حجم الخط:

محتوى الدرس (172)

الإحداد

خريطة ذهنية لأحكام الإحداد

جدول 91 أحكام الإحداد

معناه:

لغة: قال أبو عبيد: (إحداد المرأة على زوجها: ترك الزينة). وقال الجوهري: (والحداد: ثياب المآتم السود)[1].

ومعناه في الشـرع: ترك الطيب والزينة[2].

وجوب إحداد المرأة على زوجها:

عن نافع، عن زينب ابنة أبي سلمة رضي الله عنها أنها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة:

قالت زينب: دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها -أبو سفيان بن حرب- فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة -خَلوقٌ أو غيره- فدهنت منه جارية ثم مست بعارضـيها، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر؛ أن تُحِدَّ على ميت فوقَ ثلاث ليال؛ إلا على زوج أربعة أشهر وعشـرًا».

قالت زينب: فدخلت على زينب ابنة جحش حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمست منه، ثم قالت: أما والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر؛ أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال؛ إلا على زوج أربعة وعشـرًا».

قالت زينب: وسمعت أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا» مرتين أو ثلاثًا؛ كل ذلك يقول: «لا»، ثم قال رسول الله ﷺ: «إنما هي أربعة أشهر وعشـر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول».

قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها، دخلت حفشًا، ولبست شـر ثيابها، ولم تمس طيبًا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة -حمار أو شاة أو طائر- فتفتض به، فَقَلَّما تفتض بشـيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة، فترمي بها، ثم تراجع بعدُ ما شاءت من طيب أو غيره. سئل مالك: ما تفتض به؟ قال: تمسح به جلدها[3].

وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوجها»[4].

قال ابن القيم رحمه الله: (وأجمعت الأمة على وجوبه على المتوفى عنها زوجها، إلا ما حكي عن الحسن والحكم بن عتيبة)[5]. وكذلك نقل الإجماع: القرطبي، وابن قدامة، والنووي، وغيرهم[6].

أحكام الإحداد:

(1) يلزم المرأةَ الإحدادُ ما دامت في العدة، فإن كانت حاملًا فبوضع حملها، وإن كانت غير حامل فأربعة أشهر وعشـرًا.

(2) الإحداد عام لكل متوفى عنها زوجها؛ سواء دخل بها أو لم يدخل بها، وسواء كانت صغيرة أو كبيرة، وسواء كانت مجنونة أو عاقلة، وسواء كانت حرة أو أمة، وسواء كانت الزوجة مسلمة أو ذمية، ولا يعارض ذلك قوله ﷺ في الحديث: «تؤمن بالله واليوم الآخر»؛ لأن المقصود به الإغراء، وليس قيدًا في الحكم.

(3) يجوز الإحداد على غير الزوج ثلاثة أيام فقط، ولكن لا يجب، فهو على الزوج واجب، وعلى غير الزوج جائز. قال ابن حجر رحمه الله: (وأباح الشارع للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثة أيام؛ لما يغلب من لوعة الحزن، ويهجم من ألم الوجد، وليس ذلك واجبًا؛ لاتفاقهم على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحل لها منعه في تلك الحال)[7].

(4) لا إحداد على غير الزوجات؛ لنص الآية والأحاديث في ذلك، فإذا مات السـيد فلا تحد عليه أم الولد، وكذلك الأمة التي كان يطؤها سـيدها، ولا المرأة الموطوءة بشبهة؛ لأنها ليست زوجة، ولا المزني بها؛ لأنها ليست بزوجة.

ما يجب على الحادَّة اجتنابه:

[تمهيد]

عن أم عطية رضي الله عنها قالت: «كنا ننهى أن نُحد على ميت فوق ثلاث؛ إلا على زوج أربعة أشهر وعشـرًا، ولا نكتحل، ولا نطيب، ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب[8]، وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة[9] من كُسْت أظفار[10]، وكنا ننهى عن اتباع الجنائز»[11].

وعن زينب ابنة أم سلمة، عن أمها رضي الله عنها أن امرأة توفي زوجها، فخشوا على عينها، فأتوا رسول الله ﷺ، فأستأذنوه في التكحيل، فقال: «لا تكتحل؛ قد كانت إحداكن تمكث في شـر أَحْلاسها -أو شـر بيتها- فإذا كان حول فمر كلب رمت ببعرة، فلا؛ حتى تمضـي أربعة أشهر وعشـر»[12].

وعن أم عطية رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «لا تحد المرأة فوق ثلاث، إلا على زوج؛ فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشـرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيبًا إلا أدنى طهرتها إذا طهرت من محيضها بنبذة من قسط أو أظفار»، وفي رواية مكان عصب: «إلا مغسولا»، وزاد في رواية: «ولا تختضب»[13].

وعن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي ﷺ أنه قال: «المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا المُمَشَّقة، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل»[14].

مما تقدم من هذه الأحاديث يتضح أن المعتدة من وفاة تمتنع من الآتي:

(أ) الكحل:

قال ابن حزم رحمه الله: (وفرض على المعتدة من الوفاة أن تجتنب الكحل كله؛ لضـرورة، أو لغير ضـرورة، ولو ذهبت عيناها، لا ليلًا ولا نهارًا، وأما الضِّماد فمباح لها)[15].

وقد ذهب جمهور العلماء إلى جواز الكحل بالإثمد لضـرورة التداوي -لا للزينة- ليلًا وتمسحه نهارًا، وقد استدلوا بحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة، وقد جعلت على عيني صبرًا، فقال: «ما هذا يا أم سلمة؟» فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله، ليس فيه طيب، قال: «إنه يشب الوجه[16]؛ فلا تجعليه إلا بالليل، وتنزعيه بالنهار...» الحديث[17]، وهو حديث ضعيف مسلسل بالمجاهيل، وفيه انقطاع.

وعلى هذا فلا يصح الجمع بين هذا الحديث الضعيف، وأحاديث النهي عن الكحل مطلقًا، وهي أحاديث صحيحة؛ خاصة أنه يمكن للمرأة أن تعالج عينها -إن احتاجت لذلك- بغير الكحل من المستحضـرات الطبية؛ كالقطرة والمراهم، والحمد لله على تيسـيره.

(ب) الطيب:

قال ابن قدامة رحمه الله: (ولا خلاف في تحريمه عند من أوجب الإحداد)[18]. وقال ابن القيم رحمه الله: (ويدخل في الطيب: المسك والعنبر والكافور والنَّدُّ والغالية والزَّبَاد والذَّرِيرة والبَخور، والأدهان المُطيِّبة كدهن البان والورد والبنفسج والياسَمين، والمياه المعتصـرة من الأدهان الطيبة؛ كماء الورد وماء القَرَنفُل وماء زهر النارَنج، فهذا كله طيب، ولا يدخل فيه الزيت ولا الشـيرج ولا السمن ولا تمنع من الادِّهان بشـيء من ذلك)[19].

قلت: وقد أباح الشـرع للحادة عند انتهاء الحيض أن تمس نبذة من قسط أظفار، وهي نوع من الطيب، ويسمى العود اليمني يذهب رائحة الدم، فيباح للمرأة استخدامه لتزيل رائحة الدم عن فرجها. و(أظفار) مدينة باليمن نسب إليها هذا العود.

(جـ) الخضاب:

قال ابن قدامة رحمه الله: (فيحرم عليها أن تختضب، وأن تحمِّر وجهها بالكَلْكُون، وأن تبيضه بأسفيداج العرايس، وأن تجعل عليه صَبِرًا يصفره، وأن تنقش وجهها ويديها، وأن تحفف وجهها، وما أشبهه مما يحسنها)[20]. قلت: وكذا يحرم عليها التزين بجميع وسائل التجميل الحديثة؛ كالمكياج.

(د) الثياب المصبوغة والمعصفرة والممشقة[21]:

قال ابن القيم رحمه الله: (فيحرم عليها ما نهاها عنه النبي ﷺ وما هو أولى بالمنع منه، وما هو مثله، وقد صح عنه أنه قال: «ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا»، وهذا يعم المعصفر، والمزعفر، وسائر المصبوغ بالأحمر والأصفر والأخضـر والأزرق الصافي، وكل ما يصبغ للتحسـين والتزين، وفي اللفظ الآخر: «ولا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشق»، وها هنا نوعان آخران:

أحدهما: مأذون فيه؛ وهو ما نسج من الثياب على وجهه ولم يدخل فيه صبغ؛ من: خز، أو قز، أو قطن، أو كتان، أو صوف، أو وبر، أو شعر، أو صبغ غزله ونسج مع غيره كالبرود.

والثاني: ما لا يراد بصبغه الزينة؛ مثل السواد، وما صنع لتقبيح أو ليستر الوسخ؛ فهذا لا يمنع منه)[22].

وأما قوله ﷺ: «إلا ثوب عصب»؛ فقد فسَّـره بعض العلماء بأنه الذي يصبغ غزله، ثم ينسج، وعلى هذا أجازوا هذا النوع من الثياب، ولا يخفى أنه يشترط في ذلك ألا يكون الثوب زينة في نفسه. وقد أنكر بعض العلماء هذا التفسـير لـ«العصب» وقالوا: الصحيح أنه نبت تصبغ به الثياب، فأباح النبي ﷺ هذا النوع من الصبغ دون غيره، وهذا ما رجحه ابن قدامة رحمه الله في المغني[23].

وعلى هذا فتمنع المرأة من الثياب المصبوغة، لكن لا يعني ذلك أنها تمنع من حسان الثياب غير المصبوغة، إذا كان حسنه من أصل خلقته؛ سواء كان من كتان أو قطن أو حرير[24].

فعلى هذا لا تمنع المرأة من الثوب الأبيض؛ لأنه غير مصبوغ؛ قال ابن المنذر رحمه الله: (ورخص كل من أحفظ عنه في لباس البياض)[25].

وقال ابن حجر رحمه الله: (قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفرة، ولا المصبغة، إلا ما صبغ بسواد؛ فرخص فيه مالك والشافعي؛ لكونه لا يتخذ للزينة، بل هو من لباس الحزن، وكره عروة العصب أيضًا، وكره مالك غليظه. قال النووي رحمه الله: الأصح عند أصحابنا تحريمه مطلقًا، وهذا الحديث حجة لمن أجازه. وقال ابن دقيق العيد رحمه الله: يؤخذ من مفهوم الحديث جواز ما ليس بمصبوغ، وهي الثياب البيض، ومنع بعض المالكية المرتفع منها الذي يتزين به، وكذلك الأسود إذا كان مما يتزين به)[26].

(هـ) الحلي:

قال ابن قدامة رحمه الله: (فيحرم عليها لبس الحلي كله؛ حتى الخاتم في قول عامة أهل العلم)[27]. وقال النووي رحمه الله: (ويحرم حلي الذهب والفضة، وكذلك اللؤلؤ، وفي اللؤلؤ وجه أنه يجوز)[28]. قلت: ظاهر الحديث يشمل كل ما تتحلى به المرأة؛ من ذهب أو فضة أو جواهر ويواقيت، وسواء كان الحلي في الأذنين أو على الرقبة أو في اليدين أو الرجلين أو غير ذلك.

وأما ما لا تمنع منه فعلى التفصـيل الآتي:

(1) لا تمنع الحادة من التنظيف، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، ولا من الاغتسال، ولا من الامتشاط، ولا تمنع من لبس النقاب؛ إذ لا دليل على ذلك.

(2) ولا تمنع كذلك من تناول أي نوع من الأطعمة والفواكه والأشـربة، مما أباحها الله عز وجل ؛ حتى لو كان لها رائحة طيبة.

(3) تقدم أنها تمنع من الطيب، ولكن يجوز لها أن تشمه؛ لأن ذلك لا يَعْلَق بها.

(4) إذا كان الحلي عليها حين موت زوجها؛ فإنها تخلعه، إلا ما لا تقدر عليه كالسن من الذهب؛ فإنه قد وضع للضـرورة.

(5) اعلم أن الأحاديث قد وردت في النهي عن لبس المعصفر، وعن لبس الحلي، لا عن سترها؛ فلا يجوز للحادة أن تلبس هذه الثياب والحلي حتى لو كانت غير ظاهرة للناس، بأن تكون مثلًا تحت ثياب أخرى، فهي ممنوعة عن لبسها مطلقًا.

(6) اعتاد النساء أن يلبسن السواد في الحداد، ولا دليل على إلزام المرأة بالسواد إلا في الثلاثة الأيام الأولى فقط من وفاة زوجها، ولها بعد ذلك أن تلبس الثياب المأذون لها فيها، وتجتنب الثياب المنهي عنها طَوال مدة الإحداد؛ وذلك لما ثبت في الحديث عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال لها لما أصـيب زوجها جعفر: «تسلَّبي ثلاثًا، ثم اصنعي ما شئت»[29]. ومعنى «تسلبي»: البسـي ثوب السِّلاب وهو الحداد، وقيل: هو ثوب أسود تغطى به المحدَّة رأسها.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة