حجم الخط:

محتوى الدرس (208)

كتاب الشركات

 

كتاب الشركات

خريطة ذهنية لأحكام الشركات

جدول 112 كتاب الشركات

معنى الشركة:

الشـركة لغة: هي الاختلاط.

واصطلاحًا: هي الاجتماع في استحقاق أو تصـرف، وقيل: هي عقد بين المتشاركين في رأس المال والربح.

مشروعيتها:

الشـركة ثابتة بالقرآن والسنة والإجماع.

أما (القرآن): فقوله تعالى: ﴿ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ [النساء:12]، وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ [ص:24].

وأما (السنة): فعن السائب المخزومي رضي الله عنه أنه كان شـريك النبي ﷺ قبل البعثة، فجاء يوم الفتح فقال: «مرحبًا بأخي وشـريكي»[1].

وأما (الإجماع): فقد قال ابن قدامة: (أجمع المسلمون على جواز الشـركة في الجملة، وإنما اختلفوا في بعض أنواعها)[2].

ممن تصح الشركة:

(1) لا تصح الشـركة إلا من جائز التصـرف؛ وهو: العاقل البالغ الحر الرشـيد.

(2) قال الإمام أحمد: (يشارك اليهودي والنصـراني)، لكن لا يخلو اليهودي والنصـراني بالمال دونه، ويكون هو الذي يليه؛ لأنه يعمل بالربا، وبهذا قال الحسن والثوري، وكره الشافعي مشاركتهم مطلقًا[3].

أركان عقد الشركة وحكمه:

أركان العقد: الإيجاب والقبول بين الطرفين، وليس لهما لفظ مخصوص، بل كل ما دل على التراضـي بينهما على المشاركة تتم به الشـركة.

وأما حكمه: فعقد الشـركة عقد جائز من الجانبين، أي: أنه يصح لكل منهما فسخ العقد.

تنبيه: العقود من حيث اللزوم ثلاثة أنواع:

الأول: عقد لازم من الطرفين؛ أي: لا يصح لأحد أن يفسخه إلا برضـى الطرفين كعقد البيع والإجارة.

الثاني: جائز بين الطرفين، لكل منهما فسخه؛ كالوكالة، والشـركة، والجعالة، ويرى بعض العلماء أنه إذا تضمن الفسخ ضـررًا على الآخر ضمن الضـرر.

الثالث: لازم من طرف وجائز من طرف؛ كالرهن، فهو لازم في حق الراهن، جائز في حق المرتهن (راجع أحكام الرهن).

أقسام الشركة:

تنقسم الشـركة إلى قسمين:

القسم الأول: شـركة أملاك:

وهو أن يمتلك الشـركاء عينًا باختيارهم أو بغير اختيارهم.

مثال الأول: (الشـركة باختيارهم): أن يوهبوا هبة يكونون فيها شـركاء، فيقبلون هذه الهبة، أو اشتركوا جميعًا في شـراء شـيء ما، فأصبحوا جميعًا ملاكًا لهذا الشـيء.

ومثال الثاني: (الشـركة بغير اختيارهم): الميراث؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ [النساء:12]. أي: أن الورثة صاروا شـركاء، لكن هذه الشـركة جَبْرٌ لا اختيارٌ.

حكم شـركة الأملاك:

لا يجوز لأحد من الشـركاء التصـرف في نصـيب صاحبه بغير إذنه؛ لأنه لا ولاية لأحدهم في نصـيب الآخر، سواء كان ذلك باختيارهم أو بغير اختيارهم.

القسم الثاني: شـركة عقود:

وهي المقصودة في هذا الباب؛ وهي أن يكون بين الشـركاء عَقْدٌ في المال أو العمل، والربح بما رزق الله يكون بينهم، وهذه الشـركة أنواع خمسة؛ وهي: شـركة العنان - والأبدان - والوجوه - والمفاوضة - والمضاربة.

واعلم أن هذا التقسـيم لا اعتراض عليه، فهو تقسـيم بالاستقراء، ولو ثبتت شـركات أخرى معاصـرة فإنها جائزة؛ لأن الأصل في الأشـياء الحل شـريطة ألا تكون هذه الشـركات مخالفة للقواعد العامة للشـريعة.

أحكام شركات العقود عند الفقهاء:

(1) شـركة العنان: جائزة بالإجماع.

(2) شـركة المضاربة: جائزة بالإجماع.

(3) شـركة الأبدان: جائزة عند الأئمة الثلاثة، وأبطلها الشافعي وابن حزم.

(4) شـركة الوجوه: جائزة عند أحمد وأبي حنيفة، وباطلة عند المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية.

(5) شـركة المفاوضة: جائزة عند المالكية والحنفية، باطلة عند الشافعية والحنابلة.

وسنذكر -إن شاء الله- تفاصـيل هذه الشـركات وأحكامها:

شروط عامة لهذه الشركات:

قبل ذكر الشـروط الخاصة لكل نوع من الشـركات، نذكر فيما يلي الشـروط العامة لها كلها:

(1) أن يكون كلٌّ من الشـريكين أهلًا للوكالة.

(2) أن يكون الربح معلوم القدر؛ لأن الجهالة تفضـي إلى النزاع، على أن يكون ذلك الربح جزءًا مشاعًا كالربع والثلث ونحو ذلك، ولا يجوز تحديده بمبلغ معين -كألف جنيه مثلًا- أو تحديد ربح لأحدهما من شـيء معين؛ كأن يجعل لأحدهما ربح سلعة معينة من جملة السلع.

(3) أن يكون المال حاضـرًا عند مباشـرة أعمال الشـركة، فلا تصح بمال غائب، أو بمال في الذمة.

أولاً: شركة العنان:

خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بشركة العنان

جدول 113 شركة العنان

حكمها:

جائزة بالإجماع، ذكره ابن المنذر.

كيفيتها:

أن يشترك رجلان فأكثر بأموالهم المعلومة، وأن يعملوا فيها بأبدانهم، والربح بينهم، أي: أنهم مشتركون بالمال والعمل.

أحكامها:

اشترط بعض الفقهاء لهذه الشـركة شـروطًا، الصحيح منها ما يلي:

(1) يجوز أن يكون رأس المال «نقدًا» كالذهب والفضة، أو الأوراق النقدية كالجنيهات والدولارات والريالات ونحو ذلك، كما يجوز أن يكون «عروضًا»، فإذا كانت عروضًا (سواء كانت مكيلة أو موزونة أو غيرها) تحسب قيمتها وقت العقد، ويقسم الربح بناءً على هذه القيمة.

(2) لا يشترط اتفاق المالين في الجنس؛ فيجوز أن يكون لأحدهما جنيهات مثلًا وللآخر دولارات. قال القاضـي أبو يعلى: (إذا أرادا المفاصلة قوَّما -أي: قدَّرا- المتاع بنقد البلد، وقوَّما مال الآخر به -يعني: الذي ماله من غير نقد البلد- ويكون التقويم حين صـرفا الثمن فيه).

(3) لا يشترط تساوي المالين، ولا خلطهما، وما تلف من أي المالين فعليهما، وما زاد فلهما.

مثال: رجل عنده ثياب وآخر عنده أطعمة، فاتفقا على المشاركة؛ صحت على الراجح، وتكون الثياب في متجر صاحبها والأطعمة في متجر صاحبها، وصار مال كل واحد شـركة بينهما، والربح والخسارة من كلا المتجرين مقسوم عليهما.

(4) يجوز أن يكون الشـريكان مسؤولين، كما يجوز أن يكون المسؤول أحدهما، ويجوز أن يتساويا في الأرباح، كما يجوز أن يختلفا، كل ذلك حسب الاتفاق؛ شـريطة أن يكون الربح جزءًا مشاعًا، ولا يقدر بعدد ثابت، فإذا شاركه والربح مناصفة مثلًا جاز، وأما إذا شاركه على أن يكون نصـيبه من الربح مائة جنيه مثلًا فلا يجوز، وكذلك لا يصح أن يخص لأحدهما ربح شـيء من العمل دون الآخر.

أما الخسارة فتكون بنسبة رأس المال، بخلاف الربح فهو على ما اشترطا.

 

 

ملاحظات وتنبيهات:

(1) لا يجوز أن يكون رأس مال الشـركة مجهولًا،

ولا جزافًا، ولا يجوز أن تكون الشـركة بمال غائب أو بدين.

(2) إذا وقع عقد الشـركة فاسدًا

فحكمه كالآتي:

أ- إن كان مال كل واحد متميزًا، وربحه معلومًا، فيأخذ كل واحد ماله وربحه؛ أي: ربح ماله فقط.

ب- وإن كان المال غير متميز قسم الربح بينهما على قدر رأس المال، ثم يكون لكل واحد منهما على الآخر أجرة عمله.

جـ- إن كان بعض المال متميزًا، وبعضه غير متميز، عومل المتميز كما في (أ) وغير المتميز كما في (ب).

مثال لما سبق: اشترك رجلان أحدهما له ثياب والآخر له أطعمة، وتبين أن عقد الشـركة فاسد، فصاحب الثياب يأخذ ثيابه وربحه له، وصاحب الأطعمة يأخذ طعامه وربحه، أي: أننا لا نعطي لأحدهما جزءًا من ربح الآخر؛ لأن المال متميز.

وأما إذا اشتركا جميعًا في تجارة أقمشة فقط، فالمال هنا غير متميز، فالربح يقسم بينهما بنسبة رأس المال ويلغى ما اتفقا عليه، ثم يعطي كل منهما للآخر أجرة عمله حسب ما قام به من عمل.

(3) شـركة العنان مبنية على الوكالة والأمانة:

فكل واحد منهما وكيلٌ للثاني؛ يتصـرف في المال بما أذن له فيه؛ كأن يبيع في جنس معين أو بلد معين، وله أن يقبض الثمن، وأن يبيع ويشتري ويطالب بالدين ويحيل، وله أن يبيع (مساومة، ومرابحة، وتولية، ومواضعة) كيفما رأى المصلحة، ولا يضمن إذا تلف شـيء إلا بالتعدي أو التفريط. وليس له أن يشارك آخر بمال الشـركة. وليس له أن يخلط مال الشـركة بماله ولا مال غيره.

(4) عقد الشـركة من العقود الجائزة؛

تبطل بموت أحد الشـريكين وجنونه، والحجر عليه للسفه، وبالفسخ من أحدهما.

(5) إذا مات أحد الشـريكين

وله وارث رشـيد، فلهذا الوارث الحق في أن يقيم على الشـركة، ويأذن له الشـريك في التصـرف، كما أن له الحق في أن يطلب القسمة، يعني: فسخ الشـركة.

ثانيًا: شركة الأبدان:

خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بشركة الأبدان وشركة الوجوه

جدول 114 شركة الأبدان والوجوه

معناها:

أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم؛ كالصناع، أو يكتسبونه من المباح؛ كجمع الحطب وحشـيش الأرض وعشبها والمعادن.

حكمها:

جائزة عند أبي حنيفة ومالك وأحمد، وباطلة عند الشافعية والظاهرية، والراجح هو القول الأول؛ لأن الأصل في المعاملات الحل.

أحكامها:

(1) تصح شـركة الأبدان مع اتفاق الصنائع؛ كأن يكونوا جميعًا مثلًا نجارين، كما تصح مع اختلافها على الأرجح؛ كأن يكون بعضهم نجارين وبعضهم حدادين.

(2) قال ابن قدامة: (إذا قال أحدهما: أنا أتقبل، وأنت تعمل، والأجرة بيني وبينك: صحت الشـركة)[4]. وعلى هذا إذا قام أحد الصناع بالاتفاق على عمل؛ كنجار أو نقاش، وأحضـر عمالًا آخرين يعملون والربح بينهم: جاز ذلك، فإن كان هناك تقصـير، فالضمان على كل منهم.

(3) يجوز الربح على ما اتفقوا عليه؛ فيجوز فيه المساواة، ويجوز فيه المفاضلة.

(4) لكل واحد من الشـركاء الحق في مطالبة المستأجر بالأجرة، وللمستأجر أن يدفعها إلى أي واحد منهم، وتبرأ ذمته بذلك. فإن تلفت في يد أحدهم من غير تفريط فهي من ضمانهم معًا.

(5) إذا ترك أحدهم العمل؛ فالصحيح أنه إن تركه من غير عذر فإنه لا يستحق شـيئًا، بخلاف ما إذا تركه لعذر.

ويتعلق بشـركة الأبدان أيضًا ما يلي:

(1) إذا اشترك رجلان لكل منهما دابة على أن يؤجراهما؛ فما رزق الله من شـيء فهو بينهما، صحت الشـركة.

(2) إذا كان لرجل أداة وآلة، وللآخر بيت، فاشتركا على أن يعملا بأداة هذا في بيت هذا، والأجرة على ما شـرطاه، صحت الشـركة.

(3) إذا دفع رجل لآخر دابته ليعمل عليها، والربح بينهما نصفين أو أثلاثًا أو نحوه، صحت كذلك.

ثالثًا: شركة الوجوه:

معناها:

أن يشترك اثنان فيما يشتريان بجاههما وثقة التجار لهما، من غير أن يكون لهما رأس مال؛ أي: أنهما يشتريان بالدَّين (لمكانتهما عند التجار) ويبيعان بالنقد، وما رزق الله من ربح فهو بينهما.

حكمها:

جائزة عند الحنابلة والحنفية، وباطلة عند الشافعية، والصحيح الأول، واستدلوا على صحتها بتعامل الناس بها من غير نكير، وقد قال ﷺ: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة»[5].

ويصح في هذه الشـركة التفاوت في ملكيتهما للشـيء حسب ما تعلق بذمة كل واحد منهما.

والربح يكون بينهما على قدر ما اتفقا عليه، وأما الخسارة فتكون بقدر نصـيب كل منهما في ذلك وما تعلق في ذمته. واعلم أن كلًّا من الشـريكين في شـركة الوجوه وكيل عن الثاني وكفيل عنه أيضًا؛ أي: أنه يضمنه فيما تعلق بذمته.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة