حجم الخط:

محتوى الدرس (206)

باب الحوالة

خريطة ذهنية لأحكام الحوالة

جدول 110 كتاب الحوالة

معنى الحوالة:

لغة: الحوالة من التحويل، وهي بفتح الحاء وقد تكسـر، قال ابن حجر رحمه الله: (وهي مشتقة من التحويل، أو من الحول، يقال: حال عن العهد إذا انتقل عنه)[1].

اصطلاحًا: نقل دين من ذمة إلى ذمة أخرى.

شرح التعريف:

إذا كان رجل عليه دين لآخر، فبدلًا من أن يعطيه الدين (لسبب ما) يقول له: أنا لي عند فلان مال، اذهب فخذ ديني منه، أي أنه أحاله إلى شخص آخر؛ ليصبح سداد الدين في ذمة هذا الآخر.

أطراف الحوالة:

مما تقدم يتبين أن أطراف الحوالة ثلاثة:

(1) المحيل: وهو المدين.

(2) المحال: وهو الدائن صاحب الحق.

(3) المحال عليه: وهو الذي حُوِّل الدين عليه وتعلَّق بذمته.

حكمها ودليل مشروعيتها:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَطْلُ الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم على مليء، فَليَتْبع»[2]. ومعنى الحديث: أنه يحرم على الغني أن يماطل صاحب الحق؛ وهذا باعتبار أنَّ المصدر «مطل» قد أضـيف إلى فاعله؛ وهو لفظ «الغني». وهذا هو رأي الجمهور. وقد قيل: المعنى: أنه يحرم على من عليه دين أن يماطل صاحب الدين ولو كان غنيًّا؛ وهذا باعتبار أن لفظ «الغني» في معنى المفعول به وأضـيف المصدر «مطل» إليه؛ ولا يخفى بعد هذا الرأي كما أشار إلى ذلك ابن حجر في شرحه للحديث في (فتح الباري). ثم يأمر النبيُّ ﷺ الدائن -إذا أحاله المدينُ على غني مليء قادر- بأن يقبل الإحالة، وأن يطالب هذا المليء المحال عليه حتى يستوفي حقه منه.

شروط الحوالة:

اشترط الفقهاء لصحة الحوالة شـروطًا:

(1) يشترط فيها رضا المحيل (المدين) بلا خلاف، فلا يُكره على الحوالة، كما يشترط رضا المحال (الدائن) عند الأكثر، ويرى بعضهم عدم اشتراط رضاه؛ لأن النبي ﷺ قال: «إذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع»، ولأن له أن يستوفي حقه، سواء كان من المحيل نفسه أو من غيره.

قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (والصواب أنه لا بد من رضا المحال، سواء كان على ملِيء أو غير مَلِيء)[3]. وأجاب من يرى اشتراط رضا المحال عن الحديث بأن الحديث محمول على الاستحباب والإرشاد.

وأما المحال عليه، فالظاهر أنه لا يشترط رضاه؛ لأن الواجب عليه قضاء ما تعلق بذمته، سواء قضاه للمحيل أو لمن أحاله عليه.

(2) يشترط تماثل الحقين في الصفات والجنس والتأجيل والحلول، فلا يصح إحالة من عليه ذهب على من عليه فضة، والعكس، ولا يصح أن يحيل من عليه دين حالٌّ على من عليه دين مؤجل.

(3) يشترط أن يحيله على دين مستقر في ذمة المحال عليه، فلا يحيله على مشتر عليه ثمن وهو ما زال في مدة الخيار؛ لأنه قد يختار الفسخ، ولا يحيله على صداق امرأة؛ لأنه قد يسقط بردتها، أو بصفة طلاقها كالخلع.

تنبيهات:

(1) تقدَّم أن من الشـروط رضا المحيل، لكن لو كان فقيرًا، أو كان له مال لكنه أخفاه، وعُلِم أن له في ذمة غني دينًا، فهل يجبر على الإحالة على هذا الغني؟

الجواب: لو رأى القاضـي أن إحالته لا بد منها، فله ذلك.

(2) إذا كان المحال عليه غنيًّا، لكنه كذاب مماطل، ففي هذه الحالة يعتبر رضا المحال حتى لا يضـيع ماله.

(3) معنى المَلِيء:

قال العلماء: هو القادر على الوفاء في قوله وماله وبدنه، ومعنى «القادر في قوله»: ألَّا يكون كذابًا مماطلًا، و«القادر في ماله»: أن يكون غنيًّا له مال يوفي به، وأما معنى: «في بدنه» فبأن يمكن إحضاره عند المحاكمة، فلا يكون هناك مانع شـرعًا؛ كأن يحيله على أبيه؛ لأن العلماء يقولون: لا يمكن مطالبة الأب بالدين إلا ما كان من النفقة فقط، وكذلك لا يكون هناك مانع واقعًا، كأن يحيله على السلطان.

* هل للمحال الرجوع في الحوالة بعد قبولها؟ وهل تبرأ ذمة المحيل بالحوالة؟

ذهب الحسن البصـري وقتادة -رحمهما الله- إلى عدم جواز رجوع المحال إذا أفلس المحتال عليه إن كان يوم أن أحيل عليه غنيًّا، فروى ابن أبي شـيبة عن قتادة والحسن أنهما سئلا عن رجل أحِيلَ على رجل فأفلس؟ قالا: إن كان مليئًا يوم أحيلَ عليه فليس له أن يرجع[4]. وعلى هذا؛ فإذا غرَّه المحيل، وكان المحال عليه قد أفلس قبل أن يحيله، ولم يعلم صاحب الحق؛ فلصاحب الحق الرجوع عليه.

ويرى الحنفية أنه إذا مات المحال عليه مفلسًا، أو جحد الحوالة، فله الرجوع على المحيل مرة أخرى. وأما الجمهور فلا يرون له الرجوع على أي حال؛ سواء أفلس أو جحد الحوالة أو مات. قال الحافظ رحمه الله في (الفتح): (واستدل به على أن الحوالة إذا صحت، ثم تعذَّر القبض بحدوث حادث؛ كموت أو فلس، لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل؛ لأنه لو كان له الرجوع لم يكن لاشتراط الغنى فائدة، فلما شـرط علم أنه انتقل انتقالًا لا رجوع له، كما لو عوضه عن دينه بعوض، ثم تلف العوض في يد صاحب الدين، فليس له الرجوع)[5].

* هل الأمر في الحديث «فليتبع» للوجوب أو للندب؟

(1) ذهب جمهور العلماء إلى أن الأمر للاستحباب.

(2) وحمله أكثر الحنابلة وأبو ثور وابن جرير وأهل الظاهر على أنه للوجوب.

* ما يدخل في المطل وما لا يدخل:

(1) جمهور العلماء على أن المماطل يفسق بالمماطلة، وأن المطل كبيرة.

(2) يدخل في المطل كل من لزمه حق؛ كالزوج لزوجته، والسـيد لعبده، والحاكم لرعيته.

(3) لا يدخل في حكم المماطل الغني الغائب ماله عنه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة