باب التفليس

لغة: هو الذي لا مال له، وليس عنده ما يدفع به حاجته.
واصطلاحًا: هو مَنْ دَينُه أكثر من ماله، وخَرْجُه أكثر من دَخْله.
وسمي مفلسًا، وإن كان ذا مال؛ لأن ماله مستحق الصـرف في دينه، فكأنه معدوم.
من ثبت عليه ديون وحقوق للغير مما يوجب غرام المال، حَجَر عليه الحاكم متى طلب الغرماء ذلك، فإذا حجر عليه الحاكم، تعلق بذلك أربعة أحكام:
الأول: منع تصـرفه في عين ماله.
الثاني: تعلق حقوق الغرماء بهذا المال.
الثالث: أن من وَجَد عين ماله، فهو أحق به من سائر الغرماء، بشـروط سنذكرها إن شاء الله.
فمثلًا: إذا كان باعه سلعة، فوجدها بعد الحجر، فهو أحق بسلعته من بقية الغرماء.
الرابع: للحاكم الحق في أن يبيع ماله ويوفي الغرماء.
إذا وجد الرجل عين ماله عند المفلس:
إذا وجد الرجل عين ماله عند المفلس، فله أن يأخذ عين ماله، وله أن يتركه؛ ليكون أسوة بقية الغرماء في تقسـيم المال؛ وذلك لما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من أدرك ماله بعينه عند رجل -أو إنسان- قد أفلس، فهو أحق به من غيره»[1].
فإذا آثر أن يأخذ عين ماله، فيشترط في ذلك شـروط:
(1) أن تكون السلعة باقية بعينها لم يتلف منها شـيء، فإن تلف منها شـيء، فهو أسوة الغرماء.
(2) ألَّا يكون المبيع زاد زيادة متصلة به، وأما إن كانت الزيادة منفصلة عنه، فله الرجوع فيه وأخذه، وتكون الزيادة للمفلس.
(3) أن لا يكون البائع قد قبض من ثمنها شـيئًا، فإن كان قد قبض من ثمنها شـيئًا سقط حق الرجوع؛ لأنه ثبت في إحدى روايات الحديث السابق عند أبي داود، وابن ماجه: «أيما رجل باع سلعة، فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد أفلس، ولم يكن قد قبض من ثمنها شـيئًا، فهي له، وإن كان قد قبض من ثمنها شـيئًا، فهو أسوة الغرماء»[2].
(4) ألَّا يتعلق به حق الغير؛ كأن يكون المشتري قد رهنه؛ لأن في الرجوع إضـرارًا بالغير، ولا يُزال الضـرر بالضـرر، ولأنه في حقيقة الأمر لم يجد ماله بعينه عند المفلس، فلم يكن له أخذه.
(5) أن يكون المفلس حيًّا. وهذا الشـرط مختلف فيه، وسـيأتي شـرح ذلك وبيان الراجح.
من الغرماء الذين يستحقون المال؟
قال ابن حزم رحمه الله: (ويقسم مال المفلس الذي يوجد له بين الغرماء بالحصص بالقيمة - كما يقسم الميراث - على الحاضـرين الطالبين الذين حلت آجال حقوقهم، ولا يدخل فيهم: حاضـر لا يطلب، ولا غائب لم يوكل، ولا حاضـر ولا غائب لم يحل أجلُ حقه طلب أو لم يطلب) [3].
اختلف العلماء إذا مات المفلس وعليه حقوق، ووجد صاحب الحق (الدائن) متاعه بعينه عنده، هل يأخذ متاعه لأنه أحق به، أو يكون أسوة الغرماء؟
الصحيح من ذلك أنه أسوة الغرماء؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «وأيما امرئ هلك وعنده متاع امرئ بعينه؛ اقتضـى منه شـيئًا أو لم يقتض، فهو أسوة الغرماء»[4].
وأما ما روي من حديث أبي هريرة عند أبي داود، وابن ماجه بلفظ: «من أفلس أو مات، فوجد رجل متاعه بعينه، فهو أحق به»، فهو حديث ضعيف؛ لأنه من رواية أبي المعتمر. قال الحافظ: مجهول الحال، وضعَّفه الشـيخ الألباني كما في (إرواء الغليل) (5/271).
إذا ثبت هذا، فإن الميت بفلس يقضـي لكل من حضـر أو غاب، طلب أو لم يطلب، وسواء كان دينه حالًّا أو مؤجلًا؛ لأن الآجال تحل كلها بموت الذي عليه الحق المدين[5].
تنبيه: الحقوق المتعلقة بالذمة قسمان: حقوق الله؛ كالزكاة والكفارة، وحقوق العباد؛ كالدين، وثمن المبيع، ومؤخر الصداق، فنبدأ أولًا بإخراج ما فرط فيه من حقوق الله، ثم بعد ذلك بحقوق الناس، وذلك لقول النبي ﷺ: «دين الله أحق بالوفاء»[6].
ينظر فيما يملكه المطالب (المفلس) برد الديون:
(أ) فإن كان يوجد مال يفي به مما يفضل له عن حاجاته، فهذا يباع من ماله ما يفضل عن حاجته لينصف منه الغرماء، وهذا كله بعد أن يطالب أولًا بالوفاء، فإن أبى حجر عليه.
(ب) وإن كان ما عنده يساوي ما عليه، أو لا يفي بقضاء ما عليه، فهذا يقضـي للغرماء بجميع ماله، فإن اتفقوا على بيعه، بِيع لهم، وهذا أيضًا بعد أن يطالب بالوفاء، فإن أبى حجر عليه.
ثم يقسم مال المفلس الذي وجد له بين الغرماء بالحصص (أي: نسبة وتناسب)، كما يقسم الميراث؛ وذلك لما ثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «أصـيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فأفلس، فقال رسول الله ﷺ: «تصدقوا عليه»، فتصدق الناس عليه، ولم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك»[7].
تنبيه: إذا لم يكن للمفلس مال، وجب إنظاره، ولا يجوز حبسه لذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ ﴾ [البقرة:280].
تصـرفات المفلس إما أن تكون قبل حجر الحاكم عليه أو بعده:
(أ) فإن كان تصـرفه قبل الحجر عليه؛ من بيع أو هبة أو إقرار أو قضاء بعض الغرماء أو غير ذلك، فهو جائز نافذ، بشـرط ألَّا يضـر بالغرماء، فإن تصـرف تصـرفًا يضـر بهم، كان حرامًا.
(ب) فإن حجر عليه، لم ينفذ تصـرفه في شـيء من ماله، فإن تصـرف لم يصح تصـرفه؛ لأن حقوق الغرماء تعلقت بأعيان ماله.
وأما إن تصـرف بذمته لا بعين ماله؛ كأن يشتري شـيئًا مؤجلًا ثمنه، أو يقترض، أو يقر بدين لأحد الناس، صح ما تعلق بذمته، لكن هؤلاء الذين تعاملوا معه بعد الحجر لا يشاركون الغرماء أصحاب الديون السابقة، لكنهم -أعني الذين تعاملوا معه بعد الحجر- يطالبونه بعد فك الحجر عنه.
ويتفرع على حكم الحجر ما يلي:
(1) قال ابن قدامة رحمه الله: (يستحب إظهار الحجر عليه؛ لتجتنب معاملته؛ كي لا يستضـر الناس بضـياع أموالهم عليه)[8].
(2) قال ابن عثيمين رحمه الله: (لو قال: أريد أن أعتمر، وعليه دين أكثر من ماله، نقول: لا تعتمر، وهذا حرام عليك، فإن قال: ما أديت الفريضة، قلنا: لا فريضة عليك؛ لأنه من شـرط وجوب الحج ألا يكون على الإنسان دين)[9].
(3) إذا باع أحد للمحجور عليه شـيئًا، أو أقرضه شـيئًا، وكان ذلك بعد الحجر، لكنه -أي: البائع أو المقرض- لا يعلم بأنه محجور عليه، فله في هذه الحالة أن يرجع في بيعه أو قرضه.