صفة عقد الإجارة:
عقد الإجارة عقد لازم؛ يعني: أنه نافذ على كل من المتعاقدين، وعلى هذا فالواجب على المؤجر تسليم العين للمستأجر، فلو منعه تسليم العين له للانتفاع بها، فهو في حكم الغاصب، ويكون ضامنًا.
مثال: استأجر رجل بيتًا بعشـرة آلاف جنيه لمدة سنة، ولكن المالك لم يمكِّن المستأجر من البيت، وانقضت السنة، فهل يرد المالك للمستأجر عشـرة آلاف أو يرد أكثر من ذلك.
الجواب: أن هذا المالك صار بمنزلة الغاصب، وبناء على ذلك فلا بد له أن يرد إليه أجرة المثل، فإذا كانت قيمة الإيجار زادت رد إليه عشـرة آلاف الجنيه التى دفعها له المستأجر والزيادة الحاصلة فى قيمة الإجارة، لكن لو كانت أجرة المثل نقصت، فإنه يرد عليه ما دفعه إليه المستأجر كاملًا، ولا يخصم من حق المستأجر شـيئًا؟
مسألة: لو استأجر البيت لمدة سنة:
كالمثال السابق، لكن المستأجر لم يستخدمه إلا بعد مضـي ثلاثة أشهر من غير أن يمنعه المالك حق الانتفاع، فهل يخصم ذلك من الأجرة؟
الجواب: لا يخصم، بل عليه أن يسلم الأجرة كاملة. والعكس كذلك؛ إذا سكن أول المدة، ثم ترك بقية المدة، فعليه أن يدفع الأجرة كاملة؛ لأن المالك لم يمنعه حق استيفاء المنفعة.
لكن لو تم الاتفاق على الفسخ قبل مضـي المدة، فلا يلزمه دفع باقي المدة.
مسألة: عقد الإجارة ينفسخ بتلف المعقود عليه:
فلو أجره دارًا، ثم انهدمت الدار انفسخ عقد الإجارة، وليس على المستأجر إلا دفع أجرة المدة التي انتفع بها فقط.
مسألة: هل تقسم الأجرة في المثال السابق على المدة أم أو على قدر الانتفاع؟
أي: أنه لو كان مستأجرًا لمحل تجاري مثلًا لمدة سنة، وأقام به ستة أشهر فقط، وكانت هذه الأشهر الستة هي موسم البيع، ثم أراد فسخ العقد، فهل نحسب الأجرة بنصف المدة، فيدفع نصف ما اتفقا عليه، أو تحسب الأجرة حسب المنفعة؛ لأنه استغل المحل في أحسن أحواله، ولا يؤجر بقية العام؟
الراجح: أن الأجرة تحسب على قدر المنفعة، ويحدد ذلك أهل الخبرة والتخصص.
مسألة: إذا مات أحد المتعاقدين أو ماتا كلاهما؛ هل ينفسخ عقد الإجارة؟
الجواب: لا ينفسخ، بل ينتقل إلى ورثتهما حتى تنقضـي المدة. خلافًا للحنفية
مسألة: إذا وجد العين معيبة، أو حدث بها عيب يفوِّت عليه المنفعة:
في هذه الحالة: للمستأجر الحق في فسخ العقد، على أن يؤدي أجرة ما مضـى، فإن أزال المالك العيب، فليس للمستأجر فسخ العقد، وأما إن رضـي المستأجر بالعيب أصلًا، فإن الأجرة لازمة عليه في جميع المدة، واختلفوا هل تلزمه الأجرة على ما اتفقوا عليه، أو ينقص منها بقدر ما نقص من المنفعة؛ على قولين، الأول هو قول الجمهور، والثاني أحد قولي الشافعية، ورجحه ابن تيمية، والله أعلم.
مسألة: هل تجوز الزيادة على الأجرة في أثناء مدة العقد؟
الجواب: لا يجوز ما داما قد تراضـيا واتفقا على القيمة الإيجارية، فليس للمالك أن يلزم المستأجر بدفع أجرة زائدة؛ لأن المنفعة أصبحت ملكًا للمستأجر، فإذا ألزمه المالك بزيادة، فإنما يلزمه بما لا يجب عليه.
ولكن لو كان هناك اتفاق في أول العقد، أن هناك زيادة بعد مدة معينة، فلا بأس بذلك؛ لأنه يحمل ذلك على بيعه للمنفعة في المدة الأولى بقيمة، وفي المدة الثانية بقيمة أخرى.
خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بالإجارة على عمل:

الأجير الذي يستأجره الإنسان لأداء عمل له ينقسم إلى قسمين: أجير خاص، وأجير عام.
فالأجير الخاص: هو الذي يعمل لشخص واحد مدة معينة معلومة.
وحكمه: أنه لا يجوز له العمل لغير مستأجره؛ مثل أن تستأجر عاملًا يعمل في الدكان، أو في المزرعة، أو نحو ذلك، ففي المدة التي استؤجر فيها لا يجوز أن يعمل عند غيرك في مدة عمله.
والأجير العام: هو الذي يعمل لعامة الناس؛ كالحداد والنجار والخياط.
وحكمه: أنه يجوز له العمل لجميع الناس، وليس لمن استأجره أن يمنعه من العمل لغيره.
فالأول: نفعه مقدر بالزمن؛ فزمنه خاص بالمستأجر، لا يملك أن يعمل لرجل آخر في هذه المدة.
والثاني: نفعه مقدر بالعمل، فيعمل لهذا ولهذا، وهكذا.
ويحرم على المؤجر منع الحق لمن استأجره، بل عليه أن يوفيه أجرته ما دام استوفى حقه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره»[1].
(1) الأجير الخاص لا يضمن إذا أخطأ فأتلف شـيئًا، إلَّا أن يكون ذلك منه بتعدٍّ أو تفريط، فإنه يضمن.
(2) أما الأجير المشترك فيضمن ما كان يفعله ولو خطأ.
مثال: أعطى ثوبًا لخياط وقال له: اصنع لى قميصًا، فصنع له سـروالًا، فعليه الضمان، وليس له أجرة على ما صنع، بل يأخذ السـراويل، ويأتي بثوب آخر لصاحبه، أو يصطلحا فيما بينهما؛ كأن يأخذ صاحب الثوب السـراويل ويغرم الخياط بدفع الفرق بينهما، فهذا أيضًا جائز.
وأما إذا سـرق الثوب من حرزه، ولم يكن هناك تفريط من الخياط فلا ضمان عليه، ولكن هل له الأجرة؟ خلاف بين العلماء، والصحيح أن له الأجرة؛ لأنه أدى ما عليه، والتلف لم يكن من صنيعه.
(3) كرَّم الإسلام العمال إذ إنه يعطيهم متطلبات حياتهم؛ فعن المستورد بن شداد رضي الله عنه: سمعت النبي ﷺ يقول: «من كان لنا عاملًا فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادمًا، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنًا»[2].
(4) اعلم -رحمك الله- أن التعاقد بين العامل وصاحب العمل أساسه التراضـي فيما بينهما، ليس له تحديد معين، لكن إذا كان هناك ما يدعو إلى تحديد الأجور، فهل للحاكم التدخل في ذلك؟
الجواب: أن هذه المسألة تندرج تحت مسألة التسعير للسلع؛ فإنها جائزة عند الضـرورة لرفع الضـرر المتحقق من ترك التسعير، مع أن ترك التسعير هو الأصل.
وعلى هذا فيجوز تحديد الأجور عند الحاجة والضـرورة -لا في كل حالة ولا في كل وقت- ويكون ذلك بمشورة أهل الخبرة والاختصاص، وأن تكون الغاية من تدخل الحاكم رفع الظلم؛ بأن يكون التحديد عدلًا، لا وكس ولا شطط.
تنبيه: تحديد الأجور المذكور هنا يفارق تحديد الأجور في النظام الاشتراكي الوضعي من وجهين:
(أ) النظام الوضعي يحدد الأجور على أقل ما يحتاجه العامل؛ ليبقى مستمرًّا في الحياة، وأما النظام الإسلامي فمقصوده إقامة العدل؛ بأن تفي الأجور بالاحتياجات الحقيقية الكاملة بحيث يعيش الإنسان حياة كريمة، ويتحقَّق التكافل الاجتماعي.
(ب) تحديد الأجور في النظام الوضعي تحديد دائم مستمر، أي أنه قانون لا يتغير ولا يتبدل، ولكن في الإسلام يكون عند الضـرورة والحاجة لرفع الظلم الحاصل؛ لأن الأصل عدم التحديد.
(5) مسألة: هل يلزم صاحب العمل برفع الأجور؟
هذه المسألة مبنية على ما سبق من جواز التسعير؛ لأن الزيادة هنا والتسعير عليهم من باب تصحيح العقود، وردها إلى أجرة المثل، حتى لا يجحف أصحاب الأعمال بالعمال.
(6) مسألة: ما حكم التعويض في نهاية المدة؟
الجواب: يعد التعويض في نهاية المدة جزءًا متأخرًا من قيمة الأجرة إذا شـرطا ذلك في العقد، إمَّا لفظًا أو عرفًا، فيجب في هذه الحالة تعويض العامل على ما اتفقا عليه، وأما إذا نصَّا على عدم التعويض، أو لم يكن ذلك عرفًا عامًّا، فليس له المطالبة بتعويض في نهاية الخدمة.
(7) لا يجوز لمن يعمل أجيرًا في وظيفة أو عمل ما أن يستغل آلات الوظيفة، كالسـيارة مثلًا، في حاجاته الشخصـية.
(8) الموظفون في الدوائر الحكومية، أو غيرها، أجراء في الدولة، أو عند من يعملون عندهم، فعليهم الحضور في أوقات العمل حتى لو لم يكن هناك عمل يقومون به، ولا يجوز لهم تقسـيم الوقت على أنفسهم بحيث يبقى بعضهم وينصـرف الآخرون، إلا أن يكون هناك موافقة في لائحة العمل، أو من صاحب العمل[3]، ولا يكفي في ذلك إذن المدير؛ لأنه موظف مثلهم، ليس له حق التصـرف إلا في حدود اللائحة، فإن كانت اللائحة تمنحه هذا الحق فله ذلك، وإلا فلا.
![]()