حجم الخط:

محتوى الدرس (171)

أحكام المعتدات:

أولًا: المعتدة من طلاق:

يتعلق بالمعتدة المطلقة بعض الأحكام؛ أهمها:

(1) تحريم خطبتها:

فإن كانت المطلقة رجعية فلا يجوز لأحد أن يخطبها لا تصـريحًا ولا تعريضًا، إلا زوجها فقط؛ فإنه له الحق في إرجاعها ما دامت في العدة؛ سواء رضـيت أم كرهت؛ لأنها في حكم الزوجة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ .

وأما المطلقة طلاقًا بائنا آخرَ ثلاثِ تطليقات؛ فإنه يجوز التعريض لهن بالخطبة دون التصـريح؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ [البقرة:235].

(2) يحرم العقد عليها مطلقًا:

سواء كانت مطلقة رجعية أم بائنًا حتى تنتهي عدتها، فإن عقد عليها أحد في أثناء العدة فالنكاح باطل، ويجب التفريق بينهما.

فإن كان قد دخل بها فُرِّق بينهما، وأتمت عدتها من الأول، ثم اعتدت من الثاني، وهذا مذهب أحمد والشافعي ومالك، في حين يرى الحنفية أنها تعتد عدة واحدة لهما.

واختلفوا: هل يجوز لهذا الثاني أن يتزوجها بعد ذلك، والراجح الجواز[1].

(3) المطلقة الرجعية لها السُّكنى والنفقة:

طَوال مدة العدة، وأما المطلقة البائنة فلا نفقة لها ولا سكنى؛ لحديث فاطمة بنت قيس، وقد تقدم، إلا أن تكون حاملًا فيجب النفقة عليها من أجل الحمل.

(4) المطلقة الرجعية تظل في بيت الزوجية مع زوجها؛

لقوله تعالى: ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [الطلاق:1]، ويجوز لها أن تتزين أمام زوجها، وأن يتردد عليها ما دامت في العدة.

وأما المطلقة البائنة فيجب عليها أن تحتجب عن مطلقها؛ لأنها صارت أجنبية عنه، ويحرم عليه الخَلوة بها.

(5) حكم الميراث:

المطلقة الرجعية إذا مات أحد الزوجين في أثناء العدة ورثه الثاني، بخلاف البائنة؛ فإنه لا توارث بينهما.

(6) مؤخر الصداق:

لا تُطالِب المرأة بمؤخر صداقها إلا إذا انقضت عدتها في حال الطلاق الرجعي، ولها حق المطالبة مباشـرة في حق الطلاق البائن.

(7) لا يجوز للزوج أن يتزوج ممن يحرم عليه الجمع بينهن وبين زوجته ما دامت في العدة؛

فلا يجوز له أن يتزوج أختها، أو عمتها، أو خالتها، حتى تنقضـي العدة؛ سواء كانت المطلقة رجعية أو بائنة.

(8) هل للمطلقة متعة غير الصداق؟

تقدم أن المطلقة لها نصف الصداق إن كان الطلاق قبل الدخول، أو الصداق كله إن كان بعد الدخول، هذا إذا كان سمى لها صداقًا، فإن لم يسم لها صداقًا فلها المتعة قبل الدخول، ومهر المثل بعد الدخول. لكن هل يجب لهؤلاء المطلقات متعة غير الصداق؟

الراجح: وجوب المتعة لكل مطلقة؛ سواء كان سمى لها صداقًا أم لم يُسمِّ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:241]، فعمَّ كل مطلقة، ولم يخص مطلقة من أخرى؛ سواء كانت رجعية، أو بائنة، قبل الدخول، أو بعده. وهذا قول علي ابن أبي طالب رضي الله عنه والزهري، وسعيد بن جبير، وعطاء، وإبراهيم النخعي، وأبي قلابة، والثوري، والحسن.

وأما تقدير المتعة؛ فلم يأت في ذلك نص إلا قوله تعالى: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [البقرة:236]، فهو يختلف من حيث يسار الزوج وإعساره، لكن ثبت في ذلك بعض الآثار عن الصحابة، فابن عمر رضي الله عنهما يرى أن أدنى المتعة ثلاثون درهمًا، وابن عباس رضي الله عنهما يقول: أعلى المتعة الخادم، ثم كسوة، ثم نفقة[2].

ثانيًا: المعتدة من وفاة:

يتعلق بعدة المتوفى عنها زوجُها بعضُ الأحكام؛ أهمها:

(أ) يجوز التعريض بخطبتها دون التصـريح؛ فإنه يحرم حتى تنتهي عدتها.

(ب) يحرم العقد عليها حتى تنتهي عدتها.

(جـ) ليس لها نفقة حتى لو كانت حاملًا، ونفقة الحامل من مال الحمل، فإن لم يكن له مال ففي مال الوارث؛ لقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، إلى أن قال: ﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ .

(د) ترث من مال زوجها؛ سواء دخل بها أم لم يدخل بها، ولها الصداق كاملًا كذلك، سواء دخل بها أم لم يدخل بها.

تنبيه: المطلقة البائن بينونة صغرى بعوض -ونقصد بها في هذا الباب المختلعة التي طلقت على عوض- لا يثبت لها حق من الحقوق؛ فليس عليها عدة، بل تستبرأ بحيضة، وليس لها نفقة، ولا سكنى، ولا توارث بينها وبين زوجها، ويجب عليها أن تحتجب عنه، ولا يجوز له مراجعتها إلا بعقد ومهر جديدين، وبرضاها.

وكذلك من البائن بينونة صغرى المطلقة قبل الدخول؛ فليس عليها عدة، ولا نفقة لها، ولا سكنى، ولا توارث، ويجوز للزوج -إن لم يكن طلقها آخر ثلاث تطليقات- ولغيره أن يخطبها وأن يعقد عليها.

أين تعتد المتوفى عنها زوجها؟

قال ابن القيم رحمه الله: (وقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم في حكم هذه المسألة)[3]. ثم أورد رحمه الله الآثار عن الصحابة؛ فبعضهم يرى أن تعتد حيث شاءت، وممن ذهب إلى ذلك عائشة، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعلي ابن أبي طالب رضي الله عنهم.

وذهب غيرهم إلى أنه لا بد أن تعتد في بيت زوجها. وممن ذهب إلى ذلك عمر، وابنه عبد الله، وعثمان، وابن مسعود، وأم سلمة رضي الله عنهم ، إلا أنهم رخصوا لهن أن يخرجن بالنهار لكن لا بد أن تبيت بالليل في بيتها.

وهذا الرأي الأخير يقول به الأئمة الأربعة.

وقد ورد في ذلك حديث تنازع العلماء في تضعيفه وتصحيحه، وقد حقَّقه ابن القيم وصحَّحه في زاد المعاد، وردَّ قول ابن حزم بتضعيفه، وصحَّحه ابن حبان والحاكم (2/208)، وأقرَّه الذهبي، ونقل الحاكم تصحيحه عن محمد بن يحيى الذهلي.

وتراجع الشـيخ الألباني بعدما ضعَّفه فحكم بصحته في التحقيق الثاني للإرواء (2131).

ونص الحديث كما ورد في سنن ابن ماجه:

عن زينب بنت كعب بن عجرة -وكانت تحت أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن أخته الفريعة بنت مالك رضي الله عنها قالت: خرج زوجي في طلب أعلاج له[4]، فأدركهم بطرف القدوم[5]، فقتلوه، فجاء نعي زوجي وأنا في دار من دور الأنصار شاسعة[6] عن دار أهلي، فأتيت النبي ﷺ، فقلت: يا رسول الله، إنه جاء نعي زوجي وأنا في دار شاسعة عن دار أهلي ودار إخوتي، ولم يدع مالا ينفق علي، ولا مالًا ورثته، ولا دارًا يملكها، فإن رأيت أن تأذن لي فألحق بدار أهلي ودار إخوتي؛ فإنه أحب إلى وأجمع لي في بعض أمري، قال: «فافعلي إن شئت»، قالت: فخرجت قريرة عيني لما قضـى الله لي على لسان رسول الله ﷺ، حتى إذا كنت في المسجد، أو في بعض الحجرة، دعاني فقال: «كيف زعمت؟»، قالت: فقصصت عليه، فقال: «امكثي في بيتك الذي جاء فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله»[7]، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشـرًا[8].

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (فإن قيل: ملازمة المنزل حق عليها، أو حق لها؟ قيل: بل هو حق عليها إذا تركه لها الورثة، ولم يكن عليها فيه ضـرر، أو كان المسكن لها، فلو حولها الوراث، أو طلبوا منها الأجرة، لم يلزمها السكن، وجاز لها التحول)[9].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة