ملاحظات عامة على أبواب الربا:
(1) يجب على من يتعاطى الربا أن يسارع بالتوبة إلى الله ﭬ؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا ﴾ [البقرة:278]، فإن تاب فليس له إلا رأس ماله؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ ، وعلى هذا:
فله أن يطالب من يعامله بما قبض منه من الزيادة، ولا يعطيه إلا رأس ماله؛ لأن الله يقول: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة:279]، ولهذا لا يستحق المرابي في ذمة الناس إلا ما أعطاهم، وأما الزيادات، فلا يستحق شـيئًا منها.
(2) الأصل أن لا يتعامل المسلم مع من يتعامل بالمحرم، لكن لو كان كسب الأب من حلال وحرام (مختلط)، وأنفق على الزوجة والأولاد ممن تجب نفقتهم عليه، فهل لهم الانتفاع بذلك؟
الجواب: في ذلك مذاهب:
الأول: التحريم مطلقًا؛ سئل الإمام أحمد عن الذي يتعامل بالربا يؤكل عنده؟ قال: لا، قد لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله.
الثاني: إذا زاد الحرام على الثلث، حرم الأكل، وإلا فلا.
الثالث: إن كان الأكثر للحرام حرم، وإلا فلا يحرم؛ إقامةً للأكثر مُقامَ الكل؛ لأن القليل تابع.
ونقل عن الإمام أحمد أيضًا أنه سئل: هل للرجل أن يطلب من ورثة إنسان مالًا مضاربة ينفعهم وينتفع؟ قال: (إن كان غالبه الحرام، فلا).
الرابع: عدم التحريم مطلقًا، قلَّ الحرام أو كثر، لكن يكره، وتقوى الكراهة وتضعف حسب كثرة الحرام وقلته، وقد وردت في ذلك آثار عن السلف؛ فصح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عمن له جار يأكل الربا علانية، لا يتحرج من مال خبيث يأخذه، ويدعوه إلى طعامه؟ قال: «أجيبوه، فإنما المهنأ لكم والوزر عليه»[1]، وثبت نحوه عن سلمان الفارسـي رضي الله عنه[2].
وسئل الحسن البصـري رحمه الله: أيؤكل طعام الصـيارفة؟ فقال: (قد أخبركم الله عن اليهود والنصارى أنهم يأكلون الربا، وأحل لكم طعامهم). وهذا ما ذهب إليه إبراهيم النخعي والشعبي وغيرهم. وقال ابن رجب رحمه الله: (رخص قوم من السلف في الأكل ممن يعلم في ماله حرام ما لم يعلم أنه من الحرام بعينه.. ومتى علم أن عين الشـيء حرام أخذ بوجه محرم فإنه يحرم تناوله، حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر)[3].
قلت: مما تقدم يتبين أن الخلاف واقع فيمن اختلط ماله الحرام بماله الحلال ولم يتميز، لكنه إن علم أن هذا المال بعينه حرام، فإنه يحرم تناول هذا الشـيء بعينه، وفي الحالة الأولى مهما أمكنه التورع عن المال المختلط فهو أولى بالترك، وإن اضطر إلى تناوله، فليضـيق ولا يتوسع.
قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (لدي قاعدة: أن ما حرم لكسبه فهو حرام على الكاسب فقط دون من أخذه منه بطريق مباح، فعلى هذه يجوز قبول الهدية ممن يتعامل بالربا، وأيضًا يجوز معه البيع والشـراء، إلا إذا كان في هجره مصلحة -يعني في عدم معاملته وعدم قبول هديته مصلحة- فنعم، فنتبع هذا النظام للمصلحة، وأما ما حرم (عينه)، فهو حرام على الآخذ وغيره... إنسان سـرق مال شخص، وجاء إليَّ فأعطاني إياه، هذا المال المسـروق يحرم؛ لأن هذا المال بعينه حرام)[4].
(3) من كان لديه مال، فالأولى أن يتصـرف فيه لإنمائه بعيدًا عن البنوك، فإن لم يمكنه ذلك وضعها في البنوك الإسلامية، فإن لم يمكنه ودعت الحاجة إلى وضعها في البنوك الربوية، جاز له ذلك إذا لم يجد مأمنًا سوى ذلك، بشـرط أن لا ينتفع بالربا؛ لأن أخذ الربا حرام.
(4) إذا تاب من الربا وأخذ هذه الأموال الربوية، فإنه يتخلص منها في المصارف العامة؛ كبناء المستشفيات، والملاجئ، والمكتبات العامة، ودورات المياه العامة، ورصف الطرق، وإنارتها، ونحو ذلك.
ويرى بعض العلماء جواز صـرفها في جميع وجوه الخير، فيرون جواز صـرفها لبناء المساجد وللفقراء والمساكين[5]، ونفقات علاج المرضـى، والغرماء من أصحاب الديون المعسـرين، ونشاطات المراكز الإسلامية، وتكون نيته في ذلك التخلص من الحرام، لا الصدقة.
ولا يجوز له الانتفاع بها لنفسه؛ لا في مصلحة كأكل وشـرب وسكن ونفقة، أو دفع فواتير المياه والكهرباء، ولا في دفع مضـرة؛ كرسوم التأمين الإجباري أو دفع ضـرائب.