النشوز
معصـية المرأة لزوجها فيما يجب عليها.
وأصل النشوز: الارتفاع، وسميت معصـيتها نشوزًا لأن المرأة تترفع على زوجها، وتتعالى عليه، ولا تقوم بحقه. ومن أمثلة ذلك: امتناعها عن تمكينه من الاستمتاع بها في الفراش. وكذلك إذا أجابته وهي متبرمة ساخطة؛ لأن ذلك لا يحصل به كمال الاستمتاع.
كيف يعامل الرجل زوجته الناشـز؟
قال تعالى: ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ﴾ [النساء:34]، فالرجل إذا وجد من امرأته نشوزًا عليه بالآتي:
والمقصود بالموعظة تليين القلب؛ بتذكيرها بما يكون لها من ثواب الله إن أطاعت، وما ينتظرها من العقاب إن خالفت؛ سواء كان هذا العقاب دنيويًّا أو أخرويًّا. وعلى الرجل أن يكون فطنًا لبقًا يحسن كيف يعظها، ويعرف المواطن التي يؤثر بها في قلب زوجته، وذلك من دوام عشـرته لها ومعرفته لأحوالها وشخصـيتها، وما الذي ينجع فيها من الكلمات والتحذيرات.
والمقصود بالمضجع: الفراش؛ وذلك بألا ينام معها في الفراش. وعلى هذا فيجوز أن يهجرها وهو في نفس البيت، وهو الأصل، ويجوز أن يهجرها خارج البيت. قال الحافظ رحمه الله: (والجمهور على أن المراد بالهِجران: ترك الدخول عليهن والإقامة عندهن على ظاهر الآية)[1]. وعن أنس رضي الله عنه قال: آلى رسول الله ﷺ من نسائه شهرًا، وقعد في مَشـربة له، فنزل لتسع وعشـرين، فقيل: يا رسول الله إنك آليت شهرًا، قال: «إن الشهر تسع وعشـرون»[2]. وورد في حديث معاوية بن حيدة رضي الله عنه قوله ﷺ: «ولا تهجر إلا في البيت»[3]. فالحديث الأول أثبت الهجر خارج البيت، والثاني منعه، [4]ولا منافاة بينهما؛ قال الحافظ رحمه الله: (والحق أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال؛ فربما كان الهجران في البيوت أشد من الهجران في غيرها، وبالعكس، بل الغالب أن الهجران في غير البيوت آلم للنفوس، وخصوصًا النساء؛ لضعف نفوسهن)[5]. ويرى بعض العلماء أن المقصود بأن يهجرها في المضجع أن يوليها ظهره، ولا يكلمها.
عن عبد الله بن زمعة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يجامعها في آخر اليوم»[6]. وقد جاء في الحديث المنع من أن يكون الضـرب مبرحًا؛ فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في حديث حجة النبي ﷺ: قال النبي في خطبته: «ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضـربوهن ضـربًا غير مبُرِّح»[7]. قال النووي رحمه الله: (والضـرب غير المبرح: هو ما ليس بشديد، ولا شاق، ولا مؤثر)[8]. وقال ابن عثيمين رحمه الله: (أما عن كميته -يعني الضـرب- فإنه لا يزيد عن عشـر ضـربات؛ لقول النبي ﷺ: «لا يجلد فوق عشـرة أسواط إلا في حد من حدود الله»[9][10].
(1) وردت أحاديث في النهي عن ضـرب النساء؛ فمن ذلك حديث إياس بن عبد اللـه ابن أبي ذباب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تضـربوا إماء الله»، فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: ذَئِرْن النساء على أزواجهن، فرخص في ضـربهن، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال النبيﷺ: «لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن؛ ليس أولئك بخياركم»[11]. ومعنى: «ذئر» نشـز. قال الشافعي رحمه الله: (يحتمل أن يكون النهي على الاختيار، والإذن على الإباحة، ويحتمل أن يكون قبل نزول الآية بضـربهن، ثم أذن بعد نزولها فيه)[12].
(2) المقصود بالضـرب هو التأديب، وليس الانتقام؛ كما يفعله بعض الجهلاء، من ضـرب أزواجهم بكل ما يملكه من قوة، وربما استعمل العصـي الغليظة، وربما رمى بأثاث البيت، وهذا كله لا يليق بأهل المروءات.
(3) ليس من التأديب: التقبيح لها، وسبها بالألفاظ البذيئة، أو التعدي بهذه الألفاظ إلى سب أبويها وعشـيرتها، فالمؤمن ليس بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء.
(4) متى تابت المرأة عن نشوزها، فليس له عليها سبيل السخرية والاستهزاء، وكثرة اللوم والعتب، وتعديد ما سبق من زلاتها؛ لأن الله يقول: ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ [النساء:34].
إذا وصل الأمر إلى أشده، وخشـينا الشقاق بين الزوجين؛ أرسلنا إليهما حكمين يحكمان بينهما؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾ [النساء:35].
فيرسل إليهما حكمان لهما من العلم والثقة والمعرفة ما يؤهلهما للحكم بينهما، على أن يكون هذان الحكمان أحدهما من أهله والآخر من أهلها؛ لأنهما أعرف بشؤونهما وأرفق لهما من الأجنبيين[13].
تنبيه: هذان الرجلان (حكمان) كما ذكر ربنا عز وجل ، فلهما أن يقضـيا بما يرياه دون الرجوع إلى الزوجين، وما يحكمان به فهو ملزم لهما، رضـي الزوجان أم كرها، فلهما أن يحكما بالتفريق أو التوفيق، وهو أفضل. وقد قال بعض أهل العلم: إنهما (وكيلان) عن الزوجين، وليس بصحيح، بل هما (حكمان) كما ورد في الآية[14].