حجم الخط:

محتوى الدرس (228)

كتاب الهبة

أحكام الهبـة

خريطة ذهنية لأحكام الهبة

جدول 130 كتاب الهبة

معنى الهبة:

لغة: الهبة من وهب الشـيء إذا أعطاه، فهو تبرع لا يكون فى مقابل عوض من الموهوب له.

واصطلاحًا: التبرع في حياته للغير بتمليك ماله بلا عوض[1].

تنبيه: عقد التبرع إن قصد به ثواب الآخرة بإعطاء محتاج فهو «صدقة»، وإن قصد به التودد للغير فهو «هدية»، وإن قصد نفع المُعطى له؛ فإن كان في حياة المتبرع فهو «هبة»، وإن كان بعد موته فهو «وصـية». ويطلق على الهبة أيضًا: هدية، وعطية، ونِحلة، ومنحة، وحِباء، وصِلة، ورِفْد، وغير ذلك.

مشروعية الهبة:

الهبة مشـروعة بالكتاب والسنة والإجماع:

أما (الكتاب): فقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء:4].

وأما (السنة): ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبى ﷺ قال: «يا نساء المسلمين؛ لا تحقِرَنَّ جارةٌ أن تهدي لجارتها ولو فِرْسِنَ شاة»[2].

ومعنى «فِرْسِن»: ظِلف الشاة، وهو في الأصل يطلق على خف البعير، لكنه استعير هنا للشاة، والمقصود: المبالغة في الإهداء، ولو بالشـيء اليسـير.

وأما (الإجماع): فقد نقله غير واحد من أهل العلم؛ منهم ابن المنذر[3].


ركن الهبة:

الإيجاب والقبول، أو المعاطاة الدالة عليها، ومعنى ذلك أن يقول الواهب مثلًا: (وهبتك كذا)، فيقول الموهوب له: (قبلت). ويسمى كلام الواهب: (إيجابًا)، وكلام الموهوب له: (قبولًا).

وكذلك تثبت الهبة بالمعاطاة الدالة عليها؛ كأن يرسل إنسان لآخر هدية في مناسبة له، ويعطيها له دون أن يقول له شـيئًا، فهذه هبة، ولا يشترط أن يقول له: وهبتك.. إلخ.

ملاحظات:

(1) الهبة للأقارب أفضل؛ لأن فيها صلة للرحم.

(2) لا يشترط لفظ الهبة في الإيجاب، بل يمكن أن يقول: وهبتك، أو أهديتك، أو نحلتك، أو أعطيتك، وما أشبه ذلك، وقد تقدم أيضًا أنه يكفي المعاطاة الدالة على الهبة.

ما لا تجوز فيه الهبة:

(1) لا يجوز هبة الاختصاصات والامتيازات؛ كأن يُمنح شخص أن يكون وزيرًا مثلًا، فيقول: وهبت هذه المنحة لفلان، فهذا لا يجوز.

(2) لا يجوز هبة الشـيء الموقوف؛ لأنه خرج عن ملكية الواقف وتصـرفه.

شرط القبض في الهبة:

لا يثبت أثر الهبة ولا تلزم إلا بالقبض، فلو أن إنسانًا وهب لآخر شـيئًا ثم رجع فيه قبل أن يقبضه إياه، فإن الهدية لا تلزمه، ويجوز له الرجوع فيها.

ومذهب الحنابلة أن القبض إنما يكون فقط في الموزون والمكيل، ولكن الذى عليه جمهور العلماء أن القبض يكون فى جميع الهبات، وهذا هو الراجح، وهو رواية أيضًا عن الإمام أحمد.

وأما إذا قبض الموهوب له الهبة، فلا يجوز للواهب الرجوع فيه؛ لأنه بالقبض لزمه، وخرج من ملكيته، وأصبح في ملكية الموهوب له.

والدليل على اشتراط القبض أن أبا بكر رضي الله عنه وهب ابنته عائشة رضي الله عنها ثمرة نخل، ثم لما مرض رجع فيه، وقال لها: لو أنك جددتيه واحتزتيه لكان ملكك، أما الآن فهو ميراث[4]، وثبت نحو ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم [5]. وبناءً على ذلك فإنه من باب أولى إذا نوى الهبة بقلبه ولم يهبها، فإن الهبة لا تلزمه. وكذلك الحكم لمن نوى الصدقة، أو الإبراء، أو نحو ذلك. وعلى هذا فالقبض شـرط لزوم لنفاذ أثر الهبة[6].

وكذلك لا تلزمه الهبة إذا كان قد وعده بها، لكن يندب الوفاء بالوعد، بل يجب؛ لقوله تعالى: ﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف:2].

الإذن فى القبض:

اشترط الفقهاء لقبض الهبة إذن الواهب له بالقبض[7]، فلو قال له: وهبتك بعيرى الذى في حظيرتي، فقال الموهوب له: قبلت، ثم أسـرع وأخذ البعير، فالذي ذهب إليه الفقهاء أنه لا تثبت الهبة؛ لأنه لم يأذن له بأخذ البعير، ومجرد أنه وهبه البعير لا يلزم منه أنه أذن له في أخذه؛ لأن له حق الرجوع قبل أن يسلمه له، ومجرد الهبة لا تكون إذنًا له في القبض.

أما إذا كانت الهبة موجودة أصلًا عند الموهوب له؛ كأن تكون عنده عارية، فيقول له صاحب العارية: عاريتي (كذا) التي عندك وهبتها لك، صحت الهبة، وملكها المُتَّهِب له مباشـرة؛ لأنها في يده أصلًا، فلا تحتاج إلى إذن بالقبض.

هبة المجهول وغير المعلوم:

الراجح صحة الهبة للشـيء غير المعلوم وللشـيء المجهول.

مثال الأول (غير المعلوم): أن يقول له: وهبتك الدراهم التي في الحقيبة، وهو لا يعلم عددها.

ومثال الثاني (المجهول): أن يختلط ماله بمال غيره ولا يتميز، فيقول له: وهبتك مالي المختلط بمالك، أو يقول له: وهبتك بعيري الشارد، وهذا مذهب المالكية إذ رأوا صحة هبة الشـيء الغير الموجود الذي لا يصح بيعه؛ كالعبد الآبق، والبعير الشارد، والمجهول، والثمرة قبل بدو صلاحها، والمغصوب.

موت الواهب أو الموهوب له:

إذا مات الواهب قبل أن يقبض الموهوب له الهبة، لا تلزم الهبة، بل تكون من التركة، ولكن يقوم الورثة مقام الواهب؛ إن سلموا الهبة جاز لهم ذلك، وإن منعوا التسليم جاز لهم ذلك[8].

وأما إذا مات المتهب (الموهوب له) قبل القبض بطلت الهبة، وليس لورثته مطالبة الواهب بقبض الهبة.

هبة المشاع:

ذهب جمهور العلماء إلى أن هبة المشاع جائزة، والدليل على ذلك أن وفد هوازن لما جاءوا يطلبون من رسول ﷺ أن يرد عليهم ما غنمه منهم، قال ﷺ: «ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم»[9]، فقد وهبهم النبي ﷺ نصـيبه، وهو مشاع لم يتميز بعد عن بقيته.

ويجوز كذلك أن يعطي الهبة لآخرين مشاعًا بينهم دون أن يخص كل إنسان بحصته، ودليل ذلك: حديث أبى قتادة عند الشـيخين في اصطياده حمارًا وحشـيا، ثم هبته أصحابه حصصًا شائعة منه، وأقرهم الرسول ﷺ على فعلهم[10].

الإبراء:

[تمهيد]

إذا كان لشخص على آخر دينٌ مثلًا، فقال الدائن للمدين: أبرأتك من الدين الذي عليك؛ برئت بذلك ذمة المدين، وعلى هذا فالإبراء نوع من الهبة.

شروط الإبراء:

(1) يشترط فيمن يهب غيره أو يبرئه أن يكون من أهل التبرع، وعلى هذا فلا يجوز للمحجور عليه أن يبرئ غريمه؛ لأنه لا يصح تصـرفه، ولا يجوز لولي اليتيم أن يهب أو يبرئ الغريم من مال اليتيم بشـيء، ولا يصح للوكيل أن يهب أو يبرئ من مال موكله إلا بإذنه.

(2) يشترط أن يكون الدَّين المبرأ منه معينًا، فإن لم يعينه فلا بد من الرجوع إليه لمعرفة ما أبرأه.

مثال: شخص له على آخر ألف جنيه وألف دولار، فقال: أبرأتك من أحد الدينين، فيرى بعض أهل العلم أن الإبراء لا يصح، والراجح أنه صحيح، ويرجع إلى المبرئ للتعيين.

(3) تقدم أنه إذا نوى بقلبه الإبراء، فلا يقع بمجرد النية، ولكن لا بد من اللفظ الدال على ذلك.

(4) هل يشترط قبول المبرأ لسقوط ما عليه، أو يكفي مجرد إبراء صاحب الدين ولو لم يقبل المبرأ؟

الراجح: أنه إذا رد ذلك دفعًا للمنَّة عليه جاز له ذلك، فإنه لا يُلزم بقبول الإبراء، وأما إذا لم يكن مِنَّةٌ أو نحوها، سقط الحق الذي عليه بمجرد إبراء صاحب الحق.

الرجوع في الهبة:

[مدخل]

تقدم أن الراجح لزوم الهبة بعد القبض، وأما قبل القبض فهي غير لازمة، ويجوز له -قبل القبض- الرجوع فيها على الصحيح، ولكن إذا لزمت بأن قبضها المتهب بعد إذن الواهب، فلا يجوز للواهب الرجوع فيها؛ لما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه»[11].

قال الشـيخ ابن عثيمين: (حتى لو فرض أنه عندما رجع رضـي الموهوب له ولم يبال، فإننا نقول: هذا حرام لا يجوز)[12].

رجوع الوالد في هبته لولده:

(1) استثنى الفقهاء عطية الوالد لولده؛ لأنهم يرون جواز رجوعه فيها، واستدلوا على ذلك بما ثبت فى الحديث عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، وَمَثلُ الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب؛ يأكل، فإذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه»[13]، ورجَّح الشـيخ ابن عثيمين أن هذا الحكم خاص بالأب. ويرى المالكية أنه يصح ذلك من الأب قبل القبض فقط، ويرى الشافعية والحنابلة أنه يصح له الرجوع؛ سواء كان ذلك قبل القبض أو بعده.

والجمهور يخصون هذا الحكم بالأب، وعند الشافعية أنه يجوز للأصل (كالجد) أيضًا الرجوع على الفرع (الأولاد وأولادهم) مطلقًا.

ويرى الفقهاء جواز أخذ الوالد من مال ولده، وجواز تملكه[14] من ماله؛ سواء كان الولد ذكرًا أو أنثى، بشـرط ألا يضـره، فلا يُمكَّن الأب من الإضـرار بولده؛ لأنه «لا ضـرر ولا ضـرار»، وكذلك لا يأخذ ما تتعلق به حاجة الابن، ولو كانت غير ضـرورية، ولا يجوز للأب أن يتصـرف في مال ولده ببيع أو هبة أو نحو ذلك؛ لأنه لم يتملك، فيكون تصـرفه في ملك غيره.

الرجوع في هبة الثواب:

إذا أعطى إنسان لآخر هبة لا ينتظر منه ثوابها[15] وقبضها المتهب، فإنه لا يجوز له الرجوع بحال، أما إذا قصد ثوابها والتعويض مقابلها فلم يتحصل على ذلك، فله الرجوع فيها؛ لما رواه مالك في (الموطأ) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة؛ فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب؛ فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها»[16].

موانع الرجوع في الهبة:

ذكر العلماء موانع تؤكد عدم الرجوع في الهبة، فمن ذلك:

(1) إذا أثيب على الهبة التي كانت للإثابة لا يرجع فيها.

(2) إذا كانت الهبة صلة للأرحام.

(3) إذا كانت الهبة صلة للزوجية، فلا يصح الرجوع في هبة الزوجين.

(4) إذا زاد في الهبة زيادة تتصل بها؛ كأن يهبه أرضًا فيبني عليها المتهب، فلا يصح للواهب الرجوع بعد ذلك، وأما إذا كانت الزيادة غير متصلة كالولد واللبن من الحيوان، والثمرة من الشجر، فلا يمنع الرجوع، ويكون رجوعه فيما وهبه فقط دون الزيادة؛ لأن الزيادة صارت ملكًا للمتهب، وأما إذا نقص الموهوب فلا يمنع من الرجوع في الهبة.

(5) إذا خرج الموهوب عن ملك الموهوب له؛ كأن يكون باعه أو وهبه.

(6) إذا مات أحد المتعاقدين، وقد تقدم ذلك.

(7) إذا استهلك الموهوب بالاستعمال مثلًا؛ لأنه لا سبيل إلى رجوعه؛ لأن قبض الهبة غير مضمون.

حكم قبول الهدية:

اختلف العلماء فيمن أهدي إليه هدية؛ هل يجب عليه قبولها أو لا؟ فذهب فريق من العلماء إلى أن قبولها مستحب غير واجب، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، ورواية في مذهب أحمد. وذهب فريق آخر إلى وجوب قبولها، إذا كان من غير مسألة ولا إشـراف نفس، وهذه هي الرواية الثانية عن أحمد، وقول ابن حزم من الظاهرية. ولكلٍّ من الرأيين أدلته القوية، فالأولى قبولها وعدم ردها إذا كان عن غير مسألة ولا إشـراف نفس.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة