حجم الخط:

محتوى الدرس (218)

أنواع المسابقة:

[تمهيد]

المسابقة قد تكون بعوض (أي جائزة للفائز)، وقد تكون بغير عوض؛ وفيما يلي بيان هذه الأنواع:

أولًا: المسابقات الجائزة بعوض بلا خلاف:

لا تجوز المسابقة بعوض إلا في ثلاثة أشـياء؛ وهي: الخف، والحافر، والنصل؛ لما ثبت في الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا سَبَق إلا في خف، أو حافر، أو نصل»[1].

ومعنى «السبق» - بفتح الباء -: هو الجُعْل والجائزة التي يأخذها السابق، و«الخف» كناية عن الإبل، و«الحافر»: كناية عن الخيل، و«النَّصْل» كناية عن السـيف، والسهم، والرمح، والنبل.

وهذه الأمور هي أدوات الحرب والقتال في عصـرهم، وقياسا عليها يجوز التسابق فيما هو في معناها من أدوات القتال؛ كالرشاشات، والمسدسات، والمدافع، والصواريخ، والدبابات، والطائرات، وغير ذلك مما يعد للقتال ويحرض عليه.

فيجوز في هذه الحالات إعطاء الجائزة للمتسابق بالشـروط التي ستأتي فيما بعد. وهذا بإجماع الفقهاء، ولكنهم اختلفوا في بعض أنواع المسابقات الأخرى؛ هل يجوز فيها العوض أو لا، كالمسابقة على الأقدام، والمصارعة، وحمل الأثقال لمعرفة الأشد، والسباحة، والغطس في الماء[2].

ثانيًا: مسابقات جائزة (وفي إباحة العوض عليها خلاف):

فقد اختلف أهل العلم في ذلك على قولين:

الأول: لا يجوز العوض إلا فيما ورد به النص، وأما ما لم يرد به النص، فلا يجوز بذل العوض فيه مطلقًا؛ لظاهر الحديث: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر»، ولأن هذه هي آلات الحرب القتالية، فلا يجوز في غيرها؛ كالمسابقة بالأقدام، والمصارعة، وغير ذلك.

الثاني: قالوا: يجوز أخذ العوض في المسابقات التي هي في معنى المنصوص عليه؛ كالمسابقة بالأقدام، والمصارعة، والتسلق، والعَدْو، والجودو، ونحو ذلك مما يستعان به على الحرب وهذا مذهب الحنفية والشافعية، وترجيح ابن تيمية وابن القيم[3]؛ قال ابن القيم: (وعلى هذا، فكل مغالبة يستعان بها على الجهاد تجوز بالعوض، بخلاف المغالبات التي لا ينصـر الدين بها)[4].

وهؤلاء قد حملوا الحديث: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر» على أن النفي للكمال، أي: لا سبق أحل من هذه الثلاثة؛ لما في ذلك من تمرن على الجهاد وعلى آلات الحرب.

قلت: وعلى هذا فينبغي أن يكون جواز ما في معنى المنصوص مقيدًا بما إذا كان الدافع له هو التمرن على القتال ومنازلة الأعداء، لا مجرد اللعب والتكسب به، والله أعلم.

أقسام المسابقات حسب المصلحة والمفسدة:

تنقسم المسابقات حسب المصلحة والمفسدة إلى ثلاثة أقسام:

الأول: ما فيه مصلحة راجحة، وهو ما يحبه الله ورسوله؛ فهذا الذي شـرعه الله بعوض وبغير عوض، وهو الوارد في الحديث.

الثاني: ما فيه مضـرة راجحة؛ فهذا تحرم المسابقة فيه؛ سواء كان بعوض أو بغير عوض، وهو من جنس القمار، ويدخل في ذلك مسابقات (اليانصـيب)، والرقص، ومسابقات ملكات الجمال، والموسـيقى، والنحت، وشهادات الاستثمار.

ويدخل في هذا القسم أيضًا: التحريش بين الحيوانات، ومناقرة الديوك، ونطاح الكباش؛ لأن كل هذه المسابقات مما يبغضه الله ورسوله.

الثالث: مسابقات لا يترجح فيها المصلحة أو المفسدة، فهذه جائزة بلا عوض؛ لأن للنفوس فيها استراحةً وإجمامًا، ويدخل في هذا القسم ألعاب الكرة؛ ككرة القدم، والسلة، والطائرة.

وهناك أنواع من هذا القسم اختلف فيها: هل تلحق بالقسم الأول أو لا؛ كالمصارعة، وألعاب الكاراتيه، والجودو، والتسلق، والعدو، وغير ذلك، وقد تقدم تفصـيل ذلك.

المراهنة لنصرة الحق وإظهاره (مراهنة الصديق):

[تمهيد]

عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله: ﴿ الم ﴿ ١ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿ ٢ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴿ ٣ فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم:1-4] قال: كان المشـركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر أهل الروم؛ لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر رضي الله عنه فذكره أبو بكر لرسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: «أَما إنهم سـيغلبون»، فذكره لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلًا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجل خمس سنين، فلم يظهروا، فذكروا ذلك للنبي ﷺ، فقال: «أَلا جعلت إلى دون العشـر» -قال سعيد: والبِضْع: ما دون العشـر- قال: ثم ظهرت الروم بعد[5].

وقد اختلفت آراء العلماء حول هذه المراهنة:

فقيل: إنما وقعت قبل تحريم القمار، فهي منسوخة، وهذا قول العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة، وعارض ذلك ابن القيم بأن آية تحريم القمار كانت في غزوة بني النضـير بعد أحد، وأما غلبة الروم لفارس فكانت عام الحديبية، وهذا يدل على أن الصديق أخذ الرهان بعد تحريم القمار.

وقيل: هذا خاص بما إذا كانت المراهنة بين مسلم وحربي، وهذا ما قاله الحنفية.

والراجح: أن هذه المراهنة محكمة ليست منسوخة، وهو مستثنى من القمار المحرم؛ لأن هذا تحدٍّ من الصديق للمشـركين مع وثوقه بالغلبة، وعلى هذا يحمل حديث مصارعة النبي ﷺ لركانة[6]؛ لأنه تحدٍّ لإظهار أنه مؤيد من الله، ولذلك كانت هذه المصارعة سببًا لإسلامه، وعلى ذلك فيكون أيضًا مما استثني فيه جواز أخذ الجعل، إذا كانت المراهنة من أجل إظهار الحق، وغلبة الدين.

وهاهنا كلام جيد نفيس لابن القيم؛ إذ قال: (وهذه المراهنة من رسول الله ﷺ وصِدِّيقه هي من الجهاد الذي يُظْهِر الله به دينه، ويعزه به، فهي من معنى الثلاثة[7] المستثناة في حديث أبى هريرة، ولكن هذه الثلاثة جنسها لا يعد إلا للجهاد، بخلاف جنس الصـراع، فإنه لم يعد لجهاد، وإنما يصـير مشابهًا للجهاد إذا تضمن نصـرة الحق وإعلانه، كصـراع النبي ركانة.

وهذا كما أن الثلاثة المستثناة إذا أريد بها الفخر والعلو في الأرض، وظلم الناس، كانت مذمومة، فالصـراع والسباق بالأقدام ونحوها إذا قصد به نصـر الإسلام كان طاعة، وكان أخذ السبق به حينئذ أخذًا بالحق لا بالباطل)[8].

حكم المسابقات العلمية:

قال ابن القيم: (لما كان الجلاد بالسـيف والسنان، والجدال بالحجة والبرهان كالأخوين الشقيقين والقرينين المتصاحبين، كانت أحكام كل واحد منهما شبيهة بأحكام الآخر ومستفادة منه)[9].

وقال ابن تيمية: (فالمغالبة الجائزة تحل بالعوض إذا كانت مما ينتفع به في الدين كما في مراهنة أبي بكر رضي الله عنه وهو أحد الوجهين في المذهب)[10]. قال البعلي تعليقًا على ما قاله ابن تيمية: (وظاهر ذلك جواز الرهان في العلم، وفاقًا للحنفية؛ لقيام الدين بالجهاد والعلم، والله أعلم)[11].

قلت: وبناء على ذلك فيجوز بعض المسابقات العلمية؛ كحفظ القرآن، وتعلم التفسـير، والحديث، والفقه وأصوله، وغير ذلك من الأمور الشـرعية، وكذلك المسابقات في المباحث العلمية؛ سواء كان ذلك في المجالات الشـرعية، أو العسكرية، أو الاقتصادية، أو غير ذلك من المسابقات العلمية.

حكم المسابقات الرياضية:

يمكننا أن نقسم الرياضة إلى أقسام حسب حكمها الشـرعي:

أولًا: رياضة جائزة بعوض وبغير عوض: وهي ركوب الخيل، والسباق على آلات الجهاد.

ثانيًا: رياضة جائزة (لكن العوض عليها فيه خلاف): وهي كل رياضة شبيهة وملحقة بأعمال الجهاد: كالكاراتيه، والجودو، والمصارعة، والعدو، والتسلق؛ فمن العلماء من يمنع العوض مطلقًا، ومنهم من يبيحها شـريطة أن يكون المقصود منها التمرن على الجهاد، لا مجرد الفخر والعلو في الأرض[12].

ثالثًا: رياضة جائزة بلا عوض: فهي مباحة فقط ترويحًا للنفس وإجمامًا لها، لكن لا يجوز أخذ العوض عليها، وهذه مثل كرة القدم، وكرة السلة، والكرة الطائرة.

رابعًا: رياضة غير جائزة؛ بعوض وبغير عوض: وذلك مثل الملاكمة؛ لأن فيها مخالفات شـرعية؛ لأن فيها ضـربًا للوجه، ويسعى كل من الخصمين لإيذاء خصمه، وقد تَحْدُث إصابات دائمة، وقد يَحْدُث قتل[13].

حكم مسابقات الترفيه:

(1) اللعب بالنَّرْد (الطاولة) حرام؛ كما ذهب إلى ذلك جمهور العلماء؛ لقوله ﷺ: «من لعب بالنردشـير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه»[14].

قلت: وهذا التحريم سواء كان بعوض أو بغير عوض.

(2) لعبة الشطرنج: ذهب جمهور الفقهاء؛ من الحنابلة والحنفية وبعض المالكية إلى الحرمة مطلقًا، واختار الشافعية الكراهة، وقد ناقش ابن القيم حكمه في كتاب الفروسـية، ورجَّح القول بالتحريم، كما رجَّحه ابن تيمية.

قلت: ومن أباحه اشترط لإباحته شـروطًا:

ألا يقترن بقمار، وإلا حرم بالإجماع.

ألا تكون بياذق الشطرنج مصورة بصورة إنسان أو حيوان.

ألا يقترن بفحش أو سفه.

ألا يؤدي ذلك إلى الاستخفاف بمواقيت الصلاة.

ألا يلعبه مع الأراذل.

ألا يورث حقدًا أو بغضًا.

ألا يصل إلى حد الإكباب والإدمان.

المسابقات الورقية: الكوتشينة:

ليس فيها مهارة جهادية، ولا خبرة علمية، ولا فائدة اجتماعية، بل هي مبنية على التخمين والحدس، فهي إلى التحريم أقرب.

المسابقات الترويجية:

نحو ما تلجأ إليه بعض المؤسسات التجارية لترويج سلعتها عن طريق اشتراك المشترين؛ بأن يحصل كل منهم على بطاقة تسمح له بالاشتراك في سحب؛ ليحصل الفائز على هدية كبيرة، وهذا من (اليانصـيب) وهو قمار. ويدخل في ذلك أيضًا: أن تمنح الشـركات شهادات استثمار للمشتركين؛ فيكون لكل منهم فرصة للفوز بالجائزة. وقد تقدم أن شهادات الاستثمار محرمة، وحكم شهادات الاستثمار حكم اليانصـيب، وهو من القمار المحرم[15].

أحكام العوض في المسابقات:

اتفق الفقهاء في المسابقات التي يجوز فيها الجعل (العوض) على جواز أن يكون هذا العوض إما من الإمام (الحاكم)، أو نائبه، أو أحد الرعية. كما يجوز أن يكون من أحد المتسابقين دون الآخر.

وأما إذا كان من كلا المتسابقين، فقد ذهب الفقهاء إلى أنه لا يجوز ذلك إلا إذا كان معهما شخص ثالث متسابق لا يخرج جعلًا معهما، على أنه إذا غَلَب أخذ الجائزة، وإذا غُلِب لم يغرم شـيئًا، هذا ما ذهب إليه جمهور العلماء؛ اشترطوا دخول هذا الشخص الثالث، ويسميه البعض (المُحلِّل)، والغرض من ذلك عندهم هو إخراج العقد من صورة القمار.

وخالفهم في ذلك ابن تيمية وتلميذه ابن القيم - رحمهما الله إذ رجحا جواز الجعل بين الطرفين بغير محلل، ولم يشترطا هذا الثالث، وقد أطال ابن القيم في هذا البحث في كتابه الفروسـية، وذكر نحو أربعين وجهًا لصحته.

والراجح -والله أعلم-: قول الجمهور؛ وهو جواز بذل الجعل في وجود المُحَلِّل.

شروط المسابقة بعوض:

هناك شـروط اشتراطها الفقهاء للمسابقة بعوض؛ نلخصها فيما يلي:

(1) أن تكون المسابقة من الأنواع النافعة في الجهاد، كما تقدم

(2) أن يكون العوض من أحد المتسابقين، أو من شخص آخر كالإمام، أو نائبه، أو شخص آخر غيرهما، وأما إذا كان العوض من أحد المتسابقين، فلا يصح إلا بمحلل عند الجمهور، ويجوز بمحلل وبغير محلل عند ابن تيمية وابن القيم.

(3) أن تكون المسابقة فيما يحتمل أن يسبق أحدهما، وأما إذا كان يعلم غالبًا أنه يسبق فلا يجوز؛ لأنه خرج عن صورة المسابقة إلى صورة التزام المال للغير بلا منفعة له.

(4) العلم بالمال المشـروط، ومعرفة نقطة البدء والنهاية، وتعيين الفرسـين.

مسائل مهمة في المسابقات:

(1) إذا وصل المتسابقان في وقت واحد، فهل يقرع بينهما في الجعل؟

الجواب: لا يقرع بينهما، بل النتيجة: لا سابق ولا مسبوق، ومعلوم أن العوض كان على السبق، أي: فلا يأخذه أحد منهما.

(2) اعلم أن القمار لا يشترط فيه المال، فهناك قمار معه المال وهذا واضح، ومنه ما هو بغير مال؛ كما قال ابن تيمية: (الميسـر المحرم ليس من شـرطه أن يكون فيه عوض)[16]، وعلى هذا فالمسابقات الممنوعة شـرعًا هي من الميسـر؛ سواء كانت بعوض أو بغير عوض.

(3) ما يبذله بعض الناس من عوض للمتسابقين في المهارات التي لا تجوز بعوض، هو من إضاعة المال، وسـيسأل عنه العبد يوم القيامة، وقد رأينا كثيرًا من رجال الأعمال يصـرفون الأموال الباهظة للاعبي الكرة، فهذا لا يجوز، وكذلك لا يجوز صـرف هذه الجوائز من الأموال العامة، بل إن المال العام يحتاط فيه أكثر من المال الخاص.

(4) اعلم - رحمك الله - أنه لا يجوز احتراف اللعب للتكسب وطلب الرزق، وقد رأيتَ أن العوض أبيح لغرض التمرن على القوة الجهادية لآلات الحرب، ولذلك كان من المسابقات ما لا يباح فيها العوض حتى لا تتخذه النفوس وسـيلة للتكسب.. والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة