كتاب الوكالة

لغة: الوكالة -بفتح الواو أو كسـرها- التفويض؛ تقول: وكلت أمري إلى الله؛ أي: فوضته إليه. وتطلق ويراد بها الحفظ؛ ومنه قوله تعالى: ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران:173].
واصطلاحًا: إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في تصـرف جائز معلوم، وقيد بعضهم التعريف بكونه «في الحياة»؛ لأنه بعد الموت يكون وصـيا وليس وكيلًا.
الوكالة عقد جائز، وهي في حق الوكيل مستحبة؛ لما فيها من الإحسان لأخيه وقضاء حوائجه.
من (القرآن): قوله تعالى: ﴿ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ﴾ [الكهف:19].
وأما (السنة): فقد ثبت توكيله ﷺ في أمور كثيرة؛ فوكل علي بن أبي طالب في نحر ما تبقى من هديه، وأن يقسم جلودها ولحومها[1]، ووكل رجلًا على أن يشتري له أضحية بدينار[2]، وثبت عنه ﷺ أنه وكل أبا رافع ورجلًا من الأنصار فزوجاه ميمونة رضي الله عنها [3]، وثبت عنه التوكيل في قضاء الدين[4]، والتوكيل في إثبات الحدود واستيفائها[5].
و(أجمع) المسلمون على جواز الوكالة، بل على استحبابها؛ لأنها نوع من التعاون على البر والتقوى.
الإيجاب والقبول، ولا يشترط فيها لفظ معين، بل تصح بكل قول يدل عليه، وتصح كذلك بالفعل والكتابة. ولا يشترط في القبول أن يكون على الفور، بل يجوز أن يكون على الفور أو على التراخي. ولكل واحد من المتعاقدين أن يرجع في الوكالة، ويفسخ العقد في أي وقت؛ لأنها عقد جائز.
منها ما يتعلق بالموكِّل، ومنها ما يتعلق بالوكيل، ومنها ما يتعلق بالموكَّل فيه:
فيشترط أن يكون جائز التصـرف، فلا تصح الوكالة من مجنون أو صبي غير مميز؛ لأنهما فاقدا الأهلية، وأما الصبي المميز فيصح أن يوكل غيره في التصـرفات النافعة له؛ كقبول الهبة والوصـية، ولا تصح في التصـرفات الضارة كالطلاق.
فيشترط أن يكون أهلًا للتصـرف، وذلك بأن يكون عاقلًا بالغًا، وذهب الجمهور إلى أنه لا يصح توكيل الصبي ولا المحجور عليه لسفه.
فيشترط أن يكون معلومًا للوكيل، وأن يكون قابلًا للنيابة عنه فيه؛ سواء كان الموكِّل حاضـرًا أم غائبًا، وسواء كان رجلًا أم امرأة.
- ويشترط أن يكون الموكَّل فيه مملوكًا للموكِّل؛ لأنه لا يجوز له أن يوكله في ملك غيره.
- ويشترط ألا يكون الموكَّل فيه من الأمور المباحة؛ كالاحتطاب، فالوكالة في مثله فاسدة.
مثال: رجل قال لآخر: وكلتك أن تحتطب لي (أي: تجمع لي حطبًا)، فهل يصح هذا؟
الجواب: هذه الوكالة لا تصح؛ لأن الاحتطاب من الأشـياء المباحة كالكلأ والعشب ونحو ذلك، وعلى هذا فيكون حكم هذا الرجل كحكم الأجير وليس وكيلًا، فيعطيه أجرة المثل.
(1) اتفق الفقهاء على صحة توقيت الوكالة بزمن معين؛ كأن يوكله لمدة سنة مثلًا؛ لأن الوكالة بحسب الحاجة.
(2) واتفق الفقهاء على صحة الوكالة المنجزة (يعني: غير المعلقة) كأن يقول له: وكلتك في شـراء كذا، ولكنهم اختلفوا في الوكالة المعلقة على شـرط؛ كأن يقول له: وكلتك أن تشتري لي هذه السـيارة غدًا، أو إذا جاء أول العام فاشتر لى كذا؛ فذهب الحنابلة والحنفية إلى صحة هذه الوكالة، وأما الشافعية فلا يرون صحتها.
الأجرة على الوكالة:
(1) يجوز للوكيل أن يكون متبرعًا، ويجوز أن يتقاضـى أجرًا؛ ودليل ذلك أن النبي ﷺ كان يبعث عُمَّاله لقبض الصدقات، فقال له أبناء عمِّه: «لو بعثتنا على هذه الصدقات، فنؤدي ما يؤدي الناس، ونصـيب ما يصـيب الناس»[6]. وإذا عمل الوكيل بالأجرة، فإنه لا يستحقها في أداء ما استعمل فيه إلا بعد أدائه.
(2) الراجح صحة الوكالة العامة، كما تصح الوكالة الخاصة؛ وذلك لأن الوكالة تصح في كل ما يملكه الموكل، وفي كل ما تصح فيه النيابة عن الغير من التصـرفات المالية وغيرها، وهذا مذهب الحنفية والمالكية.
(1) يصح التوكيل في كل حق آدمي؛ من العقود والفسوخ والعتق والطلاق والرجعة، لكن لا تصح في الظهار واللعان والأيمان؛ لأن الظهار معصـية وهو منكر من القول وزور، فلا يصح التوكيل فيه، ولأن اللعان يتعلقان بالشخص نفسه، فلا يصح التوكيل فيه، هذا كله فيما يتعلق بحقوق العباد.
(2) أما ما يتعلق بالعبادات المحضة، فلا يصح فيه الوكالة إلا ما ورد فيها نص يصحح النيابة فيها؛ فالصلاة لا تصح فيها الوكالة، والصوم كذلك لا تصح فيه الوكالة، لا في فرضه ولا في نفله، لكن لو مات وعليه صـيام صام عنه وليه.
وأما العبادات التي لها تعلق بالمال فتصح الوكالة فيها: فالزكاة يصح أن يوكل غيره في إخراجها؛ لأن السنة وردت بذلك، فقد كان النبي ﷺ يوكل في إخراج الزكاة، وفي حفظها، وفي قبضها، وكذلك ذهب جمهور العلماء إلى جواز الوكالة في العبادات التي لها تعلق بالمال؛ سواء كان ذلك في قبضها، أو إخراجها ودفعها إلى المستحقين؛ كالكفارات والنذور والصدقات وذبح الأضاحي وتقسـيمها.
وأما الحج فلا تصح فيه النيابة؛ إلا في حالتين؛ وهما: الحج عن الميت، أو عن العاجز عجزًا لا يرجى زواله، وذلك في حج الفريضة فقط. واعلم أن الأصل في العبادات عدم التوكيل، وعلى هذا فالراجح أنه لا يصح التوكيل في حج النافلة.
(3) ويجوز التوكيل في إثبات الحدود، وفي إقامتها؛ لما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ أرسل رجلًا يقال له أنيس إلى إمرأة زنت فقال: «واغْدُ يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها»[7].
فترى أن النبي ﷺ وكله في إثبات الحد؛ وهو سؤالها واعترافها، ثم وكله في استيفائه وإقامته؛ وهو رجمها إن هي اعترفت.
(4) اختلفوا في الوكالة في المطالبة بالقصاص؛ فالذي ذهب إليه المالكية أن ذلك جائز، وهذا هو أصح قولي الشافعية وأظهر الروايتين عن أحمد. وذهب الحنفية إلى أنه لا يجوز المطالبة بالقصاص إلا في وجود الموكِّل نفسه، والقول الأول هو الأرجح.
(5) ويصح التوكيل في الخصومة (المحاماة عن الغير) في إثبات الديون والأعيان وسائر الحقوق؛ سواء كان الموكِّل مدعيًا أو مدعًى عليه، وسواء رضـي الخصم أم لم يرض؛ لأن المخاصمة حق خالص للموكِّل، فله أن يتولاه بنفسه، وله أن يوكل عنه غيره فيه.
مسألة: هل يجوز قبول التوكيل في الخصومة؟
يعني: أن يوكل الإنسان آخر (كالمحامي) ليخاصم عنه (يعني: يدافع عنه ويطالب بحقه) في خصومة بينه وبين آخرين، فهل لهذا المحامي أن يقبل التوكيل؟
الجواب: إن علم أن الموكِّل محق، فهذا مشـروع؛ لأنه يساعده على أخذ حقه، وإن كان مبطلًا فلا يجوز قبول التوكيل عنه، وأما عند التردد هل هو محق أو لا، فالأولى تركها؛ لأن السلامة لا يعدلها شـيء.
(6) وتجوز الوكالة بقضاء الديون، وبالإبراء، وبالنكاح، والخلع، والصلح عن دم العمد، والصلح على الإنكار[8]، والهبة، والصدقة، والرهن، والإيداع، والعارية، وطلب الهبة، والمشاركة، والمضاربة، والسلم، والصـرف.
والخلاصة: أن كل عقد جاز للإنسان التصـرف فيه جاز له التوكيل فيه.