عطية الأولاد:
يباح للإنسان أن يهب أولاده، ولا خلاف بين الجمهور في استحباب التسوية[1] بين الأولاد في العطية، فإن فضَّل بعضًا صح وكره، واستحبت المبادرة إلى التسوية أو الرجوع.
وذهب أبو يوسف إلى وجوب التسوية إن قصد بالتفضـيل الإضـرار بالآخرين.
وعند الحنابلة يجب التسوية بين أولاده إذا لم يختص أحدهم بمعنى يبيح التفضـيل كمرض، أو قضاء دين، أو نحو ذلك.
تقدم أن العلماء اختلفوا في حكم التسوية:
(1) فذهب جمهور العلماء إلى استحباب التسوية بين الأولاد في العطية، فإن فضَّل بعضًا صح وكره.
(2) وذهب آخرون إلى وجوب التسوية بينهم، وبه صـرح البخاري، وهو قول طاوس والثوري، وأحمد وإسحاق، وبه قال بعض المالكية.
لكن هل تصح الهبة لو فاضل بين الأولاد؟
ذهب الجمهور الذين يرون استحباب التسوية إلى أن الهبة صحيحة حال المفاضلة، لكن مع الكراهة، ورأوا أنه يستحب له الرجوع في الهبة أو التسوية بينهم.
وأما الذين يرون الوجوب فهم فريقان:
الأول: قالوا: الهبة باطلة، وهو قول طاوس، والثوري، وإسحاق.
الثاني: قالوا: تصح ويجب أن يرجع، وهو قول أحمد، وعنه أيضًا: يجوز المفاضلة إن كان له سبب، كأن يحتاج الولد؛ لزمانته (مرضه المزمن)، أو دَيْنه، أو نحو ذلك.
والراجح ما ذهب إليه الفريق الثاني من وجوب المساواة بين الأولاد، ووجوب الرجوع؛ وذلك لما ثبت في الصحيحين من حديث النعمان بن بشـير رضي الله عنهما قال: تصدق عليَّ أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضـى حتى تشهد عليها رسول الله ﷺ، فجاء أبي رسول الله ﷺ ليشهده على صدقته، فقال: «أَكُلَّ ولدك أعطيت مثله؟»، قال: لا، قال: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»، قال: فرجع أبي، فرد تلك الصدقة[2]. وقد ورد الحديث بألفاظ؛ منها: «فارجعه»، وفي لفظ: «لا تشهدني على جور»، وفي لفظ: «فأشهد على هذا غيري».
قال ابن قدامة: (وهو دليل على التحريم؛ لأنه سمَّاه جورًا، وأمر برده، وامتنع من الشهادة عليه، والجور حرام، والأمر يقتضـي الوجوب، ولأن تفضـيل بعضهم يورث بينهم العداوة والبغضاء، وقطيعة الرحم)[3].
قال ابن قدامة: (فإن خصَّ بعضهم لمعنى يقتضـي تخصـيصه؛ مثل اختصاصه بحاجة، أو زمانة، أو حمى، أو كثرة عائلة، أو اشتغاله بالعلم، أو نحو ذلك من الفضائل، أو صـرف عطيته عن بعض ولده؛ لفسقه أو بدعته، لكونه يستعين بما يأخذه على معصـية الله، أو ينفقه فيها، فقد رُوي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك؛ لقوله في تخصـيص بعضهم بالوقف: لا بأس به إذا كان لحاجة، وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة، والعطية في معناه، ويحتمل ظاهر لفظه المنع من التفضـيل والتخصـيص على كل حال؛ لكونه ﷺ لم يستفصل في عطيته، والأول أولى إن شاء الله؛ لحديث أبي بكر[4]..)[5]. أي: أن أبا بكر قد خص عائشة بالهبة، وذلك لفضائلها.
اختلف العلماء في طريقة التسوية بين الأولاد:
(أ) فرأى بعضهم أن يسوي بينهم بحيث يعطي الأنثى مثل الذكر، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن المبارك؛ لما ورد في بعض ألفاظ حديث النعمان: «سووا بين أولادكم»[6].
(ب) وذهب فريق آخر إلى أن التسوية تكون على كتاب الله؛ فيعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا مذهب أحمد، وبه قال عطاء، وشـريح، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، وأدلتهم في ذلك:
1- أن الرواية الصحيحة لحديث النعمان: «اعدلوا بين أولادكم»، والعدل يقتضـي أن يكون مثل الميراث، فالاقتداء بقسمة الله أحق ما يقتدى به في تحقيق العدل.
2- قال عطاء: (ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله).
وأجابوا عن رواية حديث النعمان بن بشـير السابق «سووا بين أولادكم» بأنها قضـية عين لا عموم لها، ولأننا لا نعلم هل كان في أولاده أنثى أو لا؟ ولاحتمال أن تكون التسوية في أصل العطاء لا في صفته.
قلت: والذي تقتضـيه صناعة الحديث عند النظر في الروايات التي وردت في حديث النعمان -إذ بعضها بلفظ: «التسوية» وبعضها بلفظ: «العدل» بين الأولاد- أن الأخيرة هي الأرجح؛ لورودها في الصحيحين، وأما رواية: «سوِّ بينهم»[7]، فهي عند النسائي وأحمد من طريق حجاج بن نصـير، وهو ضعيف الحديث، وقد وصفه ابن حبان بأنه (يخطئ ويهم)، فلعل هذا اللفظ من أوهامه. فإن قيل: إنه قد توبع، فقد تابعه عبد الله بن المبارك فيما رواه ابن حبان. فالجواب: أن هذه الرواية مع صحة إسنادها، إلا أننا نجد فيها أن النبى ﷺ سأل النعمان: «هل لك بنون سواه؟»[8]، فخص السؤال بالبنين. وأما ما ورد في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ: «سووا بين أولادكم، ولو كنت مؤثرًا أحدًا لآثرت النساء»[9]، أو: «لفضَّلت النساء»، فإنه لا يصح الاستدلال به؛ لأن إسناده ضعيف، واستنكره ابن عدي في (كامله).
ويتفرع على أحكام الهبة ما يلي:
(1) هناك فرق بين الهبة والنفقة، فالهبات يجب فيها العدل بقدر الإرث كما تقدم، وأما النفقات فالواجب فيها العدل بقدر الحاجة، فمن احتاج لنفقة أكثر أنفق عليه بما يحتاجه، ولا يلزم أن يعطي لبقية أولاده نظير هذه النفقة، أو يوصـي لهم بها.
(2) لا تجب التسوية في الهبات لغير الأولاد، كمن وهب لبعض إخوانه دون بعض؛ لأن الحديث نص على الأولاد فقال: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»[10]، ولم يقل: بين وارثيكم. قال ابن عثيمين: (لكن يجب أن يجعل العطاء سـرا؛ حتى لا تحدث القطيعة من الأخ الثاني)[11].
(3) هل يجب على الأم التسوية في العطية بين أبنائها مثل الأب؟
الجواب: نعم؛ لعموم قوله ﷺ: «اعدلوا بين أولادكم».
(4) هل يجب أن يسوي بينهم في الإقراض؟
الجواب: نعم، فإنه يقرضهم حسب حاجتهم إن احتاجوا إلى ذلك، ولا يشترط المساواة في مقدار القرض.
(5) إذا فاضل بين أولاده، ثم مات قبل أن يسوي بينهم أو يرتجع الهبة، فهل تثبت الهبة، أو لا بد من رجوعها؟
هناك قولان للعلماء: بعضهم يرى ثبوت الهبة؛ وهو مذهب الشافعية، ومالك، وأبى حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد.
وبعضهم يرى وجوب ارتجاعها وجعلها في التركة؛ وهو الراجح، وهي الرواية الأخرى عن أحمد، وهو قول عروة بن الزبير، وإسحاق؛ لأن النبي ﷺ سمى المفاضلة جورًا، والجور حرام لا يحل للفاعل فعله، ولا للمعطي تناوله، والموت لا يغيره عن كونه جورًا حرامًا، فيجب رده، هذا وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الهبة لم تصح أصلًا.
(6) هل يجوز شـراء الواهب الهبة من الموهوب له؟
الجواب: الراجح لا يجوز؛ لأنه لا يستطيع أن يماكس (يعني: يفاصل) في السعر حياءً من الواهب، فيكون الواهب قد رجع في بعض ما وهبه، وكذلك الحال في شـراء الصدقة، فالأمر فيها أشد، ولذا لما حمل عمر رضي الله عنه على فرس في سبيل الله، فأراد عمر أن يشتريه، فاستأذن النبي ﷺ فقال: «لا تشتره، ولو أعطاكه بدرهم؛ فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه»[12].
(7) لا يجوز للإنسان أن يهب لآخر ما يستعين به على معصـية الله ﭬ.
(8) هل الأفضل أن يؤثر الوالد أولاده على أبيه أو العكس؟
قال ابن عثيمين: (الجواب: يبدأ بأبيه)[13].
(9) ليس للولد أن يطالب أباه بدين، ولا أن يرفعه إلى القاضـي، والصحيح أنه لا يجوز كذلك أن يطالب أمه، وكذلك لا يطالبهما بأرش الجناية.
(10) لكن يجوز له أن يطالب والده بنفقته الواجبة عليه؛ لأن ذلك ثابت بأصل الشـرع.
(11) إذا وعده رجل آخر بهبة، فهل يلزمه الوفاء بها؟ فيه خلاف؛ وفال مالك: يجب منه ما كان عن سبب، وأيًّا كان فإن الله قد أمر بإنجاز الوعد.
(12) هل الصدقة أفضل أو الهبة؟ قال شـيخ الإسلام ابن تيمية: (الصدقة أفضل، إلا أن يكون في الهدية معنى تكون به أفضل من الصدقة، مثل الإهداء لرسول الله ﷺ في حياته محبة له، ومثل الإهداء لقريب يصل به رحمه، وأخ له في الله، فهذا قد يكون أفضل من الصدقة)[14].