حجم الخط:

محتوى الدرس (193)

مسائل متعلقة بالربـا

الأولى: بيع العِينة:

قال ﷺ: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضـيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلًّا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم»[1]. قال ابن قدامة رحمه الله: (هذا وعيد يدل على التحريم)[2].

وبيع العِينة: أن يبيع السلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها ممن باعها منه بثمن حالٍّ أقلَّ مما باعها به.

مثاله: أن يقول له: بعت لك هذه السلعة بمائة وعشـرين جنيهًا بالقسط، ويتم البيع بينهما على ذلك، ثم يقول: اشتريتها منك بمائة جنيه حالًا (كاش)، فيأخذ السلعة ويدفع مائة جنيه، فكأنه في الحقيقة أقرضه مائة جنيه على أن تسدد على أقساط مائة وعشـرين جنيهًا. وهذا البيع حرام، والعلة في ذلك أنه تحايل على الربا.

لكن يستثنى من ذلك ما يلي:

(1) قال ابن قدامة رحمه الله: (فأما بيعها بمثل الثمن أو أكثر، فيجوز؛ لأنه لا يكون ذريعة)[3]؛ يعني إلى الربا.

(2) لو اشترى منه سلعة، ثم نقصت قيمتها لاستعمالها أو لعيب حدث فيها، ثم باعها لمن اشتراها منه، جاز مهما كان الثمن، حتى لو كان بثمن أقل؛ لأن نقص الثمن كان بسبب نقص قيمة المبيع لا للتوسل إلى الربا.

الثانية: بيع التورُّق:

وذلك بأن يحتاج إلى دراهم، فيشتري سلعة بأجل، ثم يبيعها لغير بائعها الأول نقدًا، فليست حاجته إلى نفس السلعة، إنما حاجته إلى الدراهم. وقد اختلفت آراء العلماء في حكم التورُّق:

فقال ابن تيمية رحمه الله: (وتحرم مسألة التورُّق)[4]؛ وعلَّل ذلك ابن القيم بأنه بيع مضطر، وقد أيد هذا الرأي وقوَّاه الدكتور علي السالوس في رسالة له ناقش فيها آراء المذاهب.

وذهب الشـيخ ابن باز رحمه الله إلى: (جواز بيع التورُّق، ما لم يكن هناك تواطؤ مع الطرف الثالث وهو المشتري الأخير؛ لأنه حينئذ لا يفترق عن بيع العينة)[5].

ويرى الشـيخ ابن عثيمين: (جوازها بشـروط[6]:

الأول: أن يتعذر القرض أو السلم[7].

الثاني: أن يكون محتاجًا لذلك حاجة بينة، أي: لا يكون الباعث لذلك جمع المال والتكثُّر منه.

الثالث: أن تكون السلعة عند البائع، يعني أنه يملكها).

قلت: والأولى التورع عن مثل هذه المعاملة إبراءً للذمَّة، وخروجًا من الخلاف.

الثالثة: مُدّ عجوة:

هذه مسألة اشتهرت بين الفقهاء بـ(مُدّ عجوة)، وهي تحايل على الربا، وأصل المسألة أن يبيع مالًا ربويًّا بجنسه، ومعهما أو مع أحدهما شـيء من غير جنسه.

ومثاله: أن يبيع ذهبًا، ومعه مد (حفنة) من قمح، بذهب أكثر من الذهب الأول باعتبار أن فرق الزيادة في الذهب مقابل حفنة القمح، فهذا البيع حرام، والأصل في تحريم هذه المسألة حديث فضالة بن عبيد، قال: اشتريت قلادة يوم خيبر باثني عشـر دينارًا، فيها ذهب وخرز، ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشـر دينارًا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «لا تباع حتى تفصل»[8].

تنبيه: إذا باع عِقْدًا، أو قلادة بها فصوص، أو نحو ذلك، ففي ذلك احتمالات:

(1) أن يبيع هذا العقد بجنسه؛ كأن يكون العقد من ذهب مرصع به فصوص من شـيء آخر، فيبيعه بذهب، فيشترط في هذه الحالة فصل الفصوص عن العقد، ثم يباع الذهب بالذهب يدًا بيد مثلًا بمثل، وكذلك يقال لو كان العقد من فضة يباع بفضة.

(2) أن يباع هذا العقد بغير جنسه مما يعد ربويًّا، كأن يكون العقد من ذهب به فصوص، ويباع بفضة -ويلاحظ أنه يشترط في هذه الحالة أن تكون الفصوص من غير الفضة- فعندئذ لا يشترط فصل الفصوص، ولكن الشـرط أن يكون يدًا بيد.

(3) أن يباع بشـيء آخر غير ربويّ؛ كأن يباع بسـيارة مثلًا، ففي هذه الحالة لا يشترط فصل الفصوص، ولا يشترط اتحاد مجلس التقابض.

وبناءً على ما تقدم: إذا باع شـيئًا من ذهب وبه فصوص، بالنقد (العملة)، فهذا البيع جائز؛ سواء فصل الفصوص أو لم يفصلها، ويشترط فقط التقابض في نفس المجلس.

الرابعة: القرض البنكي:

[المعاملات البنكية]

ما تقوم به البنوك من إقراض عُمَلائها مقابل نسبة تسدد زيادة مع المال المقترض؛ ربًا صـريحٌ يوجب غضب الله، قال تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]. وبناء عليه، فينبغي أن يعلم ما يلي:

(1) لا يجوز للإنسان أن يضع أمواله في البنوك الربوية، أو يدخل في عمليات ربوية مهما تعددت أسماؤها أو صورها فالعبرة بالحقائق لا بالمسميات؛ فمثال ذلك ما يُسمى في مصر بشهادات الاستثمار، سواء كانت المجموعة (أ) ذات القيمة المتزايدة، أو المجموعة (ب) ذات العائد الجاري؛ لأن حقيقتها أنها قرض يقترضه البنك مع ضمان الفائدة للمودعين، وهي الزيادة الربوية المُحرَّمة، وكذلك لا يجوز إيداعها في شهادات الاستثمار المجموعة (جـ)، بل هي أفحش من غيرها؛ لأنها اشتملت على (الربا) وهي الزيادة على رأس المال، لكنها تعطيها في صورة قرعة للفائزين، وهذا هو «الميسـر»؛ فقد اشتملت على مفسدتين هما: «الربا والميسـر»، وأما إذا لم يجد مأمنًا لوضع أمواله، فالأولى أن يتحرى البنوك الإسلامية[9].

(2) لا يجوز العمل في البنوك الربوية؛ لأنه إما إعانة على الربا، أو رضا به وإقرار له، وقد قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

(3) يجوز المساهمة في الشـركات بشـراء أسهم منها، بشـرط أن تكون هذه الشـركة تعمل عملًا حلالًا، وأن لا تتعاطى نسبة أرباح من البنوك في فائض أموالها، ولا تأخذ قروضًا ربوية لمشاريعها[10].

ويرى الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله أن الورع ترك المساهمة في شـراء الأسهم من هذه الشـركات عمومًا، لكنه إن فرض أنه ساهم، ولم يعلم بأنهم يودعون الأموال في البنوك الربوية، ثم علم بعد ذلك؛ فإنه يجب أن يُخرج من الربح الفوائدَ المضافة إليه إن عرف قدر هذه الفوائد، فإن لم يعلم أخرج النصف احتياطًا[11]. والواقع في معاملات هذه الشـركات إيداع أموالها في البنوك الربوية، لذا فالراجح عدم شـراء هذه الأسهم.

(4) بطاقات «الفيزا» البنكية:

وهي التي يقترض بها مبلغًا من المال، محددًا لمدة معينة لا يدفع فيها فوائد، فإذا تأخر عن هذه المدة دفع الفوائد المقررة، هذه المعاملة لا تجوز؛ لأن فيها التزامًا بالربا، أنه إذا تأخر السداد عن المدة المسموح بها التزم بدفع الربا[12].

(5) وكذلك بطاقة الائتمان:

وهي بطاقة يعطيها البنك لعملائه الراغبين فيها، تمكنه أن يشتري بها ما يريد من التجار، على أن يكون المال الذي يحول إلى حساب التاجر قرضًا يأخذه هذا العميل من البنك، وتحسب عليه الفائدة الربوية، وهذه البطاقة حرام لا تجوز إلا بشـروط:

(أ) أن يكون لهذا العميل مال في رصـيده، ويكون ما يشتريه يخصم من حسابه.

(ب) وتجوز إذا كان البنك يقرضه قرضًا حسنًا، أي: بلا فائدة، ويشترط في كلتا الحالتين أن يكون التجار الذين يتعامل معهم، يبيعون له بنفس الأسعار التي يبيعون بها للغير[13]، ويجوز للعميل أن يعطي البنك عمولة على هذه المشتريات.

(جـ) لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يشتري بهذه البطاقة ذهبًا أو فضة أو أية عملة. نقدية؛ لأن شـرط شـراء هذه الأشـياء التقابض كما تقدم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة