حجم الخط:

محتوى الدرس (182)

ثانيًا: محرمات بسبب الغرر:

[تمهيد]

الغرر لغة: الجهل والخطر، والغرر: الخداع والإطماع بالباطل[1].

عن أبي هريرة رضي الله عنه قل: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر»[2].

قال الخطابي رحمه الله: (أصل الغرر ما طوي عنك علمه، وخفي عليك باطنه وسـره... وكل بيع كان المقصود منه مجهولًا غير معلوم، ومعجوزًا عنه غير مقدور عليه فهو غرر، وذلك مثل أن يبيعه سمكًا في الماء، أو طيرًا في الهواء، أو لؤلؤة في البحر، أو عبدًا آبقًا، أو جملًا شاردًا، أو ثوبًا في جراب لم يره ولم ينشـره، أو طعامًا في بيت لم يفتحه، أو ولد بهيمة لم يولد، أو ثمرة شجر لم تثمر، ونحوها من الأمور التي لا تعلم، ولا يدرى هل تكون أم لا، فإن البيع فيها مفسوخ)[3].

ويتعلق ببيع الغرر ما يلي:

(1) بيع الغرر حرام، ويدخل تحته أبواب كثيرة، فهو أصل من أصول البيوع المحرمة.

(2) إذا كان الغرر يسـيرًا تدعو إليه الحاجة أو يتسامح الناس بمثله، فلا يؤثر ذلك في البيع؛ ومن أمثلة ذلك: الجهالة بأساس الدار، ومنها: بيع الجبة المحشوة وإن لم ير الحشو، ومنها: جواز إجارة الدار شهرًا علمًا بأن الشهر قد يكون ثلاثين يومًا، وقد يكون تسعة وعشـرين يومًا.

(3) إن كانت له بركة فيها سمك يمكن اصطياده، والماء رقيق لا يمنع مشاهدته، صح بيعه؛ لأن هذا ليس غررًا؛ حيث إن السمك مشاهد معلوم.

(4) العلة في تحريم بيع الغرر أنه أكل مال بالباطل، ولأن البيع بالغرر فيه معنى القمار والميسـر.

قلت: ومن أسباب الغرر: الجهالة، أو كون المبيع معدومًا، أو عدم القدرة على التسليم، ومن أمثلة ذلك:

(1) النهي عن بيع الحصاة:

وهو نوع من الغرر، واختلف في تفسـيره:

فقيل: هو أن يقول: ارم بهذه الحصاة، فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بكذا.

وقيل: هو أن يبيعه من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة.

وقيل: هو أن يقبض على كف من حصاة، ويقول: لي بعدد ما خرج في القبضة من الشـيء، أو يبيعه سلعة ويقبض على كف من حصاة، ويقول: لي بكل حصاة درهم.

(2) النهي عن الملامسة والمنابذة:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الملامسة والمنابذة في البيع»[4]؛ والملامسة: لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو النهار ولا يقلبه. والمنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض.

ومعنى «ينبذ»: يخرج ويبرز؛ فهذا البيع بهذه الصورة لا يصح، لما فيه من الجهالة. وقد ذكر العلماء لمعنى المنابذة والملامسة صورًا أخرى غير ما تقدم في الحديث، وهي باطلة على جميع صورها.

(3) النهي عن المزابنة:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه «أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة والمحاقلة»[5]. و«المزابنة»: شـراء الثمر بالتمر على رءوس النخل. وفسـر ابن عمر المزابنة فقال: هي أن يبيع ثمر حائطه (بستانه) بتمر كيلًا إن كانت نخلًا، أو زبيب إن كانت كرمًا (عنبًا) أو حنطة إن كانت زرعًا[6].

قلت: ومعنى ما تقدم أنهم يقدرون التمر الذي على النخل دون أن يقطع، فيقدرونه ويبيعونه بناءً على هذا التقدير بتمر عند المشتري بالكيل، فهذا البيع بهذه الصورة لا يجوز.

ولم يرخص في هذا البيع إلا في «العرايا» للحاجة، وسـيأتي تفصـيل «العرايا»[7] فيما بعد.

(4) النهي عن المحاقلة:

يدخل في هذا النوع ما يسمى بيع «المحاقلة»، وجاء في تفسـيرها أن يبيع الحقل (الحب في سنبله) بكيل من الطعام معلوم، وهو بهذا التعريف يشبه «المزابنة»، لكنه خاص بالزرع (الحبوب) فقط. وعرَّفه بعضهم بأن يؤجر الأرض ببعض ما ينبت منها، وتسمى هذه المعاملة أيضًا «المخابرة»، وهي بهذا التعريف لها حالتان:

الأولى: أن يؤجر الأرض ببعض ما يخرج منها (مشاعًا)؛ كأن يؤجرها بربع المحصول أو بثلثه، فهذه الحالة جائزة.

الثاني: أن يؤجرها ببعض المحصول من مكان معين من الأرض، مثل أن يؤجرها على أن يكون ربع الأرض الشـرقي أو الغربي أو القريب من الماء له، فهذا لا يجوز؛ لما فيه من الغرر، ولوقوع المنازعات.

(5) النهي عن بيع السنين (المعاومة):

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة، والمزابنة، والمعاومة، والمخابرة، وعن الثنيا، ورخص في العرايا»[8].

والمقصود ببيع «المعاومة»: بيع السنين؛ كأن يشتري ثمر الشجر لمدة عامين أو ثلاثة أو أكثر؛ فهذا لا يجوز. قال ابن المنذر رحمه الله: (وأجمعوا على أن بيع الثمار بالسنين لا يجوز)[9].

(6) النهي عن الثنيا:

المقصود «بالثنيا»: الاستثناء في البيع.

والاستثناء في البيع قسمان:

الأول: استثناء (غير محدد)؛ كأن يقول له: بعتك هذه الأشجار أو هذه الثياب إلا بعضها، فلا يصح البيع، لجهالة المستثنى.

الثاني: استثناء (محدد)؛ كأن يقول له: بعتك هذه الأشجار إلا هذه الشجرة، أو بعتك هذه الثياب إلا هذا الثوب، فهذا جائز؛ لعدم الجهالة.

(7) النهي عن بيع حبل الحبلة:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه «أن رسول الله ﷺ نهى عن حَبَلِ الحَبَلة»، وكان بيعًا يتبايعه أهل الجاهلية؛ كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تُنتَج الناقة، ثم تُنتَج التي في بطنها[10]. ومعنى «الجزور»: الجمل، و«تُنتج»: أي: تلد.

(8) النهي عن بيع المضامين والملاقيح:

قال ابن المنذر رحمه الله: (وأجمعوا على تحريم بيع المضامين والملاقيح)[11]. ومعنى «المضامين»، أي: ما في أصلاب العجول. و«الملاقيح»: ما في بطون الأنعام وهو الأجنة، فكانوا يبيعون الجنين في بطن أمه، وما يضـربه الفحل في عامه، أي: يبيعون ما ينزو به الذكر على الأنثى أو الإناث خلال العام، وهو بيع فيه جهالة وغرر.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة