حجم الخط:

محتوى الدرس (190)

أنواع خيار البيع

الخيـــار:

بمعنى الاختيار أو التخيير، وهو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه، وهو أنواع:

جدول 98 أحكام الخيار في البيع

أولاً: خيار المجلس:

[تمهيد]

عن ابن عمر رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرقا وكانا جميعًا، أو يخيرْ أحدُهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك أحدهما البيع، فقد وجب البيع»[1]. الحديث يبين أن لكلٍّ من المتبايعين حق الخيار ما داما في المجلس، وأنه يلزمهما البيع في إحدى حالتين:

الحالة الأولى: أن يتفرقا عن مجلس العقد بأبدانهما،

ولذلك كان ابن عمر رضي الله عنه -وهو راوي الحديث- إذا اشترى شـيئًا يعجبه، فارق المجلس[2]، وهذا هو قول جمهور العلماء، وهو الصحيح؛ خلافًا لمن يقول: إن التفرق هو التفرق بالكلام فقط.

وسواء حصل هذا التفرق عن قصد أم لا، وسواء علما بالحكم أم جهلاه؛ لأن النبي ﷺ علق الخيار على التفرق. ولا يجوز له ان يتعمد التفرق لإسقاط حق الآخر؛ لما ثبت في الحديث: «ولا يحل له أن يفارقه خشـية أن يستقيله»[3]. واعلم أن تحديد معنى التفرق يختلف حسب العرف الذي يتعارف به الناس.

الحالة الثانية: أن يختار في المجلس إمضاء العقد،

بأن يُخير أحدهما صاحبه في إمضاء العقد أو فسخه، فيختار إمضاءه، فعندئذ وجب البيع وإن لم يتفرقا، أو يقول له: سأبيعك ولكن لا خيار بيننا، فيقول: قبلت أو نحو ذلك.

وهذا التخاير بين الطرفين؛ سواء كان في ابتداء العقد أو بعده؛ كأن يقول: بعتك ولا خيار بيننا، فيوافق الثاني على ذلك، أو يقول بعد التعاقد: اخترت إمضاء العقد، أو أسقطت خياري، أو نحو ذلك. ولو اختار أحدهما دون الثاني، لزم في حقه وحده، وأصبح حق الخيار للثاني محفوظًا له حتى يفترقا.

ثانيًا: خيار الشـرط:

[تمهيد]

وذلك بأن يبتاعا السلعة بشـرط الخيار إلى مدة معلومة، سواء كان هذا الشـرط قبل إبرام العقد أو في أثنائه أو بعده؛ ما دام في زمن الخيار إلى شهر مثلًا أو أقل، فإن ذلك جائز؛ لعموم قوله ﷺ: «المسلمون عند شـروطهم»[4]، وليس في هذا غرر على أحد المتبايعين.

ويتعلق بخيار الشـرط ما يلي:

(1) حدد بعض الفقهاء خيار الشـرط إلى ثلاثة أيام، والراجح أنه لا يحدد بأيام، بل متى اتفقا على مدة صح.

(2) لو اشترطا الخيار لمدة مجهولة أو غير محددة؛ كأن يقول: لي الخيار أبدًا، أو متى شئت، أو حتى نزول المطر، أو حتى أشاور فلانًا؛ فالراجح في كل ذلك أنه لا يصح حتى يحدد المدة، وفي المسألة خلاف محله في المطولات.

(3) إذا انقضت مدة الخيار لزم البيع، ولا يملك فسخه بعد ذلك.

(4) إذا تلف المبيع في مدة الخيار (سواء كان خيار المجلس أو خيار الشـرط) فله صور:

الأولى: أن يكون المبيع مكيلًا أو موزونًا، وهو ما زال في يد البائع، وفي هذه الحالة ينفسخ البيع، ويكون من مال البائع - يعني أن الخسارة تقع عليه - إلا أن يتلفه المشتري، فيكون من ضمانه ويبطل خياره.

الثانية: أن يكون غير مكيل ولا موزون، ولم يمنع البائع المشتري من قبضه، فتلف، فهو من مال المشتري، أي أن الخسارة في هذه الحالة على المشتري.

الثالثة: أن يكون التلف بعد القبض، فهو من ضمان المشتري ويبطل خياره.

(5) تصـرف المتبايعين في الملك في مدة الخيار:

إذا تصـرف المشتري في المبيع في مدة الخيار تصـرفًا يختص بالملك، بطل خياره؛ كركوب الدابة لحاجته، أو سكنى الدار، أو حصاد الزرع، ونحو ذلك، وأما إن ركب الدابة ليختبرها، فهذا لا يبطل خياره؛ فهناك فرق بين ركوبها لحاجته وبين ركوبها ليختبرها، فالحالة الأولى تدل على أنه رضـي بالمبيع، وأنه أمضـى البيع، بخلاف الحالة الثانية التي تشعر بتردده في البيع.

وإذا بطل خيار المشتري، فلا يعني ذلك بطلان خيار البائع، إلا إذا كان تصـرف المشتري بإذن البائع، فيبطل حينئذ خيارهما.

مثال: اشترى رجل من آخر بيتًا، وسكنه في مدة الخيار، فهذا يدل على أنه رضـي بالبيع وبطل خياره، فهل يجوز للبائع أن يفسخ العقد ما دام في مدة الخيار؟

الجواب: نعم يجوز له ذلك، إلا أن يكون البائع أذن له بالسكنى في هذه المدة، فيكون هو أيضا قد تصـرف تصـرفًا يبطل خياره.

وأما إن تصـرف البائع في المبيع، وكان الخيار له وحده؛ فالراجح أنه فسخ للبيع، وهذا مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة.

مثال: اشترى شخص من آخر سلعة على أن الخيار للبائع فقط، ثم تصـرف البائع خلال هذه المدة في السلعة، فيكون تصـرفه في هذه الحالة فسخًا لاتفاقه مع الأول.

(6) هل السلعة مدة الخيار للبائع أو للمشتري؟

الراجح أنه ملك للمشتري؛ لأن البيع تم بالإيجاب والقبول، ولأنه لو تلف لكان من ضمان المشتري، وعلى هذا فما يحصل للمبيع من نماء في مدة الخيار فهو للمشتري، وسواء كان هذا النماء منفصلًا عن المبيع أو متصلًا به، وهذا اختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله[5].

(7) تصـرف المتبايعين في «نقل الملك»:

لا يجوز في مدة الخيار تصـرف أحد المتبايعين تصـرفًا ينقل ملكية المبيع، فلا يجوز لأحدهما بيعه، ولا هبته، وكذلك لا يتصـرف فيه تصـرفًا يشغل المبيع: كالإجارة، والرهن، فإن هذا التصـرف لا يصح؛ لأن البائع تصـرف في غير ملكه، والمشتري أسقط حق البائع من الخيار.

لكن إن كان الخيار للمشتري وحده، نفذ تصـرفه، وبطل خياره. وإن تصـرف المشتري بإذن البائع، أو تصـرف البائع بوكالة المشتري، صح التصـرف، وانقطع خيارهما.

ثالثًا: خيار الرؤية:

الراجح أنه إذا اشترى شـيئًا لم يره، كان له الخيار حتى يراه، فإذا رآه كان مخيرًا، إن شاء قبله، وإن شاء فسخ البيع، وكذلك إذا اشترط المشتري في المبيع صفة ما، ثم وجد المبيع على غير هذه الصفة، فللمشتري الحق في فسخ العقد أو إمضائه[6].

رابعًا: خيار الغبن:

يدخل في هذا الخيار ما تقدم؛ من بيع المصـراة، وتلقي الركبان، وبيع الحاضـر للبادي، وبيع النجش، وأي غبن آخر يخرج عن العادة، فله حق الخيار، أما إذا كان الغبن يسـيرًا، لا يخرج عن العادة، فلا شـيء عليه، وقد تقدمت مباحث هذه البيوع.

تحريم بخس المكيال والميزان:

قال ابن تيمية رحمه الله: (اعلم أن البخس في المكيال والميزان من الأعمال المحرمة، بل هو من الكبائر، وقد أهلك الله به قوم شعيب، ومن بخس من أموال الناس شـيئًا، أخذ منه قدر ما بخسهم، ورد على أصحابه إن أمكن، فإن لم يمكن إعادته إليهم، صـرف في مصالح المسلمين)[7].

خامسًا: خيار العيب:

[تمهيد]

عن حكيم بن حزام عن النبي ﷺ قال: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما»[8]، وفي الحديث قال ﷺ: «من غشنا فليس منا»[9].

فإذا علم المشتري بالمبيع عيبًا لم يكن عالمًا به، فله الخيار في الإمساك أو الفسخ، سواء كان البائع قد علم العيب وكتمه، أو لم يعلمه.

من أحكام الرد بالعيب وأحوال العيوب:

(1) إذا علم المشتري بالعيب، والسلعة ما زالت على حالها لم يستهلك منها شـيء، ففي هذه الحالة يرد السلعة -إن أراد- ويأخذ رأس ماله.

(2) زيادة المبيع: إن ازداد شـيء في السلعة بعد شـرائها وتملكها، ثم علم بالعيب، فله حالان:

الأول: أن تكون الزيادة متصلة؛ كأن تسمن الدابة، أو تثمر النخلة قبل تأبيرها، ففي هذه الحالة ترد السلعة مع زيادتها؛ لأن هذه الزيادة تابعة للأصل في العقود والفسوخ.

الثاني: أن تكون الزيادة منفصلة، وهذه نوعان:

(أ) أن تكون من غير عين المبيع، كأن يشتري سـيارة أجرة، ويحمل عليها الركاب، ويتحصل على مكسب، ففي هذه الحالة يرد السلعة فقط، وأما مكسبها -ويسمى الخراج- فهو للمشتري؛ لقوله ﷺ: «الخراج بالضمان»[10]. والمراد بالخراج: (الدخل والمنفعة)، ومعنى الحديث: أن من اشترى شـيئًا فاستعمله، كمن اشترى دارًا فسكنها أو أجرها، أخذ غلتها (الأجرة)، ثم وجد بها عيبًا قديمًا، فله أن يرد هذه الدار لعيبها، وتكون الأجرة التي استفاد منها في هذه المدة للمشتري؛ لأن المبيع كان مضمونًا عليه في هذه المدة، فلو هلكت في هذه المدة كانت من مصـيبته، أي أن الخسارة تقع عليه، ففي مقابل هذا الضمان يكون الخراج له.

(ب) أن تكون الزيادة من عين المبيع منفصلة منه، مثل أن تلد الناقة أو تثمر الشجرة، أو تحلب الشاة؛ فمذهب أحمد والشافعي أنها للمشتري أيضًا، وهو الراجح.

(3) يحق للمشتري أن يختار المبيع بعد معرفة العيب، أي يحق له ألا يفسخ العقد، ويأخذ الأرش، ومعناه (قيمة العيب)، في مقابل هذا العيب، ويرجح الإمام أحمد أن هذا الأرش يقدر بقيمته يوم اشتراه. أما أبو حنيفة والشافعي فلا يرون للمشتري أخذ الأرش، بل إما أن يمسك المبيع بدون أن يطالب بثمن العيب، وإما أن يرد المبيع ويأخذ ثمنه الذي دفعه فحسب.

(4) إذا حدث عيب آخر عند المشتري قبل علمه بالعيب الأول، ففيه خلاف بين العلماء في رد المبيع، فيرى بعض العلماء أن المشتري ليس له الرد، وله أرش العيب القديم، وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي، وإحدى الروايتين عن أحمد. وقيل: له الرد، ويرد أرش العيب الحادث عنده، ويأخذ الثمن، وبه قال مالك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.

(5) فإن كان العيب الأول يعلمه البائع، فدلس فيه وكتمه على المشتري؛ فيرى ابن قدامة رحمه الله أن للمشتري الحق في ردِّه وأخذ ثمنه كله، ولا أَرْش عليه للعيب الحادث.

(6) وبناء على ما تقدم فقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة أنه لا يصح ما يكتبه بعض التجار: (البضاعة لا ترد ولا تستبدل)؛ لأن هذا إلزام للمشتري بالبضاعة ولو كانت معيبة، وهذا الشـرط باطل لا يبرئ البائع من العيوب الموجودة في السلعة، فإن كانت معيبة، فله ردها واستبدال غيرها به، أو أن يأخذ المشتري أَرْش العيب[11].

تنبيه: هناك أقسام أخرى من الخيار تندرج تحت ما ذكر، ويمكنك مراجعتها في المطولات.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة