حجم الخط:

محتوى الدرس (175)

ثبوت النسب

خريطة ذهنية لأحكام ثبوت النسب

جدول 93 مسائل ثبوت النسب

معنى النسب:

هو صلة القرابة بالآباء والأجداد، والمقصود هنا لحوق الولد بأبويه.

العناية بالنسب:

عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من ادَّعى إلى غير أبيه، وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام»[1].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «من ادعى إلى غير أبيه، أو تَولَّى غيرَ مواليه، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين»[2].

ولم يشـرع الإسلام للنسب إلا الزواج الشـرعي، أو ملك اليمين، وأبطل ما سوى ذلك، فجعله عدوانًا وظلمًا.

ولم يبح الإسلام التبني؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴿ ٤ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [الأحزاب:4، 5].

أسباب ثبوت النسب:

أولًا: بالنسبة للأم:

يثبت النسب بمجرد ولادته منها، إثر زواج صحيح أو فاسد، أو وطء بشبهة، أو زنا.

ثانيًا: بالنسبة للأب:

ينسب له الولد بالفراش، أو الإقرار الصحيح، أو البينة، أو القافة، والثلاثة الأولى متفق عليها. وسوف أبين معنى هذه الطرق وشـروطها فيما بعد.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة في غلام، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عُتبة بن أبي وقاص؛ عهد إليَّ أنه ابنه، انظر إلى شبهه! وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله؛ ولد على فراش أبي من وليدته. فنظر رسول الله ﷺ فرأى شبهًا بينًا بعتبة، فقال: «هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة»، فلم تره سودة قط[3].

شرح الحديث:

(أ) أن وليدة - يعني أمة - ولدت غلامًا، وهذه الأمة مِلْك لـ«زمعة» والد «عبد»، وهو أيضًا والد «سودة» زوج النبي ﷺ؛ أي أن سودة أخت عبد.

(ب) اختصم في هذا المولود رجلان: الأول: سعد بن أبي وقاص؛ حيث ادعى أنه ابن أخيه «عتبة»، حيث أوصـى سعدًا بذلك؛ أن هذا المولود ابنه (وهذا يعني أنه زنا بهذه الأمة فحملت منه)[4]، واحتج سعد بالشبه حيث إن بالمولود شبهًا بعتبة[5]. والثاني: عبد بن زمعة أخو سودة؛ حيث قال: إنه أخي؛ لأنه ولد من (أمة أبيه) فهو أحق به.

(جـ) فحكم النبي ﷺ لعبد بن زمعة أنه له، مع أن الشبه قوي بعتبة أخي سعد، وعلل ذلك بأن «الولد للفراش»؛ أي: لصاحب الفراش، وهو الزوج أو السـيد، وأما الزاني فلا شـيء له؛ «وللعاهر الحجر».

(د) ولكن لما كان الشبه قويًّا احتاط النبي ﷺ فقال لسودة: «احتجبي منه»، مع أنه حكم أنه أخوها، لكنه من باب الاحتياط أمرها بالاحتجاب.

طرق ثبوت النسب:

[إجمال]

سبق ذكر أن النسب يثبت بالفراش، أو الإقرار، أو البينة، أو القافة، وفيما يلي أبين شـروط هذه الطرق:

أولاً: شروط ثبوت النسب بالفراش:

والمقصود بالفراش (الزوجة، أو الأمة الموطوءة)، ويشترط لذلك:

(أ) وجود عقد الزوجية الصحيح بين الزوجين، وكذلك التسـري بالأمة على الراجح؛ لحديث عائشة السابق.

(ب) أن يتحقق الفراش، وهو تحقق اجتماعه بها ووطئه إياها، وعلى هذا إذا عقد عليها ولم يدخل بها، ثم ولدت فلا يكون له؛ لأنه لم يتحقق دخوله بها[6]، وأما الأمة فيكفي في ذلك إقراره بأنه وطئها.

(جـ) أن تلد المولود في مدة لا تقل عن ستة أشهر منذ تحقق وطئها، وأما إذا ولدته لأقل من ذلك فلا ينسب إليه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ، وقال: ﴿ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ؛ فتبين بذلك أن أقل الحمل ستة أشهر.

(د) أن يكون الزوج ممن يولد لمثله.

ويتفرع عن ثبوت النسب ما يلي:

(1) إذا زنا بامرأة فلا يلحق به الولد، ولا ينسب إليه، حتى لو تزوجها بعد ذلك، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء. وذهب فريق من أهل العلم -منهم إسحاق بن راهويه وشـيخ الإسلام ابن تيمية- إلى أن الزاني إذا استلحق الولد الذي خلق من مائه ولم يدَّعِه أحد غيره، فإنه يلحق به، (وهذا من حيث النسب، وأما من حيث الميراث فلا توارث بينهما)، وحملوا حديث «الولد للفراش وللعاهر الحجر» على ما إذا كان هناك نزاع على المولود كما هو وارد في الحديث. فإن كان هكذا فإنما ينسب إلى الزاني من حيث التحريم والبعضـية[7]، (أي لكي يعرف من المحرمات عليه من النساء مثلا)، ولكن لا يدخل في باب الميراث والنفقة والولاية وغيرها.

(2) إذا كانت له أمة، واعترف بوطئها في الفرج أو دونه، فولدت لنصف سنة أو أزيد؛ لحقه ولدها، وفي هذه الحالة تكون الأمةُ (أُمَّ ولدٍ)، وتعتق بموت سـيدها.

(3) ثبوت النسب بالفراش هو أقوى أسباب النسب، ولذا إذا تعارض معه الشبه قدم عليه الفراش؛ لأنه أقوى، وذلك ما يؤيده الحديث السابق.

(4) إذا وطئ الرجل المرأة بشبهة؛ كأن يعتقد صحة عقد النكاح -والعقد باطل- أو كان لا يعلم أنها محرمة عليه (كأن تكون أخته من الرضاعة) ثم تبين له غير ذلك، ففي كل هذه الحالات ينسب له الولد.

ثانيًا: الاستلحاق (الإقرار):

وذلك إذا استلحقه؛ أي: أقر أنه ابنه، أو استلحقه الورثة أي أقروا بأنه أخوهم، ويشترط لصحة هذا الإقرار شـروطٌ:

(1) أن يكون المقر مكلفًا؛ أي: عاقلًا، بالغًا، مختارًا غير مكره.

(2) أن يكون الولد (المُقَرُّ له) مجهولَ النسب، فإن كان معلوم النسب لم يصح الإقرار.

(3) أن يكون المقر ممن يولد مثله لمثله عادة، ويصح أن يكون أبًا له باعتبار السن، وإلا كان مكذبًا في الظاهر، فإذا أقر لرجل يكبره سنًّا أنه ابنه دل ذلك على كذبه في إقراره.

(4) ألَّا يكون الإقرار عن زنا (لأنه لا يثبت به النسب على الصحيح).

وفي المسألة فروع متعلقة به، يمكن الرجوع إليها في المطولات.

ثالثًا: البينة:

قال ابن القيم رحمه الله: (وذلك بأن يشهد شاهدان أنه ابنه، أو أنه ولد على فراشه من زوجته، أو أمته، وإذا شهد بذلك اثنان من الورثة لم يلتفت إلى إنكار بقيتهم، ولا يعرف في ذلك نزاع)[8].

رابعًا: القيافة:

القائف: هو الذي يعرف الشبه، ويميز الأثر[9].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل على رسول الله ﷺ ذات يوم تبرق أسارير وجهه، فقال: «ألم تري أن مُجَزِّزًا المدلجي نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، وعليهما قطيفة، قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامها، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض؟»[10]. والمعنى: أن مجززًا المُدلجى، وكان قائفًا، نظر إلى أرجل زيد وابنه، وحكم أن بعضهم من بعض، وقد سـر النبي ﷺ؛ لأنهم كان يقدحون في نسب أسامة؛ لأنه كان أسود شديد السواد، وكان أبوه أبيض من القطن.

ويتعلق بالقيافة ونحوها ما يلي:

(1) اعلم أن أقوى أسباب ثبوت النسب هو الفراش، فإذا تعارض مع الشبه، فالحكم للفراش، كما تقدم في قصة «وليدة زمعة»، وتنازع سعد وعبد فيها.

(2) اعلم أن الولد إذا جاء على غير لون أبيه، فإن هذا لا يقدح في نسبه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي جاءت بولد أسود، فقال: «هل لك من إبل؟» قال: نعم، قال: «ما ألوانها؟» قال: حمر، قال: «هل فيها من أورق؟» قال: إن فيها لَوُرقًا، قال: «فأنى تُراه؟» قال: عسـى أن يكون نَزَعه عِرْق، قال: «وهذا عسـى أن يكون نزعه عرق»[11]. و«الأورق»: الذي فيه سواد ليس بحالك. والمقصود بـ«نزعة عرق» أي: جذبه الأصل من النسب، أي: لعل هذا موجود في عمود النسب من جهة الأم أو من جهة الأب.

(3) يمكن الاستفادة من الطرق الطبية في معرفة (الجينات) في ثبوت النسب، ويكون هذا قائمًا مقام القيافة، فلا تقدم على الفراش؛ لأنه أقوى الأسباب.

(4) لا يجوز لأحد أن يأخذ (لقيطًا) مجهول النسب، فينسبه إليه، ويسجل ذلك في السجلات الرسمية؛ لأن الله عز وجل حرَّم التبني، وقال: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ [الأحزاب:5]، ولكن يجوز أن يكفله دون أن ينسبه إليه، وسـيأتي مزيد لذلك في باب اللقيط[12].

(5) تسجيل أسماء المواليد في السجلات الرسمية عمل حسن، وقد جعله القانون حجة في إثبات النسب، إلا إذا ثبت عكسها، أو بطلانها، أو تزويرها[13].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة