الطريقة الأولى: تحديد الثمن من دون ذكر الربح،
وهذه تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
بأن يحاول كل من البائع والمشتري أن يصل إلى الثمن الذي يرتضـيه، ومعلوم أن البائع يحاول أن يصل إلى أعلى سعر ممكن، ويحاول المشتري أن يصل إلى أقل سعر ممكن، فإذا تراضـيا على سعر، تم التعاقد، ويسمى هذا البيع أيضًا (بيع المماكسة).
حيث يعرض البائع السلعة، ويذكر ثمنًا، ويطلب الزيادة، فيزيد المزايدون حتى تقف الزيادة فيتحدد ويتم البيع، وهذا البيع جائز؛ لما ثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلًا من الأنصار أتى النبي ﷺ فشكا إليه الحاجة، فقال له النبي ﷺ: «ما عندك شـيء؟» فأتاه بحلس وقدح، وقال النبي ﷺ: «من يشتري هذا؟» فقال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال: «من يزيد على درهم؟» فسكت القوم، فقال: «من يزيد على درهم؟» فقال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فقال: «هما لك»[1]، ومعنى «الحِلْس»: الكساء الذي يلي ظهر البعير، و«القَدَح»: هو الذي يؤكل فيه[2]. قلت: الحديث حسَّنه الترمذي، لكنْ في إسناده أبو بكر الحنفي: قال الحافظ: لا يعرف حاله. قال الترمذي بعد إيراده للحديث: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، لم يروا بأسًا ببيع من يزيد في الغنائم والمواريث)[3]. قال ابن العربي: (لا معنى لاختصاص الجواز بالغنيمة والمواريث، فإن الباب واحد، والمعنى مشترك)[4].
(جـ) بيع المناقصة:
وهو أن يطلب المشتري سلعة بأوصاف معينة، وتعرض على البائعين لمن يأخذ سعرًا أقل، وهذه الصورة -وإن لم تكن موجودة قديمًا- صحيحة؛ قياسًا على بيع المزايدة، فالمزايدة تأتي لغرض البائع، والمناقصة تأتي لغرض المشتري.
(1) اعلم أن بيع المزايدة والمناقصة لا يدخل في النهي عن البيع والشـراء على بيع أخيه وشـرائه، ولا يدخل في النهي عن النجش، وقد سبق الكلام عليه فراجعه.
(2) ما يفعله بعض التجار؛ من الاتفاق فيما بينهم عند المزايدات على سعر معين لا يزيدون عليه، لا يجوز؛ لأن به إضـرارًا بالبائع، وكذلك يقال في المناقصة، بل يترك الأمر حتى ينتهي إلى رغبة البائع والمشتري.
(3) ما يدفعه بعضهم من مال أو هدايا أو خدمات أو غير ذلك، في المناقصات؛ لكي يقع أمر التكليف عليهم لا يجوز، وهو رِشْوة محرمة.
الطريقة الثانية: بيوع الأمانة:
وهي التي يذكر فيها البائع الربح والخسارة على الثمن الذي اشترى به، وهي أيضًا أقسام:
(أ) بيع المرابحة:
قال ابن قدامة رحمه الله: (هو البيع برأس المال وربح معلوم، ويشترط علمهما برأس المال، فيقول: رأس مالي فيه أو هو عليَّ بمائة، بعتك بها وربح عشـرة، فهذا جائز، لا خلاف في صِحَّته)[5].
ولا بد للبائع أن يكون أمينًا فيما يخبر به عن السعر الذي اشترى به، فإن تبيَّن كذبه، فللمشتري حق فسخ العقد أو إمضائه، وقيل: له أن يحط من الثمن بحصته ويرجع عليه به.
(ب) بيع التولية:
هو البيع بمثل ثمنه من غير نقص ولا زيادة، فيبيعه بنفس السعر الذي اشترى به، كأن يقول: اشتريت هذه السلعة بألف، وسأبيعها لك بنفس الثمن الذي اشتريتها به.
(جـ) بيع الوضـيعة:
وهو أن يخبر برأس المال، ويقول: بعتك هذا وأضع عنك كذا (أي: أنه يخسـر في الثمن).
ويتعلق بأقسام بيع الأمانة ما يلي:
(1) سميت هذه العقود بيوع أمانة؛ لأن المشتري ائتمن البائع في إخباره عن الثمن من غير بينة ولا استحلاف.
(2) اختلف العلماء فيما يلحق الثمن، هل يدخل فيه التكاليف التي لا بد منها، كأجرة النقل، ومصاريف الاعتماد، ونحوه، والراجح أن الأمور المعلومة والمتعارف عليها أنها مما يحسب من الثمن، فهي من الثمن وإن لم تذكر، وأما ما كان غير معروف، فلا بد من ذكره ورضـى المشتري به. قلت: والأولى في جميع الحالات أن يفصِّل له، فيقول مثلًا: اشتريتها بكذا، ونقلتها بكذا، ونحو ذلك؛ دفعًا لوقوع النزاع.
(3) إذا أخطأ البائع في الإخبار عن الثمن أو التكاليف بزيادة أو نقص، وثبت خطؤه، صُحح العقد على الصواب، وتصحيح الخطأ: إن كان قد زاد شـيئًا خصم، أو كان نسـي شـيئًا زيد له، ولا يتحمل شـيئًا نتيجة خطئه، فلا يقال له: ما دمت قد أخطأت فيلزمك غرامة تقدر بكذا، مثلًا.
(4) وأما إن كذب وخان في ذكر الثمن، ثم تبيَّن كذبه، فللمشتري الخيار في فسخ العقد أو إمضائه.
(5) ليس هناك في الشـرع تحديد المكسب، لكن يراعى في ذلك ثمن المثل -أي: سعر السوق- مع التخلق بالأخلاق الإسلامية؛ من: النصح، وعدم الجشع والخديعة واستغلال احتياجات الناس ونحوها، وعلى ذلك لا يجوز أن يطلب بالسلعة ثمنًا كبيرًا يغري المشتري بها، فيدفع ما يزيد على قيمتها إذا كان جاهلًا بالقيمة[6].
ما تقوم به المصارف الإسلامية في وقتنا هذا؛ وذلك بأن يذهب العميل لشـراء سلعة ما لا يمتلكها البنك، فيطلب العميل منه شـراءها ليشتريها منه، فيتفق معه البنك على الشـراء، ثم يبيعها لهذا العميل؛ فهل هذه الصورة من البيع الجائز؟
الجواب: قرر مجمع الفقه الإسلامي سنة (1403هـ) جوازه بشـروط:
(أ) أن يتملك البنك السلعة تملكًا تامًّا.
(ب) أن تصـير في حوزته.
(جـ) أن يكون مسئولًا عن هلاكها قبل تسليمها.
(د) أن عليه مسئولية العيب إذا ظهر فيها بعد التسليم.
لكن هل يلزم المشتري تنفيذ المواعدة التي صدرت بينه وبين المصـرف في بيع المواعدة؟
يرى المجمع الفقهي جواز هذه المواعدة بشـرط الخيار للمتواعدين كليهما أو أحدهما، فإذا لم يكن هناك خيار، فإنها لا تجوز[7].
قلت: أي أنه لا يرى في ذلك الإلزامَ بالشـراء؛ لأنه لو كان ذلك كذلك لكان بيعا لما لا يملك البنك، وقد وردت الأحاديث بالنهي عن ذلك، أما مجرد المواعدة على الشـراء، فهي جائزة[8].