ثانيًا: ما حرم بسبب الإضـرار بالغير:
(1) تلقي الجلب (تلقي الركبان):
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تلقَّوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى سـيده السوق، فهو بالخيار»[1].
معنى «تلقي الجَلَب»: أي: أن التجار الذين يأتون من خارج البلد ويجلبون تجارتهم إلى السوق ولا يعرفون الأسعار، يقابلهم تجار السوق، فيشترون تجارتهم قبل أن يدخلوا بها الأسواق، ثم يتولوا هم بيعها بالسوق. ومعنى «سـيده»: أي: صاحب السلعة. قال النووي في شـرح الحديث: (وفي هذه الأحاديث تحريم تلقي الجلب، وهو مذهب مالك والشافعي والجمهور، وقال أبو حنيفة والأوزاعي: يجوز التلقي إذا لم يضـر بالناس، فإن أضـر كره، والصحيح الأول للنهي الصـريح)[2].
أولًا: الرفق بأهل البلد؛ لأن هؤلاء الذين يتلقون السلع يمنعون الرُّخْصَ على الناس؛ لأنهم يتحكمون في البضائع وأثمانها، ويبيعونها بالتدريج فيضـر ذلك بالناس، ولكن إذا دخل التجار بأنفسهم السوق عرضت بضائعهم مباشـرة وأرخصوا على الناس.
ثانيًا: الرفق بالجالبين أنفسهم؛ لأن الغالب أن هؤلاء المتلقين لهم يغبنونهم[3]، وقد يتواطؤون عليهم بجلبهم، ولذلك فإن النبي ﷺ حفظ حق الجالب، إذا أتى السوق فوجد أنه غبن في السعر؛ أنه بالخيار بين أن يفسخ العقد أو يمضـيه. وعلى هذا إذا لم يكن غبن فلا خيار له على الصحيح.
ونهيه ﷺ عن تلقي الركبان يدل على التحريم، لكن هل يقتضـي فساد العقد أم لا؟ اختلف في ذلك، والراجح أنه لا يقتضـي الفساد؛ لأن النهي لأمر خارج عن العقد، وقوله ﷺ: «فصاحب السلعة فيها بالخيار» يدل على انعقاد البيع، لكنه بالخيار عند الغبن بين إمضاء العقد وفسخه. لكن يشكل على ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنه: «كنا نتلقى الركبان، فنشتري منهم الطعام جزافًا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى نحوله من مكانه أو ننقله»[4]، فظاهر هذا الحديث يدل على أنهم كانوا يتلقون الجلب، ولم ينههم النبي ﷺ عن التلقي، إنما كان نهيه عن بيع ما اشتروه حتى يحولوه من مكانه. وقد جمع بينهما الطحاوي بأن النهي إذا كان فيه ضـرر، والإباحة حيث لا ضـرر[5].
قلت: ويمكن أن يكون معنى (التلقي الجائز) إذا كان في أعلى السوق، أي: أن الجالبين قد وصلوا السوق بالفعل، لكنهم في أوله، وأما التلقي (المنهي عنه) إذا كان خارج السوق[6]، وهذا ما رجحه الحافظ ابن حجر رحمه الله [7] ومما يؤيد ذلك ما ورد في إحدى روايات ابن عمر بلفظ: «كانوا يبتاعون الطعام في أعلى السوق، فيبيعونه في مكانه، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه»[8]. وأما عن الحكمة في جوازه إذا كان بأعلى السوق، وعدم جوازه إذا كان خارج السوق أو خارج البلد، فقد قال الحافظ رحمه الله:- (والمعنى فيه أنهم إذا قدموا البلد أمكنهم معرفة السعر، وطلب الحظ لأنفسهم، فإن لم يفعلوا ذلك فهو من تقصـيرهم، وأما إمكان معرفتهم ذلك قبل دخول البلد فنادر)[9].
(2) النهي عن بيع الحاضـر للباد:
عن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا يبع حاضـر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض»[10]. وفي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضـر لباد»، فقيل لابن عباس: ما قوله: لا يبيع حاضـر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارًا[11]. وأما معنى السمسار فقد فسـره العلماء بما يلي:
قال النووي رحمه الله: (قال أصحابنا: والمراد أن يَقْدَمَ غريب من البادية، أو من بلد آخر بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه، فيقول له الحاضـر: اتركه عندي لأبيعه على التدريج بأغلى)[12]. وقال ابن قدامة رحمه الله: (والمعنى في ذلك أنه متى تُرِك البدوي يبيع سلعته، اشتراها الناس برخص، ويوسع عليهم السعر، فإذا تولى الحاضـر بيعها وامتنع من بيعها إلا بسعر البلد، ضاق على أهل البلد)[13]. وبناء على ما تقدم، فإن تحريم بيع الحاضـر للبادي مشـروط بما يلي:
(أ) أن يكون الحاضـر قد قصد البادي ليتولى البيع له.
(ب) أن يكون البادي جاهلًا بالسعر.
(جـ) أن يكون البادي قد جلب السلع للبيع.
(د) واشترط بعضهم أن يكون مريدًا للبيع بسعر اليوم، ويرى بعضهم جواز البيع له إذا كان المتاع مما لا يحتاج إليه في البلد، ولا يؤثر فيه لقلة المجلوب.
(1) هل الوكالات الموجودة في الأسواق من هذا الباب؟
الجواب: لا، وهذه الوكالات صحيحة؛ لأنه ليس فيها تلقٍّ للسلع، وليس فيه جهالة القادمين للسوق، والغالب أن هذه الوكالات تعد أسواقًا مستقلة (أسواق جملة). والله أعلم.
(2) إذا شاور الحاضـر البادي، ونصحه على أن البادي هو الذي يتولى البيع، فذلك جائز، وقد ذهب إلى ذلك البخاري، ورأى أن المنع إنما يكون إذا باع له بأجر؛ لقول ابن عباس رضي الله عنه: «لا يكون له سمسارًا»؛ لأن الذي يبيع بالأجرة لا يكون غرضه نصح البائع غالبًا، وإنما غرضه تحصـيل الأجرة.
(3) إذا خالف وباع الحاضـر للبادي صحَّ مع التحريم، والله أعلم. وهذا مذهب الشافعية وبعض المالكية، وفي المسألة خلاف، راجعه في المطولات.
(3) لا يبيع الرجل على بيع أخيه:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضـر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها»[14].
وعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يبيع بعضكم على بيع أخيه»[15]، وفي رواية عند مسلم: «إلا أن يأذن له». وعند النسائي: «حتى يبتاع أو يذر»، وفي رواية: «ولا يَسِمْ على سوم أخيه».
ومعنى هذا النهي: أن يقول لمن اشترى سلعة في زمن الخيار -وهو الزمن المسموح له فيه بفسخ العقد-: افسخ لأبيعك بأنقصَ، أو يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأزيدَ.
وأما النهي عن السوم على سوم أخيه، فمثاله: أن يأخذ شـيئًا ليشتريه، فيقول له: رُدَّه لأبيعك خيرًا منه بثمنه، أو مثله بأرخص، أو يقول للمالك: استرده لأشتريه منك بأكثر. وكل هذه الصور حرام؛ لعموم الحديث السابق.
وأما عن حكم البيع إذا تم بهذه الصورة؛ فذهب الجمهور إلى صحة البيع المذكور مع تأثيم فاعله، وعند المالكية والحنابلة في فساده روايتان، وبه جزم أهل الظاهر[16].
(أ) هذا التحريم المذكور حاصل؛ سواء كان بيعه على بيع أخيه في زمن الخيار، أو الشـرط، أو تم بلا شـرط ولا خيار[17].
(ب) ذهب الجمهور إلى أنه لا فرق في ذلك بين البيع على بيع المسلم أو الذمي، وأما قوله في الحديث: «على بيع أخيه» فقالوا: هذا خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له.
(جـ) لا يدخل في هذا النهي بيع «المزايدة»[18]؛ لأن السوم فيه لم يستقر بين الجانبين، بخلاف النهي الوارد في هذا الباب.
(د) يحرم أن يستأجر على إيجار أخيه؛ لأن الإيجار بيع منفعة، ولأن العلة واحدة.
عن معمر بن عبد الله رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «لا يحتكر إلا خاطئ»[19]، و«الخاطئ»: هو العاصـي الآثم. قال النووي رحمه الله: (الاحتكار هو: أن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة، ولا يبيعه في الحال، بل يدخره ليغلو ثمنه)[20].
ذهب بعض العلماء إلى أن الاحتكار المُحرَّم هو ما كان في الأقوات فقط؛ لأن الغالب وقوع الضـرر على الناس به، وهذا مذهب الشافعية والحنفية.
والراجح عموم الحديث في الأقوات وغيرها، قال البغوي في شـرح السنة: (وكره مالك والثوري الاحتكار في جميع الأشـياء)[21].
قلت: والذي حمل بعضَهم على تقييد الاحتكار بالطعام ما ورد في بعض الأحاديث من ذكر الطعام، ولفظه: «نهى رسول الله ﷺ أن يحتكر الطعام»[22]، لكن هذا لا يمنع العموم الوارد في الحديث السابق؛ لأن التصـريح بأحد أفراد العام لا يخصصه، بل يظل العام على عمومه[23].
(1) لا يدخل في معنى الاحتكار من يشتري البضاعة جملة فيضعها في مخازنه، ويبيعها شـيئًا فشـيئًا؛ لأنه لم يحبس البضائع، ولم يتسبب في غلائها، ولم يضـر بالسوق.
(2) كذلك لا يدخل في معنى الاحتكار من يدخر قوت أهله؛ فقد ثبت أن النبي ﷺ كان يدخر لأهله قوت سنتهم[24].
(3) ذكر الإمام النووي نقلًا عن أصحاب المذهب الشافعي: أن الاحتكار المحرم: أن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة، ولا يبيعه في الحال، بل يدخره ليغلو ثمنه، فأما إذا اشتراه في وقت الرخص، وادخره وابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه (أي: اشتراه ليبيعه في وقته)، فليس باحتكار، ولا تحريم فيه[25]. قلت: ولا يخفى أنه يشترط في ذلك ألّا يُضَـيِّق على أحد، ولا يكون ذلك سببًا لغلو السلع بالسوق.