حجم الخط:

محتوى الدرس (226)

كتاب اللقطة واللقيط

أحكام اللقطة واللقيط

خريطة ذهنية لأحكام اللقطة

جدول 129 كتاب اللقطة واللقيط

أولاً: اللقطـة:

معنى اللقطة:

لغةً: اللقط -بسكون القاف- أخذ الشـيء، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ۗ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ [القصص:8].

واصطلاحًا: المال الضائع من (صاحبه)، أو كل مال معصوم معرَّض للضـياع، لا يُعرَف مالكُه.

حكم التقاط اللقطة:

اختلف العلماء في التقاط اللقطة، فيرى بعضهم -وهم الحنفية والشافعية- أن الأفضل أن يلتقطها؛ لأن هذا من باب التعاون على البر والتقوى، ولأن فيه حفظ مال أخيه المسلم من الضـياع، وبعضهم يرى الوجوب، وبعضهم يرى الاستحباب. ورأى المالكية والحنابلة كراهية الالتقاط؛ لما ورد في الحديث: «لا يأوي الضالة إلا ضال، ما لم يعرفها»[1].

قلت: والراجح الرأي القائل بوجوب التقاط اللقطة إذا خيف على المال الضائع، وتعين اللقط طريقًا لحفظها، وذلك بأن يلتقطها خشـية أن تلتقطها أيدي خائنة آثمة، فيضـيع مال المسلم بغير حق، ويجب على هذا الملتقط أن يردها لصاحبها متى عرفه كما سـيأتي إن شاء الله. وأما عند عدم الخوف عليها، ووثوقه بنفسه وقدرته على التعريف فيكون مندوبًا[2].

وأما الحديث الذي احتج به المانعون فمقصوده من يلتقط اللقطة بنية التملك؛ فهذا لا يجوز، وأما التقاطها بنية التعريف فلا يدخل في هذا الوصف. قال الحافظ ابن حجر: (ومن ثم كان الأرجح من مذاهب العلماء أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال: فمتى رجح أخذها فوجب أو استحب، ومتى رجح تركها حرم أو كره وإلا فهو جائزً)[3].

أقسام اللقطة:

[تمهيد]

اللقطة تنقسم إلى: لقطة حيوان ويقال لها «الضالَّة»، ولقطة غير الحيوان وهي بقية الممتلكات، ولكل منهما حكمها.

(1) لقطة غير الحيوان:

عن زيد بن خالد رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن اللقطة، فقال: «اعرف عفاصها، ووكاءها، ثم عرِّفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها»، قال: فضالَّة الغنم، قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب»، قال: فضالَّة الإبل؟ قال: «ما لك ولها! معها سقاؤها وحذاؤها؛ ترد الماء، وتأكل الشجر، حتى يلقاها ربها»[4]. وورد زيادة معرفة عددها عند مسلم؛ بلفظ: «اعرف عفاصها، ووكاءها، وعددها». ومعنى «العِفَاص»: الوعاء الذى يكون فيه الشـيء، و«الوكاء»: الخيط الذي تربط به.

والمقصود من الحديث معرفة ما يميزها عن غيرها؛ حتى لا تختلط بمال الملتقط من ناحية، وحتى إذا جاءها صاحبها سأله عن علاماتها ليتبين صدقه من كذبه.

فتبين من هذا الحديث أن على الملتقط عدة أمور:

(أ) أن يتعرف اللقطة، وذلك بمعرفة الوعاء، والرباط، والعدد، ونحو ذلك. قال الحافظ: (والغرض معرفة الآلات التي تحفظ اللقطة، ويلتحق بما ذكر حفظ الجنس، والصفة، والقدر، والكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن، والذرع فيما يذرع)[5].

(ب) التعريف بها سنة كاملة في مجامع الناس؛ كالأسواق، وأبواب المساجد، ونحو ذلك.

(جـ) الاحتفاظ بهذه اللقطة عنده وديعة مدة التعريف، لا يجوز له التصـرف فيها بأي حال من الأحوال، بل يحفظها كما يحفظ ماله، وتكون عنده أمانة، ولا يضمنها إلا بالتعدي أو التفريط في حفظها، أما لو ضاعت أو تلفت من غير تفريط ولا تعدٍّ منه، فلا شـىء عليه.

(د) إذا جاء صاحبها فعرَّفها، وجب على الملتقط أن يردها إليه كاملة.

(هـ) إن لم يُعرِّفها أحد بعد السنة؛ جاز للملتقط الانتفاع بها؛ لقوله ﷺ في الحديث: «فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها».

(و) فإن جاء صاحبها بعد السنة، فإنه يردها إليه إن كانت موجودة، أو يرد بدلها إن كانت استهلكت، وهذا هو قول الجمهور.

ودليلهم ما ورد في رواية أبي داود: «فإن جاء باغيها فأدِّها إليه، وإلا فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها، فإن جاء باغيها فأدِّها إليه»[6].

وجاء في رواية عند مسلم: «فإن لم تعرف فاستنفعها، ولتكن وديعة عندك»[7].

قلت: وسواء كان الملتقط غنيًّا أو فقيرًا، وعلى هذا فالفرق بين ما قبل السنة وما بعدها: أن ما قبل السنة يحتفظ باللقطة كما هي فإن جاء صاحبها أداها إليه كاملة، وما بعد السنة فإنه يباح له أن ينتفع بها، فإن جاء صاحبها وكانت قد استهلكت، رد إليه بدلها.

قال النووي: (إن جاء صاحبها قبل أن يتملكها الملتقط أخذها بزوائدها المتصلة والمنفصلة، وأما بعد التملك فإن لم يجئ صاحبها فهي لمن وجدها، ولا مطالبة عليه في الآخرة، وإن جاء صاحبها، فإن كانت موجودة بعينها استحقها بزوائدها المتصلة[8]، ومهما تلف منها لزم الملتقطَ غرامتُه للمالك، وهو قول الجمهور).

قال ابن حجر: (وقال بعض السلف: لا يلزمه، وهو ظاهر اختيار البخاري)[9].

ملاحظات:

(1) اختلف العلماء في وجوب الإشهاد على اللقطة؛ فيرى الحنفية والظاهرية وجوب الإشهاد؛ لما ثبت في الحديث: «من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل، ولا يكتم ولا يغيب، فإن وجد صاحبها فليردها إليه، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء»[10].

وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى استحباب الإشهاد فقط، ولم يروا الوجوب؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر زيد بن خالد ولا أُبَيَّ بن كعب فيما التقطوه بالإشهاد.

(2) يرى جمهور العلماء أن الملتقط إذا رد اللقطة إلى موضعها بعد أن التقطها، أو دفعها لغير الملتقط، يكون ضامنًا لها؛ لأنه مفرِّط في حفظها.

(3) لو أخذ اللقطة بنية التملك، كان ذلك في حكم الغصب، وعليه الضمان، ولا يبرأ إلا بالرد على المالك، حتى لو هلكت من غير تعدٍّ ولا تفريط منه.

(4) أقسام المال الملتقط: تنقسم اللقطة إلى أقسام:

الأول: أن يعلم أن صاحبها تركها رغبة عنها كمن يرمي كراسـي مكسورة في الطرقات، فهذه يجوز لمن وجدها والتقطها أن يتملكها.

الثاني: أن يكون المال مما لا يتبعه الناس ويبحثون عنه؛ كالشـيء التافه اليسـير، فمن وجده جاز له تملكه، ومع ذلك فإنه إذا علم صاحبه أعطاه له، وذلك نحو السوط والرغيف والسواك؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: مر النبي ﷺ بتمرة في الطريق، قال: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها»[11]. وقد ثبت أن ميمونة رضي الله عنها وجدت تمرة فأكلتها، وقالت: «لا يحب الله الفساد»[12].

الثالث: أن يكون مما يتبعه الناس ويسألون عنه، وربما أصابهم هَمٌّ بسببه، فهذا هو الذي يتعلق به أحكام اللقطة هنا؛ من حيث التعريف والحفظ ونحو ذلك كما سبق.

ويختلف هذا الأمر على حسب الأحوال والأماكن، ويحكم على ذلك بالغالب، والله أعلم.

(5) جاء في بعض روايات الحديث أن معرفة وكائها وعفاصها يكون قبل التعريف، وفي بعض الروايات أن ذلك بعد التعريف، فما وجه الجمع بينها؟ قال النووي: (ويجمع بينهما بأن يكون مأمورًا بالمعرفة في حالتين؛ فيعرف العلامات أول ما يلتقط؛ حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها كما تقدم، ثم بعد تعريفها سنة، إذا أراد أن يتملكها فيتعرفها مرة أخرى تعرفًا وافيًا محققًا؛ ليعلم قدرها ووصفها فيردها إلى صاحبها)[13].

(2) لقطة الحيوان:

[ما تشمله]

وتشمل لقطة الإبل والغنم ونحوهما، ويطلق عليها: الضالَّة. قال الحافظ: (قال العلماء: الضالة لا تقع إلا على الحيوان)[14]، وقد بين النبي ﷺ حكمها في الحديث السابق كما يلى:

(أ) ضالة الإبل القوية على الرعي وورود الماء:

فلا يجوز أخذها، بل يتركها؛ لقوله ﷺ في الحديث -وقد سئل عن ضالَّة الإبل-: «ما لك ولها! معها حذاؤها وسقاؤها؛ ترد الماء وتأكل الشجر». والمقصود بـ «الحذاء»: الخف، و«السقاء»: جوفها، وأشار بذلك إلى استغنائها عن الحفظ لها بما ركب في طبعها من الجلادة على العطش، وتناول المأكول بغير تعب لطول عنقها، وهذا الرأى هو قول الجمهور.

وخالف الحنفية فرأوا إباحة التقاطها، وحمل بعضهم النهي عن التقاطها على ما إذا نوى تملكها، وأما إن كان ليحفظها لا ليتملكها فأجازوه، وهو قول عند الشافعية، ولكن الراجح من ذلك قول الجمهور[15].

(ب) ضالة الغنم:

الراجح أن يأخذها ويتملَّكها صاحبها؛ لقوله ﷺ عندما سئل عن ضالة الغنم، قال: «لك، أو لأخيك، أو للذئب»، وجاء في بعض الروايات: «خذها، فإنما هي لك...» إلخ، وهذا صـريح في الأمر بأخذها.

اتفق العلماء على أنَّ لواجد ضالة الغنم في المكان القفر البعيد عن العمران أنْ يأكلها، واختلفوا: هل يضمن قيمتها لصاحبها أو لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه يضمن قيمتها، وخالف في ذلك المالكية. قال الحافظ: (وتمسك به مالك في أنه يملكها بالأخذ، ولا يلزمه غرامة ولو جاء صاحبها)[16].

وأجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط أخذها، وخالف في ذلك ابن حزم على أنه إذا أخذها فلا سبيل لمالكها.

وقد اشترط العلماء لالتقاطها:

أن لا يكون لها حافظ، ووجدت في مكان يخاف عليه الذئب أو من يأخذها من الناس، ولا هي بقرب ماء، فمعنى الضالة: هي التي لم يعرف صاحبها أين هو؟ ولا يعرف واجدها لمن هي؟ وعلى هذا إذا كانت في مكان لا يخاف عليها الهلكة، ولا الضـياع، ولا أن يأخذها أحد، فلا يجوز التقاطها.

وهل عليه أن يعرفها؟

قال الحافظ: (قال الجمهور: يجب تعريفها، فإذا انقضت مدة التعريف أكلها إن شاء وغرم لصاحبها، إلا أن الشافعي قال: لا يجب تعريفها إذا وجدت في الفلاة، وأما في القرية فيجب في الأصح)[17].

قلت: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه الشافعي: أن التعريف لا يكون للضالة في الفلاة؛ لأن هذه غالبًا هي الأماكن التي توجد فيها الذئاب، بخلاف المصـر فليس بأماكنها.

وأما رواية أبي داود: «فاجمعها حتى يأتيها باغيها»[18]، فإنها من رواية ابن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن، فالإسناد لا يصح، وفيه مخالفة ابن إسحاق لغيره ممن رووا حديث زيد بن خالد الجهني؛ فإنه لم يذكرها أحد. فإن صح هذا الحديث فهو محمول على ضوالَّ لا يخاف عليها الذئب أو إنسان آخر، فإنه يأخذها ويعرِّفها، وهذا قول مالك، وهو الراجح، والله أعلم.

والخلاصة: أن ضالة الغنم إذا كانت في مكان يمكن أن تتعرض فيه للذئاب، فإنه يجوز التقاطها وتملكها، وأما إن كانت في مكان لا تتعرض فيه للهلكة ولا للضـياع، فإنه يأخذها ويعرِّف بها في القرية[19].

(جـ) ضالة الحيوان غير ما ذكر:

قال ابن حزم: (وأما كل ما عدا ما ذكرنا؛ من إبل لا قوة بها على ورود الماء والرعي، وسائر البقر، والخيل، والبغال، والحمير، والصـيود كلها المتملكة، والأُبَّاق من العبيد والإماء، وما أضل صاحبه منها، والغنم التي تكون ضوالَّ بحيث لا يخاف عليها الذئب، ولا إنسان، وغير ذلك - كله - ففرضٌ أخذُه وضمُّه وتعريفُه أبدًا، فإن يئس من معرفة صاحبها أدخلها الحاكم أو واجدها في جميع مصالح المسلمين، سواء كان كل ما ذكرناه مما أهمله صاحبه لضـرورة، أو لخوف، أو لهزال، أو مما ضل ولا فرق)[20].

قلت: وما قاله ابن حزم حسن، لكن لا بد أن يستثنى منه ما كان بحال يقوى على الاستقلال بقوته، فإنه لا يلتقط. قال الخطابي: (فإذا وجدها المرء - يعني: الضالَّة من الحيوان - لم يجز له أن يعرض لها، ما دامت بحال تمتنع بنفسها وتستقل بقوتها حتى يأخذها ربها)[21].

لقطة مكة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينفر صـيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد»[22]. ومعنى «لا يُخْتَلى»: لا يؤخذ ويقطع.

وقوله ﷺ: «لا تحل ساقطتها إلا لمنشد» أي: لمعرِّف لها، فهذا يدل على أن ملتقطها لا يتملكها أبدًا، وهذه من خصائص الحرم، فلا يتملكها أبدًا، بل يظل ينشدها مدى الحياة.

والآن -والحمد لله- توجد بمكة أماكن توضع فيها هذه الأموال، فالواجب على من وجد لقطة بمكة أن يسلمها لهذه الأماكن، ولا يحل له أبدًا أن يتملكها أو ينتفع بها.


شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة