حجم الخط:

محتوى الدرس (189)

السادسة: وضع الجوائح:

[تمهيد]

إذا تلف المبيع قبل تسليمه بجائحة اجتاحت المال - يعني مصـيبة أهلكت ماله - كآفة سماوية؛ مثل أمطار أفسدته، أو صاعقة أحرقته، أو رياح حملته وفرقته؛ انفسخ البيع، وكان من ضمان البائع (أي أن البائع هو الذي يتحمل الخسارة، ولا يتحملها المشتري).

جدول 97 أثر تلف المبيع وتقلبات الأسعار

ويتعلق بهذا الحكم ما يلي:

(1) إذا كان التلف من البائع نفسه، ضمِنه على الراجح، أي تكون الخسارة عليه.

(2) إذا كان التلف من شخص آخر - لا يمكن تضمينه - يعني: لا يمكن أن نحملهم المسئولية - كقطاع الطريق مثلًا، فيدخل هذا الحكم تحت حكم الآفة السماوية؛ يعني: ينفسخ البيع، ويكون أيضًا من ضمان البائع، يعني تكون الخسارة على البائع.

(3) إذا كان التلف من شخص يمكن تضمينه، فالمشتري في هذه الحالة بالخيار؛ إما أن يفسخ البيع ويأخذ الثمن من البائع إن كان دفعه له، وإما أن يُمضـي البيع ويأخذ البدل من هذا الشخص الذي أتلفه.

(4) وأما في حالة أن البائع قد مكَّن المشتري من قبض السلعة، ولكنه - أي المشتري - أبى أو تأخر حتى تلفت، فحينئذ تكون من ضمان المشتري، يعني تكون الخسارة على المشتري.

تنبيه: في تقلبات الأسعار نتيجة لأمور مفاجئة؛ كالحرب والزلازل، ونحو ذلك، فإذا كانت هناك عقود متراخية التنفيذ؛ كالمقاولات وعقود التوريدات ونحوها، ثم وقعت هذه الكوارث التي تسبب تغييرًا مفاجئًا في الأسعار، فقد قرر المجمع الفقهي، إذا حدثت هذه الظروف بحيث إنها تؤثر على الأوضاع والأسعار، ولم يكن ذلك نتيجة تقصـير أو إهمال من الملتزم بها في تنفيذ التزاماته، فإنه يجوز للقاضـي في هذه الحالة عند التنازع تعديل الحقوق والالتزامات بصورة توزع القدر المتجاوز للتعاقد من الخسارة على الطرفين، كما يجوز له أن يفسخ العقد فيما لم يتم تنفيذه منه، إذا رأى أن فسخه أصلح وأسهل للقضـية المعروضة عليه، وذلك مع تعويض عادل للملتزَم له صاحب الحق في التنفيذ، يجبر له جانبًا معقولًا من الخسارة التي تلحقه من فسخ العقد، بحيث يتحقق العدل بينهما دون إرهاق للملتزم، ويعتمد القاضـي في هذه الموازنات جميعًا رأيَ أهل الخبرة.

كما يحق للقاضـي أيضًا أن يمهل الملتزم إذا وجد أن السبب الطارئ قابل للزوال في وقت قصـير، ولا يتضـرر الملتزَم له كثيرًا بهذا الإمهال[1].

السابعة: شـراء الأعمى وبيعه:

يصح شـراء الأعمى وبيعه؛ لأنه إذا كان المبيع مما يعرف بالذوق والشم، صح بيعه وشـراؤه، وإن كان لا يعرف، فيصح بيعه أيضًا على وصفه، وله الخيار إذا ظهر المبيع على غير الصفة[2].

الثامنة: العربون:

وهو أن يعطى المشتري بعض المال للبائع على أنه: إن أخذ السلعة، احتسب هذا المال من الثمن، وإن لم يأخذها، فهي من حق البائع.

ذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنفية إلى عدم جواز هذا العقد؛ لما فيه من الغرر والمخاطرة، ورأى الحنابلة الجواز -أي من حيث صورة العقد- لكن هل يجوز للبائع بناءً على ذلك أن يأخذ العربون إذا نكل المشتري؟

قال ابن قدامة رحمه الله: (وإن لم يشتر السلعة في هذه الصورة لم يستحق البائع العربون؛ لأنه يأخذه بغير عوض، ولصاحبه الرجوع فيه)[3].

وقد ذهب الشـيخ ابن عثيمين إلى صِحَّته[4]؛ والدليل على ذلك ما رواه البخاري تعليقًا؛ قال: (واشترى نافع بن عبد الحارث دارًا للسجن بمكة من صفوان بن أمية، على أن عمر إن رضـي فالبيع بيعه، وإن لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة)[5]. اهـ. وورد أن ثمن الدار كله كان أربعة آلاف، فتكون الأربعمائة عُربونًا. ويرى المجمع الفقهي صحة بيع العُرْبُون؛ سواء في البيع أو الإجارة إذا قيدت مدة الانتظار بزمن محدد، ويحسب العُرْبُون جزءًا من الثمن إذا تم البيع، ويكون من حق البائع إذا عدل المشتري عن الشـراء، ويستثنى من ذلك بيع السلم والصـرف؛ لأن في بيع السلم يشترط دفع الثمن كاملًا، وفي الصـرف يشترط القبض من كل من الطرفين[6]. وسـيأتي معنى السلم والصـرف في أبوابها[7].

التاسعة: الشـرط الجزائي:

الشـرط الجزائي قسمان: أحدهما باطل، والآخر صحيح.

القسم الأول: وهو الشـرط الباطل:

فهو شـرط جزائي في تأخير الديون والمستحقات المالية؛ كتأخير ديون البيع، أو أي ديون تصبح في الذمة يتأخر عنها المستفيد، فإن اشتراط عقوبة تأخير نوع من الربا، وهذا الشـرط باطل.

القسم الثاني: وهو الشـرط الجزائي الصحيح:

إذا كان هناك ضـرر نتيجة الاتفاق على شـيء معين، فيشترطون شـرطًا جزائيًّا يقدر بالضـرر الفعلي، فهذا جائز، كأن يتأخر المقاول عن تسليم ما اتفق عليه في وقت محدد، أو الإخلال بالنفع المستهدف؛ كأن يتم العمل مع عدم الالتزام بالمواصفات المتفق عليها دون عذر مقبول، لكن لو كانت هناك ظروف قاهرة منعت المقاول من التسليم، فلا يلزم بالشـرط الجزائي[8]. ويجوز الشـرط الجزائي الصحيح في عقود المقاولات، وعقود التوريد، وعقود الاستصناع.

مثال: تم الاتفاق مع شـركة مقاولات على بناء مصنع يُسلَّم في تاريخ معين، وإذا لم يتم التسليم في الموعد المحدد تلتزم شـركة المقاولات بدفع تعويض يقدر بـ (كذا). وكذلك إذا لم يتم البناء على المواصفات المتفق عليها يلزم بتعويض (كذا)، فهذا الشـرط الجزائي صحيح.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة