حجم الخط:

محتوى الدرس (191)

الشروط في البيع

[تمهيد]

ونقصد بها هنا الشـروط التي يضعها المتبايعان عن رضا فيما بينهما، وهي تختلف عن شـروط البيع السابق ذكرها، فشـروط البيع من وضع الشـرع، ويتوقف عليها صحة البيع، وأما الشـروط في البيع، فهي من اتفاق المتبايعين، ولا يتوقف عليها صحة البيع، وهذه الشـروط منها ما هو صحيح معتبر، ومنها ما هو باطل.

مثال الشـروط المعتبرة الصحيحة:

أي التي لا تنافي مقتضـى العقد:

(أ) أن يشترط البائع على المشتري أن يعطيه رهنًا حتى يقبضه الثمن؛ لأن ذلك يزيد العقد قوة وتأكيدًا.

(ب) أن يشترط المشتري تأجيل الثمن؛ وهذا شـرط يشترطه المشتري، وهو شـرط صحيح.

(جـ) أن يشترط البائع سكنى الدار المبيعة مثلًا شهرًا، أو حملان الدابة التي باعها إلى مكان ما، ودليله أن النبي ﷺ اشترى من جابر بن عبد الله رضي الله عنه بعيره، واشترط جابر حملانه إلى المدينة.

وأما الشـروط الفاسدة فهي قسمان:

الأول: قسم فاسد يبطل العقد:

كأن يشترط مع البيع عقدًا آخر؛ كسلف أو بيع آخر أو إجارة، وقد رجح الشـيخ ابن عثيمين جواز هذا الشـرط وصحته إلا في مسألتين؛ وهو إذا شـرط قرضًا ينتفع به، أو يكون الشـرط حيلة على الربا؛ وأما خلاف ذلك، فيرى صحته، وهذا مذهب الإمام مالك، واختاره الشـيخ عبد الرحمن السعدي[1].

الثاني: قسم فاسد لا يبطل العقد:

كأن يشترط المشتري أنه لا يخسـر إذا باع ما اشتراه، أو يشترط البائع على المشتري ألا يبيع ما اشتراه منه، أو لا يهبه لأحد، إلا إذا كان له غرض صحيح، ولم يكن مقصوده الحجر على المشتري في تصـرفه.

تنبيه: البيع المعلق جائز:

ومثاله أن يقول له: بعتك هذه السلعة إن رضـي أبي، أو إن قدم زيد، أو إن جئتني بكذا، شـريطة أن يحدد أجلًا لذلك، فيقول مثلًا: إن رضـي أبي خلال ثلاثة أيام؛ لأنه إذا لم يحدد المدة يحصل ضـرر على أحد المتبايعين[2].

قال ابن القيم رحمه الله: (وتعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات وغيرها بالشـروط أمر قد تدعو إليه الحاجة أو المصلحة، فلا يستغني عنه المكلف)[3].

أبواب الربا

خريطة ذهنية لأبواب الربا

جدول 99 أبواب الربا

معنى الربــا:

في اللغة: الزيادة؛ قال تعالى: ﴿ فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [الحج:5].

وفي الشـرع: الزيادة في أشـياء مخصوصة.

حكم الربا:

الربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع:

أما «الكتاب» فقوله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275].

وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:130].

وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿ ٢٧٨ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ [البقرة:278- 279].

وأما السنة: فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه -أن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: «الشـرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات»[4].

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه»[5].

وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على تحريم الربا[6].

مرتبته:

هو من كبائر الذنوب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275]، وقال: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279]. قال ابن عثيمين رحمه الله: (من أنكر تحريمه ممن عاش في بيئة مسلمة فإنه مرتد؛ لأن هذا من المحرمات الظاهرة المجمع عليها)[7].

أقسام الربــا:

الربا قسمان: ربا النسـيئة، وربا الفضل:

أولاً: ربا النسـيئة:

معنى النسـيئة: التأخير، وهذا النوع من الربا معناه أن يزيد الدائن على المدين نظير التأجيل، كأن يقرضه ألف جنيه، ليردها له بعد زمن، ويرد معها زيادة يتفقون عليها، وهذا محرم، لا خلاف في ذلك؛ سواء كانت هذه الزيادة قليلة أم كثيرة.

ثانيًا: ربا الفضل:

وهو أن يبيعه مثلًا ذهبًا بذهب، أو طعامًا بطعام مثله بزيادة من أحدهما[8]، كأن يبيعه عشـر جراماتٍ ذهبًا مثلًا بإحدى عشـرة، أو يبيعه صاعًا من تمر جيد بصاعين من تمر رديء، فهذا أيضًا محرم؛ لأنه ذريعة إلى ربا النسـيئة.

فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء»[9].

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «الذهب بالذهب مثلًا بمثل، والفضة بالفضة مثلًا بمثل، والتمر بالتمر مثلًا بمثل، والبر بالبر مثلًا بمثل، والملح بالملح مثلًا بمثل، والشعير بالشعير مثلًا بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدًا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدًا بيد، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدًا بيد»[10]. ومعنى هذه الأحاديث أن هذه الأصناف يلاحظ في بيعها ما يلي:

أولًا: أن يتحد المبيع مع الثمن في جنسه[11] من الأصناف الربوية؛

كمن يبيع ذهبًا بذهب، أو فضة بفضة، أو تمرًا بتمر... إلخ، مما ذكر في الأحاديث، فيشترط في ذلك شـرطان:

(1) التقابض في المجلس، فيسلم ما يبيعه، ويأخذ المقابل في نفس المجلس، فلا يجوز لأحدهما أن يؤخر شـيئًا عن مجلس العقد، وهذا معنى قوله في الحديث: «يدًا بيد».

(2) أن يتساوى المبيع (مثلًا بمثل) فيكون وزن الذهب كوزن الذهب؛ حتى لو كان أحدهما جيدًا والآخر رديئًا، وأن يبيع التمر بالتمر مثلًا بمثل؛ حتى لو كان أحدهما جيدًا والآخر رديئًا، وهكذا بقية الأصناف.

ثانيًا: أن يختلف المبيع عن الثمن في جنسه مع اشتراكهما في العلة[12]؛

كأن يبيع ذهبًا بفضة، أو تمرًا ببر، أو غير ذلك من الأصناف المذكورة في الحديث ونحوها مما يشاركها في العلة، فيشترط في هذه الحالة التقابض في المجلس (يدًا بيد)، لكن يجوز أن يختلف الوزن أو الكيل، بأن تكون الفضة أكثر من الذهب، أو البر أكثر من التمر، ولكن الشـرط المعتبر في هذه الحالة فقط هو أن يتقابضا في نفس المجلس.

ثالثًا: أن يختلف المبيع عن جنسه مع اختلافه في العلة،

كأن يبيع التمر بالذهب، فهذا يجوز فيه التفاضل، كما يجوز فيه تأخير الثمن، أي لا يشترط أن يكون يدًا بيد، كما لا يشترط أن يكون مثلًا بمثل.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة