الهدايا المباحة والهدايا المحرمة:
(1) الهدايا التي تقدمها المؤسسات؛ مثل الأدوات المكتبية ونحوها، حكمها: أنها من الهبة المباحة المستحب قبولها، ما لم تكن هذه المؤسسة تقوم بأعمال؛ محرمة كالبنوك الربوية، وشـركات الدخان، وما لم تكن هذه الهبات تستعمل في محرم؛ كطفايات السجائر مثلًا.
(2) الهدايا التي يقدمها التجار ترويجًا لسلعهم جائزة، وهي من الهبة المباحة، ولها صور:
منها: أن يجعل هدية لكل مشترٍ؛ سواء كانت من جنس السلعة أو من غيرها[1].
ومنها: أن يجعل هدية إذا اشترى كمية معينة من السلع.
قلت: وسواء كان المشتري موعودًا بالهبة قبل الشـراء، أو منحت له في أثناء الشـراء، وسواء كانت الهبة سلعة معينة، أو خدمة تقدمها له الشـركة[2].
(3) وأما ما يفعله بعض التجار من ترويج سلعتهم بإعطاء المشتري بطاقة بها صورة معينة يكملها بالملصقات التي تخرج لهم من هذه السلع؛ فإن هذا النوع حرام لا يجوز، وذلك لما فيه من التغرير بتبذير المال، وحمل الناس على شـراء ما لا حاجة لهم به إلا تحصـيل ما يتمون به البطاقات، وفيه كذلك نوع من الميسـر والقمار؛ لأنه قد يحصل ذلك فيغنم، وقد لا يحصله فيغرم، وقد أفتى الشـيخ ابن عثيمين بحرمة ذلك[3].
لا يجوز للمرء إذا خوِّل إليه عمل أن يقبل فيه هدية؛ لأن ذلك من الرشوة المحرمة، وهي من الخيانة والغلول، فعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل النبي ﷺ رجلًا من الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي، فقال النبي ﷺ: «فهلا جلس في بيت أبيه -أو بيت أمه- فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسـى بيده، لا يأخذ أحد منكم شـيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته»[4].
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله ﷺ الراشـي والمرتشـي[5].
وعلى هذا فيحرم ما يأخذه الموظفون في الدوائر الحكومية أو غيرها لتسهيل مطالب الناس، وما يأخذونه على ذلك رشوة، وسواء كانت الهدية المقدمة له عينية، أو منفعة، أو كانت معنوية؛ كأن يقدم العميل خدمة للموظف يحتاجها.
وأما صاحب الحق فالأصل أنه لا يجوز له بذل هذه الرشوة لهذا الموظف الذي يأكل السحت، لكن إن منعه الموظف حقه، وكان لا يستطيع الوصول لحقه إلا ببذل هذه (الرشوة) له، جاز له ذلك، ما لم يكن هناك تعدٍّ على حقوق الآخرين، والإثم في هذه الحالة يقع على الموظف فقط.
وكذلك لا يجوز لمندوبي المبيعات أن يأخذوا شـيئًا من التجار الذين يشترون منهم؛ لأن ذلك رشوة، ومن أخذ من ذلك شـيئًا فعليه أن يرده على من أهداه إليه، فإن لم يتمكن من ذلك فإنه يعطيها للجهة التي يعمل فيها؛ لأنها في الحقيقة سبب الهدية، والهدية إذا كان لها سبب ألحقت به؛ لأن عقود التمليكات تعتبر فيها الأسباب.
تنبيه: لكن إذا كان بين هذا الموظف وبين العميل تواد قبل تولي وظيفته، وكان يهديه قبل ذلك للمودة التي بينهما، جاز له قبول الهدية؛ إذا كان مقصودهم استمرار المودة، ولا علاقة لها بالوظيفة، والله أعلم.
العمرى والرقبى نوعان من الهبة يفتقران إلى ما يفتقر إليه سائر الهبات، من الإيجاب والقبول والقبض ونحو ذلك.
ومعنى العمرى: أن يقول الرجل لصاحبه: أعمرتك هذا الشـيء أو هذه الدار، أي: جعلتها لك مدة عمرك، ومقصوده أنه إذا مات عادت الهبة له، وسميت عمرى لتقييدها بالعمر.
ومعنى الرقبى: أن يقول له: أرقبتك داري، أو هي لك حياتك على أنك إن مت قبلي عادت إلي، وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك، فكأنه يقول: هي لآخرنا موتًا، وبذلك سميت رقبى؛ لأن كلا منهما يرقب موت صاحبه[6].
العمرى والرقبى جائزتان، ودليل جوازهما من السنة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «العمرى جائزة»[7].
وإذا أرقب الإنسان أو أعمر لصاحبه شـيئًا صارت ملكًا له (يعني: لمن وهبت له)؛ لأن حكمها حكم الهبة، وأما الشـرط الذي شـرطه أنها مدة حياته، أو لآخرهم موتًا؛ فإن شـرط التوقيت هذا باطل، وأصبحت الهبة للمتهب (الموهوب له) ولورثته من بعده؛ فعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عُمرى، فهي للذي أُعمِرها حيًّا وميتًا، ولعقبه»[8].
ومقصود قوله ﷺ: «أمسكوا عليكم أموالكم» حفظ الأموال وعدم تضـييعها؛ لأنهم كانوا يظنون أن هذه كالعارية، وأن له حق الرجوع فيها، فبين لهم ﷺ أنها صارت هبة صحيحة، وليس له الرجوع فيها.