ثانيًا: النفقة على الأقارب:
هي الرابطة الأسـرية التي تقوم على قرابة الدم، وصلة النسب، وتشمل:
(أ) الأصول: وهم الأب والجد وإن علا، والأم والجدة وإن علت.
(ب) الفروع: وهم الأولاد وإن نزلوا.
(جـ) الحواشـي: وهم الإخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمات والأخوال والخالات وأولادهم جميعًا.
الأدلة على وجوب نفقة الأقارب:
قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة:233]، وقال تعالى: ﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ﴾ [البقرة:233].
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول اللهﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أبوك، ثم أدناك أدناك»[1]. وتقدم في حديث هند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»[2].
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم؛ فكلوه هنيئًا»[3].
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شـيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شـيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك فهكذا وهكذا»[4].
فهذه الأحاديث فيها دليل على وجوب النفقة على الأقارب.
قال ابن القيم رحمه الله: (وهذا الحكم من النبي ﷺ مطابق لكتاب الله تعالى؛ حيث يقول: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ﴾ [البقرة:233]، فأوجب الله تعالى على الوارث مثل ما أوجب على المولود له)[5].
وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب كثيرة، ولهم تفريعات فيمن تجب عليهم النفقة، تجدها في كتب الفقه المطولات، ولا يسعها هذا المختصـر، وإنما أبين خلاصة ما ترجح لدي، وهو أن النفقة تجب بشـيئين كما قال ابن القيم رحمه الله: (بالميراث بكتاب الله، وبالرحم بسنة رسول الله)[6]؛ أي: أن ابن القيم يرجح أن النفقة تجب بسببين: بسبب الإرث (وهم الذين يستحقون الإرث)، وبسبب المحرمية (وهم ذوو القرابة التي يحرم الزواج بسببها)[7].
فالمقصود بالميراث بكتاب الله قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ﴾ ، والمقصود بالرحم بسنة رسول الله ما تقدم من الأحاديث. وعلى هذا فيكون وجوب النفقة على النحو الآتي:
(أ) يجب على الإنسان؛ سواء كان رجلًا أو امرأة، كبيرًا أو صغيرًا؛ أن يبدأ بالنفقة على نفسه بما لا بد له منه ولا غنى له عنه.
(ب) فإن فضل له مال؛ فإنه يجب عليه النفقة على الوالدين والأجداد والجدات وإن علوا، وعلى أولاده الذكور والإناث وبنيهم وإن نزلوا، والإخوة والأخوات، ويقدم في ذلك الأقرب في الميراث، ويشترط لذلك أن يكونوا فقراء لا مال لهم ولا كسب يستغنون به عن إنفاق غيرهم، وأن يكون من يجب عليه النفقة موسـرًا، إلا في حالة نفقة الأب على أولاده؛ فإنه لا يشترط يسار الأب، ولا تسقط عنه النفقة إلا بالعجز الكلي.
(جـ) فإن فضل معه شـيء أنفق على ذوي رحمه المحرمة وموروثيه إن كانوا فقراء ولا عمل يقومون به، وهم الأعمام والعمات، والأخوال والخالات.
ويتفرع عن هذا الحكم ما يلي:
(1) إذا اختلف دينهما؛ فإن كان في عمودي النسب (وهما الأصل والفرع) وجبت النفقة أيضًا، وأما إن كان في غير عمودي النسب فينظر:
(أ) إن كانت النفقة وجبت بسبب الرحم أنفق عليهم أيضًا.
(ب) وإن كانت بسبب الميراث فإنه لا ينفق عليهم؛ لأنه لا توارث بينهما.
(2) إذا كان القريب الفقير محجوبًا عن الميراث بمن هو أقرب منه؛ فينظر:
(أ) فإن كان الأقرب موسـرًا فالنفقة عليه.
(ب) وإن كان الأقرب معسـرًا انتقلت النفقة إلى الأبعد إذا كان الموسـر في عمودي النسب خاصة، وأما إن كان من غير عمودي النسب فلا تجب عليه النفقة.
مثال: ابن فقير له أب معسـر، وجدٌّ موسـر، فإنه من المعلوم أنه إذا مات هذا الابن فإن هذا الجد لا يرثه؛ لأنه محجوب عنه بأبيه (أعني أبا الابن) لكنه في باب النفقة حيث إنه من عمود النسب فإنه يجب على هذا الجد النفقة، وذلك لأن الأب معسـر، لا يمكن أن ينفق على الجد، وأما إن كان الأب موسـرًا فالنفقة عليه لا على الابن.
مثال آخر في غير عمود النسب: رجل فقير له ابن فقير وأخ موسـر، فإن هذا الرجل إذا مات فالأخ لا يرثه لأنه محجوب بابن هذا الرجل، وحيث إن الأخ ليس من عمود النسب فلا يجب عليه النفقة على أخيه، ومن المعلوم أنه إذا لم يكن لهذا الرجل الفقير ابن فإن النفقة تجب على أخيه الموسـر؛ لأنه من ذوي الميراث.
(3) يجب نفقة الأب على أولاده؛ سواء كانوا بالغين أو غير بالغين، ذكورًا أو إناثًا، ما داموا فقراء لا يستطيعون أن يقوموا بما يكفيهم، وذلك حتى يكتسب الذكور، وتتزوج النساء.
(4) يلزم الرجلَ إعفافُ ابنه إذا احتاج إلى النكاح[8] ولم يجد ما يعف به نفسه، بل يجب إعفاف من لزمته نفقته من الآباء والأجداد. قال القاضـي أبو يعلى رحمه الله: (وكذلك يجيء في كل من لزمته نفقته من أخ وعم وغيرهم). وقال ابن قدامة: (وكل من لزمه إعفافه لزمه نفقة زوجته؛ لأنه لا يتمكن من الإعفاف إلا بذلك).
(5) إذا خالعت المرأة زوجها، وأبرأته من حملها، لم يكن لها نفقة ولا للولد حتى تفطمه.
(6) لا يكلف أحد أن ينفق على قريبه إذا كان هذا القريب قادرًا على المعاش والتكسب.
وعليه أن يصون آباءه وزوجاته عن خسـيس الكسب إن قدر على ذلك.
(7) قال ابن حزم رحمه الله: (ويلزم المرأةَ كلُّ ما ذكرنا مما يلزم الرجل، إلا نفقة الولد، فما دام الأب قادرًا عليها فليس على المرأة من ذلك شـيء.. فإن عجز الأب عن ذلك أو مات ولا مال لهم، فحينئذ يقضـى بنفقتهم وكسوتهم على أمهم؛ لقول الله عز وجل: ﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾ [البقرة:233])[9].