العاشـرة: ضَعْ وتعجَّل:
ثبت في الصحيح أن كعب بن مالك رضي الله عنه تقاضـى ابن أبي حدرد رضي الله عنه دينًا كان له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج رسول الله ﷺ إليهما حتى كشف سِجْف حجرته، فنادى كعب بن مالك، فقال: «يا كعب»، فقال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن يضع الشطر، فقال كعب: قد فعلت يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «قم فاقضه»[1]، ومعنى «الشطر»: النصف.
قال ابن بطال رحمه الله: (اتفق العلماء على أنه إن صالح غريمَه عن دراهم بدراهم أقل منها، جاز إذا حل الأجل، فإذا لم يحل الأجل لم يجز أن يحط عنه شـيئًا قبل أن يقبضه مكانه. وإن صالحه بعد حلول الأجل عن دراهم بدنانير أو دنانير بدراهم، جاز واشترط القبض)[2].
ومعنى ذلك أن هناك ثلاث أحوال:
الأولى: كان عليه ألف جنيه مثلًا، فلما حلَّ الأجل قال: سآخذ منك تسعمائة جنيه، فذلك جائز.
الثانية: كان عليه ألف جنيه مثلًا على أن يسددها بعد سنة، فلما مضـى ستة أشهر طلب منه أن يسقط مائة جنيه، فهذا لا يجوز، إلا أن يقبضه حالًا، ولا يؤخر السداد[3].
الثالثة: كان عليه ألف جنيه مثلًا، فلما حل الأجل قال: سأعطيك مكانها ريالات أو دولارات، فهذا جائز بشـرط أن يقبضه في نفس المجلس، وأن يكون بسعر يومها (يعني يوم السداد).
وقد نص قرار المجمع الفقهي على جواز (ضع وتعجل) إذا كان بين الدائن والمدين[4].
الحادية عشـرة: بيع الحيوان بالحيوان:
عن ابن عباس رضي الله عنه: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسـيئة»[5]. يدل هذا الحديث بظاهره -إن صح- على أنه لا يجوز بيع الحيوان بحيوان نسـيئة، لكنه ثبت ما يخالف ذلك من حديث أبي رافع أن النبي ﷺ استسلف بعيرًا بَكْرًا وقضـى رَبَاعيًا[6]، و«البَكْر» هو الفتي من الإبل كالغلام من الآدميين، و«الرَّباعي»: ما أتى عليه ست سنين ودخل في السابعة.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: «أن النبي ﷺ أمره أن يجهز جيشًا...» الحديث؛ وفيه: «فابتاع البعير بالبعيرين»[7].
وقد أورد البخاري بعض الآثار عن الصحابة بجواز هذا البيع فقال: «اشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالربذة»[8]. و«الراحلة»: هي ما أمكن ركوبه من الإبل. وقال ابن عباس: «قد يكون البعير خيرًا من البعيرين»[9].
واشترى رافع بن خديج بعيرًا ببعيرين، فأعطاه أحدهما، وقال: «آتيك بالآخر غدًا رهوًا إن شاء الله»[10]. «الرَّهْو»: السهل، والمقصود أنه لا يماطله.
وقال ابن المسـيب: (لا ربا في الحيوان، البعير بالبعيرين والشاة بالشاتين إلى أجل)[11].
فدل ذلك على جواز بيع الحيوان بالحيوان نسـيئة وتفاضلًا، وأما الجمع بين هذه الأحاديث والآثار، وبين حديث ابن عباس المتقدم، فأحسن ما قيل في ذلك ما ورد عن الشافعي: (أن النهي إنما يكون إذا كان الحيوان نسـيئة من الطرفين أي: كلاهما لم يسلم ما عنده).
الثانية عشـرة: النهي عن بيعتين في بيعة:
ثبت في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة»[12]. وقد فسـر ذلك سماك فقال: هو الرجل يبيع البيع فيقول: هو بنسأ -يعني: بأجل- بكذا، وهو بنقد (حال) بكذا، وهذا كما هو معلوم الآن؛ أن يكتب على السلعة: بسعر كذا (كاش) وبسعر كذا (قسط).
لكن هذه الصورة المذكورة تحرم إذا تم البيع دون الاتفاق على أحد الشـيئين (نقدًا أم قسطًا)، وأما إذا اتفقا على إحدى الصورتين، فيكون البيع جائزًا، وتكون قبل الاتفاق مساومة على البيع وليست بيعًا. قال ابن القيم رحمه الله: (وأبعدَ كلَّ البعد من حمل الحديث على البيع بمائة مؤجلة أو خمسـين حالة، وليس هاهنا ربا، ولا جهالة، ولا غرر، ولا قمار، ولا شـيء من المفاسد؛ فإنه خيَّره بين أي الثمنين شاء)[13]. وشـيخ الإسلام نقل الإجماع على جواز بيع التقسـيط إذا كان قصد المشتري السلعة.
وقد وردت في ذلك بعض الآثار؛ منها في (مصنف ابن أبي شـيبة)[14]:
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «لا بأس أن يقول للسلعة: هي بنقد بكذا، وبنسـيئة بكذا، ولكن لا يفترقان إلا عن رضا».
وعن شعبة قال: سألت الحكم وحمادًا عن الرجل يشتري من الرجل الشـيء، فيقول: إن كان بنقد، فبكذا، وإن كان إلى أجل، فبكذا، قال: لا بأس إذا انصـرف إلى أحدهما، قال شعبة: فذكرت ذلك للمغيرة، فقال: كان إبراهيم لا يرى بذلك بأسًا إذا تفرق على أحدهما.
ووردت آثار أخرى في مصنف عبد الرزاق[15]: روي عن الزهري وطاوس وابن المسـيب أنهم قالوا: لا بأس بأن يقول: أبيعك هذا الثوب بعشـرة إلى شهر، أو بعشـرين إلى شهرين، فباعه على أحدهما قبل أن يفارقه، فلا بأس به.
قلت: والحكم بجواز بيع التقسـيط هو ما ذهب إليه المجمع الفقهي[16].
ويتعلق ببيع التقسـيط ما يلي:
(1) يشترط في صحة بيع القسط ألا يكون هناك اتفاق على نسبة زيادة تأخير، وألا يكون هناك اتفاق أيضًا على خصم شـيء من السعر إذا تعجل في الدفع.
(2) الطريقة السابقة واضحة، وهو أن يقول البائع: هذه السلعة هي بكذا نقدًا (كاش)، وبنسـيئة بكذا (يعني قسطًا أو إلى أجل)، لكن لا يجوز أن يحدد سعر السلعة مع نسبة فائدة التقسـيط مثل أن يقول: هي بكذا وعليها فائدة (6%)؛ لأن هذا واضح أنه ربط الزيادة بالدين، ولذلك يسمون هذه (فوائد التأخير)، فهذا لا يجوز.
(3) ما يفعله بعض التجار من دفع (كمبيالات)، أو (شـيكات) القسط إلى البنك، بعد خصم مبلغ منها لصالح البنك، حيث إن البنك سـيحصل هذه الشـيكات فيما بعد، لا يجوز؛ لأنه عقد ربوي.
(4) جاء في فتاوى المجمع الفقهي: (إذا تأخر المشتري عن دفع الأقساط، فلا يجوز شـرعًا إلزامه بأية زيادة على الدين، سواء كان بشـرط سابق أو من دون شـرط، لكن يجوز شـرعًا اشتراط المطالبة بجميع الأقساط قبل موعدها إذا تأخر المدين عن أداء بعضها)[17]. اهـ بتصـرف يسـير.
العرايا: جمع عَرِيَّة، وهي النخلة، وسميت عرية؛ لأنها عريت من جملة التحريم[18]، وقيل: لأنها أعريت عن جملة النخل بالخرص.
ذكرنا فيما سبق أنه لا يجوز بيع التمر بالرطب، ولكن الشـرع رخص في هذا النوع من البيع في حالة وبشـروط، وذلك بأن يكون عند الفقير تمر من العام الماضـي، ويريد أن يأكل رطبًا يتفكه به، وليس عنده دراهم يشتري بها الرطب، فيمكنه في هذه الحالة أن يبيع التمر الذي معه لصاحب النخل، ويشتري منه تمرًا من نخله الذي هو الآن رطب، فهذا البيع جائز، وهو مستثنى من النهي عن بيع التمر بالرطب، وهذا الاستثناء إنما هو لحاجة الفقير، ولكن بشـروط وهي:
(1) ألَّا يجد ما يشتري به سوى التمر، ويكون محتاجًا للرطب، فإن وجد ما يشتري به من دراهم أو ثياب أو نحو ذلك، فلا يجوز أن يشتري الرطب بالتمر.
(2) ألَّا يزيد عن خمسة أوسق، والوَسْق: ستون صاعًا، وإن جعلها أقل من خمسة أوسق فهذا أفضل.
(3) أن يخرص الرطب على النخل، فيكون مساويًا بعد جفافه لقدر التمر الذي يدفعه الفقير، (ويشترط في التمر الذي يدفعه الفقير أن يكون معلومًا بالكيل)، وهذا الخرص بمعنى التقدير، ويكون من عارف ماهر، فإذا كان تقديره أقل أو أكثر من التمر، فإنه لا يجوز.
(4) أن يكون محتاجًا للرطب ليتفكَّه به، ولا يكون غرضه أن يبقى الرطب حتى يصـير تمرًا.
(5) أن يكون الرُّطَب على رؤوس النخل، أمَّا إذا قطع من النخل، فلا يجوز إبداله بالتمر، لأن المقصود التفكُّه به، وقد فات هذا الغرض بقطعه.
(6) يشترط التقابض في المجلس؛ بأن يسلمه تمره بالكيل، ويسلمه الآخر النخل بالتخلية.
والدليل على جواز بيع العرايا ما ثبت في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن النبي ﷺ رخص في بيع العرايا، في خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق»[19]، وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه: «أن رسول الله ﷺ رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها من التمر»[20].
