ثالثًا: محرمات لأسباب تعبدية:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالَّة في المسجد، فقولوا: لا ردها الله عليك»[1]. قال الترمذي رحمه الله: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم؛ كرهوا البيع والشـراء في المسجد، وهو قول أحمد وإسحاق، وقد رخص بعض أهل العلم في البيع والشـراء في المسجد).
قلت: والقول بالمنع هو الأرجح لنص الحديث، وتَرِد الكراهة عند المتقدمين بمعنى التحريم.
(2) النهي عن البيع عند أذان الجمعة:
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الجمعة:9]. قال النووي رحمه الله: (وحيث حرَّمنا البيع حرمت عليه العقود والصنائع، وكل ما فيه تشاغل عن السعي إلى الجمعة)[2]. قال ابن رشد: (وهذا أمر مجمع عليه فيما أحسب؛ أعني: منع البيع عند الأذان الذي يكون بعد الزوال والإمام على المنبر)[3]. وهذا البيع المحرم إنما يكون إذا كان أحد طرفي العقد ممن يجب عليه حضور الجمعة، وأما إذا تبايع اثنان غير مفترض عليهما حضور الجمعة كامرأتين مثلًا فلا بأس.
بقي أن نقول: إذا عقد البيع يوم الجمعة، فهل يكون صحيحًا أو فاسدًا؟
الجواب: مذهب الشافعية والحنفية صحته، أي: مع الإثم، وذهب أحمد وداود الظاهري إلى أنه لا يصح. والقول الأول أرجح؛ لأن التحريم لأمر خارج عن العقد، والله أعلم.
اختلف أهل العلم في حكم بيع المصحف على قولين:
الأول: الجواز؛ وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن الحنابلة.
الثاني: عدم الجواز؛ وهو رواية في المذهب الحنبلي.
وحجة الذين أجازوا بيعه أنهم قالوا: لأن الذي يباع إنما هو الورق والمداد والتجليد ونحو ذلك، آخذين في الاعتبار عموم قول الله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ﴾ [البقرة:275].
وأما الذين منعوه، فحجتهم في ذلك أن يصان كتاب الله عن الابتذال والامتهان.
قال النووي رحمه الله: (ويجوز بيع المصاحف وكتب الأدب... اتفق أصحابنا على صحة بيع المصحف وشـرائه وإجارته ونسخه بالأجرة)[4]. وقال ابن حزم رحمه الله: (بيع المصاحف جائز، وكذلك جميع كتب العلوم عربيها وعجمها؛ لأن الذي يباع هو الرَّقُّ أو الكاغد أو القرطاس والمداد، والأديم إن كانت مجلدة، وحلية إن كانت عليها فقط، وأما العلم، فلا يباع؛ لأنه ليس جسمًا، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، وأبي سليمان يعني داود الظاهري)[5]. ثم قال: (والحجة كلها قول الله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ﴾ [البقرة:275]، وقول الله تعالى: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ [الأنعام:119])[6].
وقد ذهب إلى منع بيعه جمع من الصحابة؛ منهم أبو موسـى الأشعري، وابن مسعود، وابن عباس، وعبد الله بن زيد، وجابر بن عبد الله، وابن عمر رضي الله عنهم، ولا يعلم لهم مخالف.
فائدة: أجاز بيعه من التابعين: الحسن والشعبي وأبو العالية وجابر بن زيد، وهؤلاء أدركوا عددا كبيرا من الصحابة، فهذا يدل على أن تحريم بيعه لم يكن مشهورًا بين الصحابة؛ لأن المسألة مستجدة.
تنبيه: قال النووي رحمه الله: (لا يجوز بيع كتب الكفر؛ لأنه ليس فيها منفعة مباحة، بل يجب إتلافها، وكذلك كتب التنجيم والشعوذة والفلسفة وغيرها من العلوم الباطلة المحرمة، فبيعها باطل؛ لأنه ليس فيه منفعة مباحة)[7].
رابعًا: محرم لأنه يؤدي إلى محرم:
أي: أن التعامل قد يكون أساسه حلالًا، لكنه يؤدي إلى محرم؛ كمن يبيع العنب لمن يتخذه خمرًا. وذلك لما تقدم في الحديث من قوله ﷺ: «قاتل الله اليهود؛ إن الله تعالى لما حرم عليهم شحومها جَمَلوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه»[8]. ومعنى «جملوه»: أذابوه.
ففي هذا الحديث تحريم بيع ما حرمه الله ﭬ، وأنه لا يجوز التوسل إلى الحرام بالحيل التي يحاول بها أن يستحل ما حرَّمه الله. قال ابن القيم رحمه الله: (وكذلك ثياب الحرير إذا بيعت لمن يلبسها ممن يحرم عليه، حرم أكل ثمنها)[9].
وكذلك لا يجوز بيع كل شـيء يعلم من صاحبه أنه سـيستخدمه في معصـية الله. والأصل في ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة:2]. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (كل ما حرم في الشـرع، فإنه يحرم الاتجار فيه)[10]. وقال: (كل ما أدَّى إلى الحرام وأعان عليه، فهو حرام. وعلى هذا فلا يجوز معاونة من يستعين بالمباح في فعل المحرم)[11].
نماذج من أشـياء نهى الشـرع عنها لا يجوز بيعها:
(1) لا يجوز بيع آنية الذهب والفضة؛ لأن الشـرع ورد بتحريم الأكل والشـرب فيها، فلا يحل صناعتها ولا التجارة فيها.
(2) لا يحل بيع خواتيم الذهب للرجال، ولا الملابس الحريرية (أعني الحرير الطبيعي)، للرجال أيضًا؛ لأنه محرم عليهم، أما الملابس البترولية التي تعرف بالحرير الصناعي، فإنها جائزة.
(3) لا يجوز بيع الأشـرطة أو الأجهزة الكهربائية لمن يستخدمها في سماع الأغاني أو الأفلام والتمثيليات التي يظهر فيها الاختلاط والتبرج والسفور، وغير ذلك مما حرمه الله.
(4) ومن باب أولى فلا يجوز بيع الآلات الموسـيقية؛ لأن الغناء محرم، فالاتجار فيها يؤدي إلى الحرام، فلا يجوز.
(5) لا يجوز لسائقي السـيارات و(التاكسـيات) أن يحملوا الخمور مطلقًا، ولا حمل ركاب يذهبون إلى البارات ونحوها مما يشـرب فيها الخمور، وهذا إذا علم ذلك أو غلب على ظنه، وأما إذا كان الراكب مستور الحال لا يعلم السائق عنه شـيئًا، فلا شـيء عليه.
(6) لا يجوز بيع النرد (الطاولة)؛ لما ورد في الحديث عن بريدة بن الحصـيب أن النبي ﷺ قال: «من لعب بالنردشـير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه»[12].
(7) لا يجوز بيع الملابس الضـيقة لمن تستخدمها للتبرج، وكذلك العطور، وأدوات التجميل ونحو ذلك لمن تستخدمها للتبرج، وأما من علم من حالها أو غلب على الظن منها أنها تستخدمها للتزين لزوجها، فلا بأس بذلك، وكذلك من كانت مستورة الحال لا يعلم ولا يغلب على ظنه أنها تستخدمها للتبرج، فيجوز أن يبيع لها[13].
(8) لا يجوز إصدار المجلات والصحف التي تنشـر الصور النسائية، والتي تدعو في كلامها إلى الباطل ومحاربة الله ورسوله، كما لا يجوز الاتجار فيها، ولا بيعها ولا شـراؤها، ولا الكتابة فيها، ولا الترويج لها بأية وسـيلة.
(9) لا يجوز أن يؤجر المالك عقاره أو دكانه لمن يستخدمه في محرم، أو بيع محرم[14].