير، وهي مخالفة لرواية الثقات فإنهم لم يذكروها[24]. فلا يحتج بهذه الزيادة لشذوذها. قال ابن عبد البر رحمه الله: (قوله: «ولم يرها شـيئًا» منكر، لم يقله غير أبي الزبير، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بمن هو أثبت منه؟ ولو صح فمعناه -والله أعلم- ولم يرها شـيئًا مستقيمًا؛ لكونها لم تقع على السنة)[25].

(2) واحتجوا أيضًا بأثر ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض: «لا يعتد لذلك». لكن لا يسلم الاحتجاج بهذا الأثر؛ لأن المقصود بقوله: «لا يعتد لذلك»: أي بالحيضة ضمن القروء، فالحيضة التي طلقها فيها لا تحتسب من عدتها، ويؤيد هذا المعنى أن هذا الأثر رواه ابن أبي شـيبة وفيه قال ابن عمر رضي الله عنهما: «لا تعتد بتلك الحيضة»[26].

(3) اعتمد أصحاب هذا القول على القياس، وقد أطال في ذلك ابن القيم في (زاد المعاد) وغيره. وقال ابن حجر رحمه الله ردًّا عليه: (ثم أطال -أي: ابن القيم- من هذا الجنس -أي: القياس- بمعارضات كثيرة لا تنهض مع التنصـيص على صـريح الأمر بالرجعة؛ فإنها فرع وقوع الطلاق، على تصـريح صاحب القصة -يعني ابن عمر رضي الله عنهما - بأنها حسبت عليه تطليقة، والقياس في معارضة النص فاسد الاعتبار، والله أعلم. وقد عورض بقياس أحسن من قياسه؛ فقال ابن عبد البر: ليس الطلاق من أعمال البر التي يتقرب بها، وإنما هو إزالة عصمة فيها حق آدمي، فكيفما أوقعه وقع، سواء أجر في ذلك أم أثم، ولو لزم المطيع ولم يلزم العاصـي، لكان أخف حالًا من المطيع)[27].

خلاصة ما سبق:

أنه يترجح بالأدلة أن طلاق البدعة حرام يأثم صاحبه، وأنه يقع ويحسب من التطليقات، وهذا مذهب الأئمة الأربعة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة