الفصل الثاني: محرمات لا تتعلق بالعقد:
ويندرج تحت هذا الفصل الأنواع الآتية:
أولاً: ما حرم بسبب الخداع والتدليس:
وهو الغش، وإطماع الآخر بالباطل؛ كالكذب وإخفاء عيب السلعة؛ قال رسول الله ﷺ: «من غشنا فليس منا»[1]. فالخداع والتدليس له صور؛ نذكر منها:
(1) النهي عن تصـرية الإبل والغنم:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لا تُصـروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد، فهو بخير النَّظَرين بعد أن يحلبها؛ إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعًا من تمر»[2].
و«التصـرية» من صـريت اللبن في الضـرع: إذا جمعته، وذلك بأن يربط ضـرع الماشـية ولا يحلبها، فيجتمع اللبن في ثديها، فيظن المشتري أنها هكذا حلوبة، ويقال للماشـية إذا صـريت: «مُصـراة»، ويقال لها أيضًا: «محفلة»؛ لأن التحفيل بمعنى التجميع. قال الشافعي رحمه الله: (هو ربط أخلاف الناقة أو الشاة، وترك حلبها حتى يجتمع لبنها فيكثر، فيظن المشتري أن ذلك عادتها، فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها)[3]. والمقصود بـ«أخلاف الناقة»: ثديها.
وقد دل الحديث على تحريم التصـرية للإبل والغنم، ويدخل في ذلك أيضًا البقر. والعلة في هذا النهي هي التدليس على المشتري؛ لأنه قد يظنها هكذا حلوبًا، وليست كذلك.
وإذا تم التعامل بالبيع والشـراء، ثم تبيَّن للمشتري بعد حلبها أنه غرر به وخدع، فهو بالخيار، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها، ورد معها صاعًا من تمر، وقد أعطاه الشـرع الحق في هذا الخيار مدة ثلاثة أيام، كما ورد في إحدى روايات مسلم.
واختلف العلماء في بداءة هذه الثلاث؛ فقيل: من بعد تبيَّن التصـرية، وقيل: من عند العقد، وقيل: من التفرق.
(2) النهي عن النَّجْش:
عن ابن عمر رضي الله عنه قال: «نهى النبي ﷺ عن النَّجْش»[4]. ومعنى «النجش»: الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شـراءها؛ ليقع غيره فيها[5].
قال الشافعي رحمه الله: (النجش: أن يحضـر السلعة تباع فيعطي بها الشـيء، وهو لا يريد شـراءها ليقتدي به السُّوَّام، فيعطون بها أكثر مما كانوا يعطون لو لم يسمعوا سَوْمَه)[6].
مثال: رجل يريد بيع سـيارة، ووقف المشترون يساومون في السعر، فيقوم شخص آخر -لا يريد الشـراء- فيذكر سعرًا كبيرًا لكي يظن الناس أن هذه السـيارة تستحق هذا السعر، ففعله هذا يقال عنه: «نجش».
قال ابن بطال رحمه الله: (أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله)[7].
قلت: سواء كان ذلك من نفسه دون مواطأة واتفاق مع البائع، أو كان بمواطأة معه، وفي هذه الحالة يكون البائع أيضًا عاصـيًا.
ولكن ما حكم البيع إذا كان بهذه الصورة؟
اختلف العلماء فيه على أقوال:
الأول: فساد البيع، وهو قول أهل الظاهر، ورواية عن مالك.
الثاني: فساد البيع إذا كان بمواطأة البائع، وهو المشهور عند الحنابلة.
الثالث: ثبوت الخيار، وهو المشهور عند المالكية، وهو وجه للشافعية.
الرابع: صحة البيع مع الإثم، وهو الصحيح عند الشافعية، وهو قول الحنفية.
والراجح في ذلك القول الثالث، وهو الذي رجَّحه ابن تيمية رحمه الله لأن النهي لم يكن لحق الله، بل لحق الآدمي، فهو بالخيار إن شاء رد البيع، وإن شاء رضـي به[8].
ملحوظة: يرى بعض أهل العلم أن التحريم المذكور، إذا زاد عن ثمن المثل، وأما إذا رأى رجلًا يبيع بأقل من ثمن المثل، فنجش لكي يبلغه قيمتها، لم يكن عاصـيًا؛ لأنه من باب النصـيحة، وقد اعترض ابن حجر على هذا الرأي؛ قال الحافظ رحمه الله: (وفيه نظر؛ إذ لم تتعين النصـيحة في أن يوهم أنه يريد الشـراء... فللذي يريد النصـيحة مندوحة عن ذلك أن يعلم البائع بأن قيمة سلعتك أكثر من ذلك، ثم هو باختياره بعد ذلك، ويحتمل أنه لا يتعين عليه إعلامه حتى يسأله؛ للحديث الآتي: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه»[9]، والله أعلم)[10].