حجم الخط:

محتوى الدرس (216)

باب الجعالة

خريطة ذهنية لأحكام الجعالة

جدول 122 كتاب الجعالة

معنى الجَعالة:

لغة: هي ما يجعل للإنسان عوضًا عن فعل شـيء، وتسمى عند القانونيين: الوعد بالجائزة أو المكافأة.

واصطلاحًا: هي أن يجعل شـيئًا معلومًا لمن يعمل له عملًا معلومًا أو مجهولًا، مدة معلومة أو مجهولة.

شرح التعريف:

إذا قال رجل مثلًا: من رد إليَّ بعيري الضال أو سـيارتي الضائعة فله ألف جنيه، فهذا المبلغ يقال له (جُعْل)، ولا شك أن الذي سـيقوم بالبحث عن السـيارة عمله مجهول ومدته مجهولة، فإنه قد يجد له السـيارة في وقت يسـير، وقد يجدها في وقت طويل، وقد يُتعب نفسه فلا يجدها فلا يستحق شـيئًا.

وعلى هذا فعقد الجعالة فيه عوض معلوم، وهذا العوض يشترط فيه العلم به -وهو ألف الجنيه في المثال السابق- وفيه عوض غير معلوم، وهو عمل العامل للوصول إلى ما أراده الجاعل.

مشروعية الجعالة:

الجعالة ثابتة بالقرآن والسنة والنظر الصحيح:

أما (القرآن): فقد قال تعالى في قصة يوسف مع إخوته: ﴿ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:72]. و«الصُّواع»: هو الصاع الذي يكال به، وقوله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ أي: من وجده يأخذ حمل بعير؛ فهذا هو الجعل.

وأما (السنة): فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أنَّ ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ أتوا حيًّا من أحياء العرب، فلم يُقروهم[1]، فبينما هم كذلك إذ لدغ سـيد أولئك، فقالوا: هل فيكم راقٍ؟ فقالوا: إنكم لم تقرونا، فلا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعلًا، فجعلوا لهم قطيعًا من الشـياه، فجعل رجل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه، ويتفل، فبرأ الرجل، فأتوهم بالشـياه، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل رسول الله ﷺ، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فضحك وقال: «وما أدراك أنها رقية؟ خذوها واضـربوا لي فيها بسهم»[2].

وأما (النظر): فإن حاجة الناس تدعو إلى الجعالة؛ فقد يحتاج الإنسان إلى رد ضالته، أو إلى عمل لا يقوى عليه؛ فيجوز بذل الجعل في ذلك.

الفرق بين الجعالة والإجارة:

(1) تجوز الجعالة على عمل مجهول، وأما الإجارة فلا تصح إلا على عمل معلوم.

(2) تصح الجعالة مع عامل غير معين؛ كأن يقول: من فعل لي كذا فله كذا؛ فإنه لم يحدد العامل، أما الإجارة فلا تصح مع عامل مجهول، بل لا بد من معرفة العامل.

(3) لا يشترط في الجعالة قبول العامل؛ لأنها عقد من إرادة واحدة، من جهة المالك الذي جعل الجعل، وأما الإجارة فإنها عقد بين طرفين، ولا بد من رضا كل منهما.

(4) الجعالة عقد جائز غير لازم يجوز فسخه، وأما الإجارة فهي عقد لازم لا يفسخ إلا برضا الطرفين.

(5) لا يستحق الجعل في الجعالة إلا بعد الإتيان بالمطلوب، وأما الإجارة فيجوز اشتراط تعجيل الأجرة.

أحكام الجعالة:

(1) لو عمل العامل دون أن يجعل له صاحب الحق جُعلًا، فلا شـيء له؛ لأنه متبرع، ولكن يندب لصاحب الحق أن يعطيه تكرمًا؛ لأنه قدَّم إليه معروفًا فيستحب له مكافأته.

مثال: رجل ضاعت حقيبته، فقام أحد الناس بالبحث عنها حتى عثر عليها وسلَّمها له، فهذا الرجل متبرع ولا يلزم إعطاؤه جُعلا.

(2) لا يشترط في الجاعل أن يكون هو المالك، فيجوز لغير المالك أن يلتزم بجُعل لمن قام بالعمل لغيره.

مثال: ضاعت حقيبة زيد، فقال عمرو: (من وجد حقيبة زيد جعلت له كذا من المال)، فنجد هنا أن الذي جعل الجُعل عمرو، وهو ليس صاحب الحقيبة.

(3) يصح أن تكون الجعالة لواحد معين، أو لغير معين، كما يصح أن يجعل لشخص معين عوضًا، ولسائر الناس عوضًا آخر.

مثال: رجل ضاع منه مال، فقال لشخص معين: لو وجدت لي مالي هذا جعلت لك كذا وكذا، فهذه جعالة لمعين. وأما إذا قال: من وجد لي مالي الضائع فله كذا وكذا، فهذه جعالة لغير معين.

ويجوز أن يقول مثلًا: من وجد لي مالي فله مائة جنيه، ثم يخص واحدًا معينًا؛ يقول له: وإن وجدته أنت جعلت لك مائتي جنيه.

(4) يشترط أن يكون الجعل مالًا معلومًا، ولا يصح أن يكون مجهولًا، فمثال المعلوم ما تقدم، ومثال المجهول أن يقول: من وجد سـيارتي فسوف أُرْضـيه، أو أعطيه ما في هذا الكيس، فهذا جعل مجهول لا يصح، وعلى هذا فللواجد أجرة المثل؛ لأن الجعل فاسد، وينتقل الأمر إلى الإجارة.

(5) ولا يجوز أن يكون الجُعل شـيئًا محرمًا؛ كأنه يعطيه خمرًا، أو يعطيه شـيئًا مغصوبًا.

فالقاعدة أن كل ما يجوز أخذ العوض عليه في الإجارة، جاز أخذ العوض عليه في الجعالة، وما لا يجوز أخذ العوض عليه في الإجارة، لا يجوز أخذ العوض عليه في الجعالة.

(6) تقدم أن الجعالة عقد غير لازم، فيجوز لكل من الجاعل والعامل الفسخ، لكنهم اختلفوا في وقت جواز الفسخ؛ فيرى المالكية أنه يجوز الفسخ قبل الشـروع في العمل، ويكون الجاعل ملزمًا إذا شـرع العامل في عمله، وأما العامل فهو غير ملزم بشـيء قبل العمل أو في أثنائه أو بعده. وأما عند الشافعية والحنابلة؛ فيجوز فسخ الجعالة في أي وقت شاء الجاعل والمجعول له، ويكون الحكم كالآتي:

(أ) إذا فسخ العقد من أحدهما قبل الشـروع في العمل، فلا شـيء للعامل.

(ب) وإن كان الفسخ من العامل بعد الشـروع في العمل وقبل إتمامه، فلا شـيء له أيضًا؛ لأنه لم يتحقق غرض الجاعل.

قال الشـيخ ابن عثيمين: (لكن لو فرض أن الجاعل سـيتضـرر كثيرًا؛ لأن العامل فسخ الجعالة في وقت لا يوجد فيه عمال، فهنا سـيلحق الضـرر بالجاعل، فلو قلنا بتغريم العامل مقابل الزيادة لكان له وجه، وهناك قول آخر، وهو أنه إذا تضمن ضـررًا التزم بإتمام العمل، وعلى هذا القول نستريح)[3].

(ج) وأما إن كان الفسخ من المالك بعد الشـروع في العمل، فعليه للعامل أجرة مثل عمله.

(7) يجوز للمالك الجاعل أن يزيد وينقص في قيمة الجعل؛ لأن الجعالة عقد غير لازم، فإن كان ذلك قبل العمل فلا يترتب على ذلك شـيء، وإن كان في أثناء العمل فحينئذ يبطل الجعل، ويستحق العامل أجرة المثل.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة