حجم الخط:

محتوى الدرس (204)

النفقة على المفلس:

المفلس إذا حجرنا عليه لا بد أن نترك له ما تقوم به حياته وحياة من تلزمه نفقته، وكسوته، ونحو ذلك، وبناء على هذا:

* يُنْفَق على المفلس وعلى من تجب عليه النفقة والكسوة، وعلى من تلزمه نفقته بالمعروف، من ماله إلى أن يفرغ من قسمته بين الغرماء.

* وكذلك يقدم تجهيزه عند الموت ومؤنة دفنه قبل الدَّين.

* واعلم أن الواجب من النفقة والكسوة أدنى ما ينفق على مثله بالمعروف، وأدنى ما يسكن مثله مما يدفع عنه الحر والبرد. قال ابن قدامة رحمه الله: (وإن كانت له ثياب لا يلبس مثله مثلها، بيعت واشتري له كسوةُ مثلِه، ورُد الفضل على الغرماء، فإن كانت إذا بيعت واشتري له كسوة لا يفضل منها شـيء، تركت، فإنه لا فائدة في بيعها)[1].

* واختلف العلماء في بيع داره:

فعند الحنابلة والحنفية: لا تباع داره التي لا غنى له عن سكناها.

وقال شـريح ومالك والشافعي: تباع ويشترى له بدلها؛ يعني مما يتناسب مع مستواه، واختاره ابن المنذر؛ لأن النبي ﷺ قال: «خذوا ما وجدتم»، وهذا مما وجد.

وأرى أن هذا الرأي هو الأرجح، وإلا فالأمر موكول إلى اجتهاد الحاكم، والله أعلم.

فإن كانت هذه الثياب، أو هذه الدار؛ عين مال أحد الغرماء، فله أخذها بالشـروط السابقة.

والخلاصة: أن يترك للمفلس ما تقوم به حياته، فلا تؤخذ ثيابه ولا داره ولا آلة حرفته، وفي حديث أبي سعيد الماضـي لم يثبت أن النبي ﷺ أمر الغرماء أن يخرجوا صاحب الدين من بيته، ولا أن يأخذوا ثيابه.

ويتعلق بما مضـى الفروع الآتية:

(1) إن كانت له أكثر من دار يستغنى بإحداها، بيع عليه ما زاد ما عدا داره التي لا غنى له عن سكناها.

(2) إن كان مسكنه لا يسكن مثلُه في مثلها، بيع واشتري له مسكن يصلح لمثله، ورُد الفضل على الغرماء.

(3) إن كان المفلس ذا صنعة ينفق منها على نفسه وأولاده، لم يترك له من ماله شـيء؛ لأنه يستغني بصنعته، وإن لم يقدر على شـيء من التكسب، ترك له من ماله قدر ما يكفيه.

(4) إذا تلف شـيء من المال قبل أن يباع، فمن مصـيبة المفلس، لا من مصـيبة الغرماء، وإن تلف بعد القضاء لهم بماله، فمن مصـيبة الغرماء، ويسقط عنه من دينهم بقدر ذلك.

(5) إذا قضـى ما عليه وبقي عليه بقية من الديون، فهل يجبر على التكسب؟

قولان للعلماء؛ فيرى الحنابلة والمالكية والشافعية أنه لا يجبر على التكسب. والقول الثاني، وهو أحد الروايتين عند الحنابلة: أنه يجبر على التكسب؛ وإذا ثبت ذلك، فإنما يجبر إذا كان في كسبه فضلة عن نفقته ونفقة من يمونه؛ أي: من ينفق عليهم.

(6) لا يجبر المفلس على قبول هدية، ولا صدقة، ولا وصـية، ولا قرض؛ سدادًا لدينه، ولا تجبر المرأة على التزوج لتأخذ مهرها سدادًا لدينها.

(7) إن جُنِي على المفلس جناية توجب المال، ثبت المال وتعلقت به حقوق الغرماء، ولا يصح أن يعفو عن الجاني، وإن كانت موجبة للقصاص؛ فهو مخير بين القصاص والعفو مقابل مال، هكذا على التخيير، ولا يجبر على العفو مقابل مال، فإن عفا مقابل مال، ثبت وتعلقت به حقوق الغرماء.

(8) ليس للمفلس إسقاطُ شـيء له عند الغير؛ من ثمن مبيع، أو أجرة، ولا قبضُ المُسلَم فيه أقلَّ وأدنى من صفته إلا بإذن غرمائه.

(9) بيع مال المفلس يتم بأن يحضـر المفلس والغرماء، ويعلن عن بيعه، ويباع كل شـيء في سوقه، ويقدم بيع الرهن ليستوفي المرتهن حقه، وما زاد رُد على الغرماء، ثم يباع ما يُسـرع إليه الفسادُ، ثم يباع ما يستغنى المفلس عنه، إلى أن يتم استيفاء الحقوق.

خريطة ذهنية لأحكام التفليس

جدول 108 من أحكام التفليس

حكم المفلس في حالة الإعسار:

إذا ثبت أنه لا مال له لم يكن لأحد مطالبته ولا ملازمته؛ فإن ظهر له مال، أنصف منه للغرماء؛ لقوله ﷺ للذي أصـيب في ثمار ابتاعها: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك»[2].

كيف يعامل إن ثبت إعساره؟

من كان عليه دين قد حلَّ أجله فطولب به ولم يؤده، نظر الحاكم في أمره كالآتي:

أولًا: إن كان في يده مال ظاهر أمره بالقضاء.

ثانيًا: فإن ادعى أن هذا المال ليس له بل لغيره، أحضـر صاحبه واستحلفه الحاكم؛ فإن قال هذا الغير: ليس بمالي، عرف كذب المفلس.

ثالثًا: فإن لم يكن له مال ظاهر فصدقه الغرماء على ذلك، قُبِل قوله، ووجب إنظاره، ولم تجز ملازمته؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ [البقرة:280].

رابعًا: فإن كذَّبه غريمه فلا يخلو الحال: إما أن يكون عرف له مال أو لم يعرف، فإن عرف له مال لكون الدين ثبت عن معاوضة كالقرض والبيع، فالقول قول غريمه مع يمينه.

خامسًا: فإذا حلف غريمه أنه ذو مال، حبس المفلس حتى تشهد البينة بإعساره.

سادسًا: إن شهدت البينة بتلف ماله، قبلت، فإن طولب المفلس بالحلف بأنه ليس له مالٌ غير المال المعروف، حلف على ذلك.

سابعًا: قال ابن حزم رحمه الله: (فإن كانت الحقوق من نفقات أو صداق أو ضمان أو جناية، فالقول قوله مع يمينه أنه عديم، ولا سبيل إليه حتى يثبت خصمه أن له مالًا، لكن يؤاجر ليقضـي ما عليه)[3].

ثامنًا: إن صح أن له مالًا غيَّبه، أدب وضـرب حتى يحضـره.

تاسعًا: قال ابن قدامة رحمه الله: (إذا امتنع الموسـر من قضاء الدين، فلغريمه ملازمته ومطالبته والإغلاظ له بالقول، فيقول: يا ظالم، يا معتد، ونحو ذلك، لقول رسول الله ﷺ: «ليُّ الواجد يحل عقوبته وعرضه»[4])[5].

سفر المفلس:

إذا أراد المفلس أن يسافر وعليه دين، فهل لغريمه منعه من السفر؟

أولًا: إذا كان محل الدين قبل قدومه من السفر، فله منعه، إلا أن يجعل عنده رهنًا أو ضمينًا.

ثانيًا: وإن كان محل الدَّين بعد قدومه من السفر، فليس له منعه من ذلك.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة